الإثنين 17 يونيو 2024

المقاومة الفلسطينية بالقلم والسرد

مقالات9-12-2023 | 16:04

تبدو الأرض مع القضية الفلسطينية ذات أبعاد تتجاوز مفهوم الحيز المكانى، فتكتسب بعدا روحيا وقيما عليا, فتغدو بذرة فى الذات الفردية والجماعية.. وهو ما تجلى ببعض النصوص. 

.. رواية "إلى الجحيم أيها الليلك".. ل"سميح القاسم"

"سميح القاسم" أحد شعراء المقاومة, هاهنا هو الناثر/ الروائي, حتى وإن أطلق عليها "حكاية" بدلا عن الرواية! عام 1978م, 

عرض الروائي البعد التاريخي قبل وصول العبرانيين, ثم تنزاح الحبيبة "دينا" بسبب تحطم بيتها بفعل قذف غبي من طائرة الأعداء, وبنزوحها تبدأ المضايقات من جنود الاحتلال.. ولإثبات ملكية الأرض, يدور صراع العرب داخل أماكن محددة وثابتة: حيفا, تل أبيب, القدس, الخليل.

بينما لإثبات هشاشة المكان وعدم ملكية الأرض للإسرائيليين, تدور الأحداث من خلال: مقهى غان, ومقاهي أخرى, موقف سيارات, بيت عاهرة, المحطة المركزية بتل أبيب.. كلها أماكن متحركة أو قابلة للتحرك وعدم الثبات أو طارئة.

في مقابل شخصيات العدو المتمثلة في العاهرة "أم أورى" (وقد جعل منها الروائي تمثيلا للعدو, والطريف أنه يقر لها بالتفوق جنسيا, وعلى الجانب الآخر تفوق العدو) والسمسار (وإن بدا كره البطل له لكونه ماركسيا، والماركسية تنظر إلى عمل السمسار بريبة) وغيرها من الشخصيات المرفوضة. بينما يبدو البطل مثقفًا مقتنعًا بقضيته, يتناقش بقدر وافر من الثقة, يبدو مرجعها الثقة في حقه, حتى وإن كان العدل المطلق شيئا مستحيلا على حد تعبيره. 

تجربة الأسر والأسير من تجارب المقاومة..

رواية "عناق الأصابع" للروائي "عادل سالم "

ترصد رواية "عناق الأصابع" معاناة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني.. حيث يسعى الروائي إلى أن يغوص في دواخل الأسرى؛ عن معاناتهم، علاقاتهم، سر صمودهم، مصادر ضعفهم، مشاكلهم، وقصص غرامهم.. استلهم شخصياتها من الواقع المعاش.  

اعتمد الروائي على إبراز الآتي: توثيق ذاكرة الأسرى والشهداء وحفظها لذاكرة الأجيال الجديدة.. فترة الانتفاضة الأولى.. ثم بث روح النضال وتمجيدها.. فى مقابل رفض الخيانة والفرقة بين الفلسطينيين.. كما تدور أحداث الرواية بمدينة القدس، وهو ما جعل الروائي يتناول قضية القدس ضمنها.. وفي جانب منها، توثيقية تسجيلية.. حيث رصد الروائي بعض المواثيق والمعاهدات الخاصة بالقضية الفلسطينية والقدس، إلى جانب توثيق إحصائى لأحداث الانتفاضة.. فيما ترصدت الرواية التحولات فى القناعات والشعارات، وانهيار الأيديولوجيات، عند بعض الأسرى المناضلين، وهو جانب إنسانى محفوف بالمخاطر حتى فى رصده.. تدور أحداث الرواية.. بين السجون، والمنازل، وهو ما بين الأسرى وذويهم.

الحضور الروائي في الانتفاضة الأولى (1987م)

رواية "الحواف" للروائي "عزت الغزاوى"

لقد وضعنا الروائي في تناقض ومفارقة الفن والواقع مع السطور الأولى: الزمن الروائي غير مستقيم بل مثقوب دومًا ما بين الماضي والمستقبل.. ما بين ما كان وما يرجو أن يكون. والمكان الروائي يوحي بواقعية الأحداث: مخيم "الأمعرى" و"فلندا".. مع ذلك فهي أماكن غير مكتظة بالناس, ويكاد العمل كله في دائرة فراغ ما. والشخصيات، منها ثلاث: "ع" الغامض الإيجابي المخلص للقضية, "فؤاد" الذي سجن لسنة ثم تحول عن القضية, و"إبراهيم فوزي" المطارد وسجن بسبب حب الوطن. ومع الثلاثة لم يبد لنا الروائي منحازًا, وإن بدا فنيا تحيزه ل"فوزي" الذي بقى مخلصا للقضية.

