الجمعة 1 مارس 2024

رؤى فلسفية| «رينيه ديكارت».. ومشروعه الفلسفي (2 – 5)

مقالات30-1-2024 | 18:11

كان لـ«ديكارت» أكبر الفضل في بناء صرح الاتجاه العقلي الحديث، حين وضع قاعدته المنهجية المشهورة: «يجب ألا اقبل شيئاً قط على أنه حق ما لم يتبين لي بالبداهة العقلية أنه كذلك، ويجب ألا احكم على الأشياء إلا بما يمثله ذهني في وضح وتميز ينتقي معهما كل سبيل إلى الشك».

وقد قيل إن ما يسمي في الفلسفة باسم «الثورة الديكارتية» يتلخص في القاعدة التي تتطلب البداهة في كل معرفة وفي كل يقين، لأنها إنما تدعو إلى رفض كل سلطة تحاول أن تفرض نفسها على التفكير، ولا تقبل إلا حكم العقل الذي لا يري للحقيقة معيارًا إلا البداهة والوضوح. ولكن ماذا يُقصد بالاتجاه العقلي الذي أسسه ديكارت أو بالعقلانية؟

فالعقلانية كما تُعرفها موسوعة ستانفورد الفلسفية: تعتمد بالأساس على مقولتي (الحدس/ الاستنباط)، وهو ما قام به ديكارت تحديدًا. حيث بدأ ببديهية وصل لها عن طريق الحدس «أنا أفكر/ أنا موجود» وقام باستنباط وجود الله ثم وجود العالم وخلود النفس وتمايز النفس عن الجسد وكل ما يمكنه من معارف من خلالها بالانتقال من نقطة إلى نقطة، من يقين إلى آخر.

ولما كان العقل وليس الحواس هو طريق الوصول للمعرفة اليقينية، أو المعرفة التي تستحق هذا الاسم كما يري ديكارت، فقد وزعه الله علي الناس بالعدل. يقول ديكارت في هذا الصدد: «العقل هو أحسن الأشياء توزعًا بين الناس (بالتساوي) اذ يعتقد كل فرد أنه أوتي منه الكفاية، حتى الذين لا يسهل عليهم أن يقنعوا بحظهم من شيء غيره، ليس من عادتهم الرغبة في الزيادة لما لديهم منه». والسؤال الآن، ما هي أنواع أو اقسام الأفكار عن ديكارت؟

عزيزي القارئ قدم لنا ديكارت ثلاثة أنواع من الأفكار، تنقسم على النحو التالي:

  1. أفكار حسية.                        2) أفكار خيالية.                             3) أفكار فطرية.

الأفكار الحسية: ويطلق عليها ديكارت الانطباعات أو الأفكار الطارئة، وهي الأفكار التي يصل إليها الإنسان عن طريق الإدراك الحسي أو هي أفكارنا حول العالم الخارجي المادي.

الأفكار الخيالية: ويطلق عليها ديكارت الأفكار المصطنعة، وهي الأفكار التي نصل لها عن طريق ملكة التخيل أو المخيلة، وهي ليس لها في نظر ديكارت أي قيمة موضوعية، وبالتالي لا تصلح أساساً لبناء معرفة علمية صحيحة.

الأفكار الفطرية: هي الأفكار العقلية، حيث إن الله سبحانه وتعالي قد فطرنا عليها، بمعني انها ليست مكتسبة بالخيال ولا بالحواس. هي أفكار بديهية حدسية يؤمن بها كل إنسان عاقل. ومن أمثلة تلك الأفكار: فكرة الكوجيتو، والأفكار الرياضية مثل قول المثلث يتألف من ثلاثة أضلاع، والأفكار المنطقية مثل الأشياء التي يتساوى كل منها مع شيء معين تكون مساوية بعضها لبعض، والأفكار الميتافيزيقية مثل وجود الله وخلود النفس. ويري ديكارت أن الأفكار العقلية تتسم بالوضوح والتميز ولا يمكن أن تكون موضع شك ولا تحتاج إلي برهان، وذلك لأن مصدرها هو الله وهو الذي وضعها فينا منذ الميلاد.

والجدير بالذكر هنا عزيزي القارئ أن بحث ديكارت في اليقين أدي، إلى تأليف كتابه الشهير «العالم» الذي قصره على المسائل الوجودية، كما ذهب ديكارت في هذا الكتاب إلى ضرورة الاستعانة بالعقل أو بالاستدلالات الهندسية للارتقاء بالحكم الحسي إلى مرتبة الحقيقة الميتافيزيقية، وبذلك يمكن حل مسألة المحسوس، أي علاقة التجريبي بالعقل.

لذلك أتجه ديكارت إلى اكتشاف أساس اليقين العقلي داخل ذاته أولًا. لذلك بدأت فلسفته بداية جديدة، مستخدمًا فقط الحقائق التي وصل إليها عن طريق قواه العقلية، باعتبارها مصدرًا لجميع انواع المعارف الأخرى. والسؤل الآن، ما هي الأسس التي اتخذها ديكارت لتشييد مذهبه، جعلته يظهر في صورة فلسفة جديدة ومغايرة لكل الفلسفات السابقة له؟ إجابتنا عن هذا التساؤل ستكون موضوع مقالنا القادم.