الثلاثاء 25 يونيو 2024

مسابقة القرآن الكريم في قلوب المصريين وفي مسجد مصر

مقالات24-12-2023 | 23:10

 تهل علينا المسابقة العالمية للقرآن الكريم في دورتها الثلاثين حاملة معها أحلام وآمال الآلاف وقد يكون مئات الآلاف بل والملايين من المحافظين على كتاب الله، وأقول المحافظين لا الحافظين، هذا لأن المحافظين ليس شرطاً أن يكونوا حافظين له، لكن شرطاً أن يكونوا مهتمين به وحريصين على قراءته وحافظين له. 
   وقد تجدهم أشد الناس حرصاً على تداول الأجيال لفضيلة قراءة القرآن الكريم، والاجتهاد في فهم معانيه، والسعي لحفظه في الصدور، ومشاهدة حَفَظَتُه وسماع تلاوته، فتلك المسابقة ليست قاصرة على المتسابقين فيها من مختلف دول وجنسيات العالم، فهي مِلْكُ لاثني مليار مسلم ويزيد بما يمثل ربع سكان العالم تقريباً، والأمر هنا لا يتعلق بسلوكيات ولا معتقدات أشخاص أو فئات أو أتباع الدين، فهو أمر قائم في الأساس على حفظ كتاب الله وتلاوته.
   فقد علمت بمحض الصدفة من أحد الأصدقاء المقربين وهو من المغتربين المصريين وأحد رجال الصعيد الذين يتمتعون بالشهامة والأصالة، أن ابنته بالصف الثانوي قد أتمت حفظ وتلاوة كتاب الله وكرمتها جهة التحفيظ بأن أهدتها وجَدَّتِهَا عُمرة عاجلة، أي تفوق عزيز هذا وأي هدية كريمة هذه!!
   كما سبق لي وأن التقيت بأحد القضاة من السنغال في إحدى الدورات التدريبية التي تقدمها الدولة المصرية للأشقاء الأفارقة في مجالات متعددة، وهالني صوته وتلاوته للقرآن الكريم بتمكن تام تكاد تجزم معه أنه عربي النشأة والميلاد، من فرط إجادته لمخارج الألفاظ ونبرات الصوت ما بين صعود وهبوط وخشوع الحافظين لكتاب الله، وسعدت كل السعادة حينما أبلغني أنه أتقن التلاوة والحفظ عن والده الذي أتم دراسته بالأزهر الشريف ثم أصبح شيخاً وإمام مسجد بأحد مساجد العاصمة داكار.
   وها أنا أعترف من طرفي بأنني كنت أول الناسين الساهين عن كتاب الله لسنوات، لست بعيدة كل البعد ولا قريبة كل القرب، لكن الدنيا ألهتني وخطفت تركيزي رغم أنني كنت أكثر حرصاً على هذا في عمر أصغر، لكن الفرص لا تضيع والله جل جلاله الكريم الودود، يَوُدُ عباده ويتقرب إليهم بمنحهم المزيد من الفرص كلما مسهم مس السهو والنسيان واللهو، فمن تقرب إليه ذراعاً تقرب إليه باعاً، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة ... والحمد لله أنه الله الذي لا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
  فمسابقة كتلك التي تم افتتاحها بالأمس تحت رعاية فخامة الرئيس لهي تجمع وعيد وابتهاج يجتمع فيه كل حفظة القرآن الكريم من كل العالم، مع ملاحظة أن هذه المسابقة لم تُعْنَ بحفظ القرآن الكريم فحسب، إنما تُعْنَىَ بحفظه وتفسيره وفهم معانيه ومقاصده العامة، وقد بلغ إجمالي المشاركين في هذه المسابقة أكثر من مائة متسابق من أربع وستين دولة، مع محكمين من تسع دول، لمسابقة تم تقسيمها على ستة أفرع، بقيمة جوائز تصل إلى أربعة ملايين جنيه ، والأمر في حقيقته لا يتم تقييمه وفقاً لقيمة الأرقام –وإن كانت عنصراً محفزاً بطبيعة الحال- لكن تقييمه يكون وفقاً لقيمة التجربة في حد ذاتها، وعنصر الاستدامة فيها مع الحفاظ على مستوى التنظيم والتنسيق والإدارة.
   ولاختيار مسجد مصر الكبير التابع لمركز مصر الثقافي الإسلامي، مكاناً وموقعاً ومركزاً لإقامة فعاليات المسابقة لهذا العام دلالة شديدة الأهمية للعالم بأسره، فهو المسجد الذي تم افتتاحه في مارس الماضي وباهت به مصر الأمم في شموله على العديد من الموسوعات الدينية والعلمية، وفي فنون عمارته وزخارفه الفريدة، وفي علمائه وشيوخه ومؤذنيه، وفي طلابه والدارسين والمترديين عليه.
  وعلى بعد كيلومترات قليلة ومن نفس الموقع، تجدها هي ذات الكنانة التي تستقبل العام الميلادي الجديد مهنئة فيه أقباط مصر من شركاء الوطن في كاتدرائية ميلاد المسيح، في تناغم وانسجام وتكامل يرسلان رسالتهم بأن مصر وقرآنها وإنجيلها هما فرعي دمياط ورشيد الذي يصب في دماء المصريين.  
   ونظل على العهد حافظين وداعين بأن يلهمنا حسن التفكير والتدبير والتطبيق.

الاكثر قراءة