اندلعت الانتفاضة ولم يخبرنا الراوي.. متى ولا كيف؟ فقط هناك من يعمل من أجل..؟ فقد بعث "ع" برسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم.. أخي فؤاد, ماذا لو شربنا القهوة في بيت رأفت؟ مساء. 25-1-88 – أخوك "ص8

إنه عمل سرى إذن, كما أننا على حافة أحداث لها ماضي ومستقبل. هكذا يبدو بناء الرواية.. بسيطا ومركبا في آن. يكفى الإشارة إلى أن "ع" لم نتعرف عليه اسما أو رسما حتى نهاية الرواية.. وهناك "إبراهيم فوزي" الشخصية الواضحة والتي لا يمكن الاستغناء عنها في الأعمال الفنية للتعبير عن "المقاومة", 
الحضور الروائي فى الانتفاضة الثانية (2000م)

رواية نصوص "البالوع".. وقائع الموت والحياة، للروائي "أحمد يعقوب"

"إلى "نمر": والذي على قيد الحياة أو طفلي الذي اختطفت حياته أو أي طفل تسميه الأم الفلسطينية "نمر" كي يتفادى موت أطفال آخرين".. إنه "الإهداء" إلى شهداء الإنتفاضة.

إذا كانت "البالوع" اسم شعبي يطلقه سكان "البيرة" على المدخل الشمالي للمدينة, فهي اسم العمل كله حيث تدور الأحداث (وقائع الانتفاضة)..  فيما ينقسم العمل إلى شرائح, كما ينقسم إلى أجناس أدبية مختلفة.. بداية من "في الطريق إلى البالوع" حتى النداء باسم أحد الأبطال "يا أحمد العربي".. (قصص, وقصائد نثر, خواطر, أغنيات, رؤى وتأملات..) .."صباحات لم يغنها الملك داود".. عنوان النص الأول, تجربة فلسطيني أمام أحد الحواجز وما أكثرها (حوالي 7000حاجز), حاجز "إيرز", وقد خرج من أجل الشعر لحضور إحدى الندوات.

كان ذلك في اليوم الرابع للانتفاضة.. تملأه الكآبة, ولما لا؟!..فتذكر ما قاله "أدونيس": "نحن لا نحيا/  نحن نحيا موتا يوميا أخرس".. وتذكر الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم, والسنيمائى العراقي "عدى رشيد", وزملاء جنوب أفريقيا في الدراسة بأسبانيا وأحوال التفرقة العنصرية, وحتى نساء المانيا في سجون النازي, حتى تذكر الطفل الشهيد "محمد الدرة".. فقرر ألا ينجب طفلا.. وتتداخل

المقولات والحكايات والأشعار..

عن القدس المكان والأحداث..

رواية "مدينة الله" ل"حسن حميد"

تتشكل الرواية من خلال مجموعة رسائل.. يسبقها مفتتح بعنوان "القدس": "قرأت عن القدس الكثير، خلال أشهر، لم أترك حادثاً أو موقفاً أو علماً أو مكاناً إلا جلست فيه، ولم أدع كتاباً من كتب الرحلات المقدسية القديمة والحديثة، إلا وأتيت عليه".  

تشكلت حكايات الرواية من خلال رسائل تحمل أسماء، هي نفسها شخصيتها: "ليلى وسيلفا وأم أهارون"، و"أبو العبد وسعدية وعارف الياسين"، وفيها حكايات تصفهم بينما يبدو هناك خط محوري.. ألا وهو السرد حول "البغالة" أو "جيش الظلام" هؤلاء الذين يسيطرون على مقادير الفلسطينيين، يسرقون ويقتلون حتى الأطفال.                                  

تتشكل "المقاومة" فى سرد الرواية لقصص وحكايات عن الشعب الفلسطيني.. عذابه وألمه وهو في وطنه، تلك القصص والصور والأحداث التي تبدو وكأنها بلا نهاية.. مهما طال الزمن.. "ستظل القدس مدينة الله، ليست لدين بعينه، وليست لبشر بعينهم، إنها مدينة ممدودة على كف الله، وهذه الجبال وهذه الأودية ليست سوى خطوط هذه اليد المباركة" ص254

● إجمالا تتسم ملامح السرد والرؤى فى الرواية الفلسطينية بعد عام67 بالسرد التلقائي وأحيانا المباشر.. أقرب إلى أدب الاعتراف/ تصوير وقائع نضالية / تصوير الحياة اليومية في ظل

الاحتلال.. / التناول المتجرد والتجريبي.

لم يعد الكاتب الفلسطيني حريصًا على تلك البكائيات التي شاعت في شعره وقصصه منذ 1948م.. حتى أن الدارسين رصدوا استحضار موضوع "سقوط الأندلس" في الشعر الفلسطيني قبل الانتفاضة. 

.. الآن كم نحن في شوق إلى سرديات جديدة تعبر عن منجز 7 أكتوبر 2023م