الثلاثاء 16 ابريل 2024

الحمام لا يطير هاهنا

مقالات22-2-2024 | 10:46

كمثْلِ باقاتٍ من الياسمين كان يفترش صفحة السماء يطير بلا خوفٍ، ويحطُّ بلاخوفٍ،ويقترب من الناس في الساحات والميادين طالما استشعر منهم ألفةً وترحيباً بوجوده،ورأى في أعينهم بسماتِ الترحيب ونظرات الرضا؛ فيحطُّ على رؤوسهم وأكتافهم دونما وجَلٍ، وهو مدركٌ أنه حمل للإنسان رسالةَ سلامٍ دالةً على النجاة من الطوفان؛ إذْ بعث نبيُّ الله نوحٌ الحمامةَ غير مرةٍ، فكانت تعود دون شيءٍ، وفي إحدى المرَّات عادت وفي منقارها ورقُ الزيتون، ورجلاها ملطختان بالطين، فكانت بشارةً لنوحٍ ومَن معه، ومن ذلك الحين صارت شعارالسلام. ليستثمر الرسَّامُ العالميُّ"بابلو بيكاسو" هذا المعنى، ويرسم إحدى أكثر اللوحات تأثيراً وصداماً للحرب:لوحةٌ تتضمن حمامةً تحمل بمنقارها غصناً، من خلال خط رسمٍ بسيطٍ لكنه صار أكثر الخطوط شهرةً في العالم ويتم اختياره رمزاً للسلام في مؤتمر السلام الدولي الأول المنعقد في باريس عام1949،حيث يحتفل العالم باليوم العالمي للسلام في21 سبتمبر سنويا، ومن المدهش أن"أبا فراس الحمداني" الأمير الفارس قد خالف المعتقد العالمي في الحمامة حينما خاطبها في أسْره في سجون الروم: ( أَقولُ وَقَد ناحَتْ بِقُربي حَمامَةٌ-أَيا جارَتا هَلٍ تَشعُرينَ بِحالي/مَعاذَ الهَوى ماذُقتِ طارِقَةَ النَوى-وَلا خَطَرَت مِنكِ الهُمومُ بِبالِ) فالحمد لله أن الأمم المتحدة لم تجتمع للنظر فيما ارتكبه شاعرنا الفارس من مخالفات تُوقِعُه تحت طائلة البند السابع المُوجِبِ استخدام القوة لإزالة أثاره وطمْس ديوانه،ومن المضحك أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أشارت إلى جعل هذا اليوم نموذجًا للسلام خاليًا من العنف،يُلزم العالم بوقف العنف لمدة أربعٍ وعشرين ساعة!!.

(ليُغنِّ غيري للسلامْ/ليُغنِّ غيري للصداقة، للأخوّةِ، للوئامْ/ليُغنِّ غيري للغرابْ/جذلانَ ينعقُ بين أبياتي الخرابْ/للبوم..في أنقاضِ أبراجِ الحمامْ!/ليُغنِّ غيري للسلامٍ/وسنابلي في الحقل تجهشُ بالحنينْ/للنورج المعبود يمنحها الخلود من الفناءْ/لصدى أغاني الحاصدينْ/لِحداء راعٍ في السفوحْ/يحكي إلى عنزاته..عن حّبّه الخَفِرِ الطموحْ/وعيونهِا السوداء  و القدِّ المليحْ).

فما الذي جعل"سميح القاسم"لا يرحب بالغناء للسلام الذي بشَّرنا به عرابو مفاوضات السلام العربية مع الصهاينة؛ إن بصيرته ترى لطول معايشته إياهم في الأرض المحتلة-حيث لم ينزح منها مثلما نزح سواه، بل آثر المقاومة وجهاً لوجهٍ- أقول إن بصيرته أدركت توابع السلام التي حدد لم تدركها أعين المهرولين..!! إن سلام الصهاينة يفتح الأجواء العربية لأسراب الغربان والبوم بما في دلالة هذين النوعين في الموروث الشعبي اللذين سيتسببان في هجرة الحمام بعد هدم أبراجه؛لتحلَّ صور جوع البطون من حنين السنابل للنوارج،وجوع الأرواح فلا حداء الراعي السعيد بعنزاته،ولا البوح لها بأسرار قلبه وحنينه الطاهر إلى صاحبة الجمال العربي الأصيل من العيون السوداء والقدِّ المليح!!

