الجمعة 24 مايو 2024

القناعات سجون

مقالات28-1-2024 | 17:57

كل إنسان تسيطر عليه مجموعة «قناعات»؛ يعتنقها ويتمسك بها ويسير على هديها، وينظر إليها بوصفها الحق المبين.

إنه يتمسك بها ظنًا منه أنها بالغة الاتساق والتماسك، وأنه توصل إليها بعد تفكير وروية.

يعتقد المرء أن كل قناعات المرء التي يزدحم بها رأسه، وكل فكرة من أفكاره، إنما هى أفكار ومعتقدات أصيلة ومتينة، ويتعامل معها بوصفها فكرته هو، ويتوهم أن ما يؤمن به من معتقدات إنما اعتنقها وآمن بها بعد تأمل طويل وعميق، وأنه توصل إلى هذه الأفكار والمعتقدات بنفسه، بل قد يصل الحال بالشخص إلى الاعتقاد الجازم بأن أفكاره ومعتقداته واضحة وضوحًا ذاتيًا، وأنها ترقى إلى درجة البديهيات والمسلمات بما تتحلى به من وضوح وصواب، وينفر ممن يجادل أو يناقش صحة تلك الأفكار، فما بالنا إذا صادف من يرفضها ويتشكك في صحتها؟! بل إن البعض يعتقد فى صحة تلك الأفكار والمعتقدات اعتقادًا راسخًا إلى درجة الاستعداد للموت فى سبيلها.

إن «القناعات» هى آراء وأفكار ومعتقدات، تختلف من فرد إلى آخر باختلاف المجتمعات والعصور، إنها وليدة الظروف العائلية والاجتماعية والثقافية؛ والحالة الصحية والاقتصادية التي نشأ في ظلها الفرد، ومن ثمَّ فهى ليست مقدسة؛ وإن كان يتم الترويج لها في معظم الأحيان والأوطان على أنها كذلك!! كما يتكشف مدى هيمنة هذه القناعات وسيطرتها على سلوك أفراد المجتمع، وتوجيههم وجهة معينة دون غيرها.

أدرج الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون «القناعات» الفردية ضمن الأوهام الأربعة – التي قال بها في الجانب السلبي من منهجه؛ وأطلق عليها اسم «أوهام الكهف».

آثر بيكون قبل أن يقيم منهجه الجديد، أن يزيل ركام المنهج الأرسطي القديم وأنقاضه، وما ركام القديم إلا أنواع من الخطأ، لو زلّ فيها الإنسان؛ أدت به حتمًا إلى الخطأ فى النتائج التى ينتهى إليها بتفكيره.

وقد أطلق بيكون على تلك الأنواع من الأخطاء اسم « الأوهام » أو «الأوثان» idols هذه أخطاء ليست عامة، وإنما تتنوع بتنوع الأفراد وتختلف من فرد إلى آخر، فكل إنسان سجين كهفه، ولا يفكر إلاّ طبقًا لمزاجه الخاص، ويوائم بطريقة لا شعورية بين طموحاته الشخصية والوقائع المعيشة.

وكذلك الناس جميعًا، كل واحد منا يحكم على الأشياء طبقًا لطبيعته ومزاجه الخاص، وطبقًا لتربيته وثقافته والمجتمع أو البيئة التي نشأ فيها. وتؤدي أوهام الكهف إلى أضرار بالغة، من هذه الأضرار: فقدان النزاهة وسلامة الحكم.

إن كل فرد هو أسير قناعاته؛ فهى بمثابة أغلال تقيد فكره وتحكم سلوكه، فالقناعات هي الأفكار الحاكمة التي يسير وفقًا لها كل فرد في تنظيم شئون حياته، وليس من الضروري أن يلزم عن هذا أن كل فكرة منتشرة على نطاق واسع في المجتمع تُعَد فكرة حاكمة. مثال ذلك تفشي الحماس الشديد لتشجيع الأندية الرياضية لكرة القدم في مجتمع ما؛ هذا التحزب للأندية الرياضية، ليس فكرة حاكمة لكل أفراد المجتمع، في حين أن النظر إلى النساء بوصفهن «ناقصات عقل ودين» هى فكرة حاكمة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

نحن فى مسيس الحاجة لفحص قناعاتنا، كى نفهم مصدر الأفكار الكامنة داخل رؤوسنا، من أين جاءت؟ وكيف تكونت؟ وهل نحن الذين نملكها أم هى التي تملكنا؟ وعلينا أن نفرز الصائب من الباطل منها، ونميَّز بين الجيد والرديء. فإذا كانت الفكرة جيدة نُبْقِيها، أما إذا كانت رديئة فنطرحها جانبًا؛ لأن أفكارنا ومعتقداتنا هى التي تحركنا، تأمل سلوكك وأفعالك ستجدها جميعًا مسبوقة بفكرة طرأت على ذهنك دفعتك أن تسلك على هذا النحو دون غيره.

من المؤكد أنك قبل أن تشرع في قراءة هذا المقال طرقت ذهنك فكرة أن تقرأه، وبعد أن تفرغ من قراءته سوف تفكر قبل أن تتحرك من مكانك في الخطوة التالية التي ستقوم بها، وهكذا تحركنا أفكارنا. لا ريب أننا إذا امتلكنا أفكارًا جيدة فسوف نسلك على نحو طيب، أما إذا كانت الأفكار التي داخل رؤوسنا رديئة فسوف نسلك على نحو سيئ.
علينا أن نحرر عقولنا من سجن «القناعات»؛ بخاصةٍ إذا كانت زائفة ومضللة، وألا نقبل شيئًا على أنه صحيح إلا إذا ثبت لدينا أنه كذلك.