(ليُغنِّ غيري للسلامْ/والعينُ ما عادت تبلُّ صدى شُجيرات العنبْ/وفروعُ زيتوناتها صارت حطبْ/لمواقد اللاهين.. يا ويلي.. حطبْ!!/و سياجُنا المهدودُ أوحشهُ صهيلُ الخيل في الطِّفلِ المهيبْ/والجرْنُ يشكو الهجرَ..والإبريقُ يحلم بالضيوفْ/بالـ"يا هلا"!!..عند الغروبْ/ورؤى البراويز المُغَبَّرةِ الحطيمةْ/تبكي على أطرافها نُتفٌ من الصور القديمةْ/وحقائبُ الأطفال أشلاءٌ يتيمةْ/لبثتْ لدى أنقاض مدرسةٍ مهدّمةٍ حزينةْ/مازال في أنحائها.. ما زال يهزاُ بالسكينةْ/رَجْعٌ من الدرس الأخير عن المحبة والسلام).

لتأتي الدفقة الثانية أشد وجعاً من سابقتها؛لقد فقدت كروم فلسطين أسباب الحياة ولم يعد يكفيها دموع الباكين لسقْيها، وجفّ الزيتون ليصير حطبَ مواقد اللاهين،إن الماضي بقدسية مفردات الأماكن التي انتُهكتْ،وبجمال سعة القلوب قبل البيوت لم يعد له وجودّ، ودرْس السلأم الماثل للعَيان ماهو إلا صدى لأحرف تكذبها تصرفاتُ الصهاينة اليومية فيما يمارسونه من هدم مدارس الأطفال..إنها الوضاعة في أخسِّ صورها..ما الذي ارتكبه هؤلاء الأبرياء ليواجهوا الإبادة الجماعية وتذوق حقائبهم اليتْمَ بعدما تحولوا إلى أشلاء؟!! ويصبح الدرْسُ الأخير الذي ترددتٍ حروفه على مسامع أطفالنا لآخر مرَّةٍ وياللعجب عن المحبة والسلام!!إنها المضحكات المبكيات أو الكوميديا السوداء حيث لا مكان لأصحاب الأرض إلا هناك خلف الحدود، يرمقون بنظرات العجز أرضهم المحتلة ترعى في أجسادهم ألوانُ الأمراض والأوبئة يعانون الحرمان من الخير الذي زرعه الأجداد لهم لتتخطفه أيدي المستوطنين اللصوص؛ ليصير نصيبهم من ممتلكاتهم كمثل أنصبة اليتامى على موائد اللئام!! (ليُغنِّ غيري للسلامْ/وهناك خلف حواجزالأسلاك في قلب الظلامْ/جثمت مدائن من خيامْ/سُكّانُها مستوطنات الحزن والحمّى وسلّ الذكرياتْ/وهناك تنطفئ الحياةْ/في ناسِنا..في أبرياء.. لم يسيئوا للحياةْ!/و هنا..!!هَمَت بيّارةٌ مِنْ خلقهم.. خيراً كثيرْ/أجدادهم غرسوا لهم..ولغيرهم، يا حسرتي الخير الكثيرْ/و لهم من الميراث أحزان السنينْ!!/فليشبع الأيتام من فضلات مأدبة اللئامْ!!/ليُغنِّ غيري للسلامْ/وعلى ربى وطني، وفي وديانه قُتِل السلامْ!!)