الإثنين 20 مايو 2024

أَتَحَـدَّىَ

مقالات5-4-2024 | 13:12

لم تزل صورتُه تحتلُّ ذاكرتي المكتظةَ بالكثير من الشخوصِ والأحداثِ؛حيث لم يفارقْ جَسدَه رداؤه العسكريُ،ولم أرَ رأسَه إلا متوَّجَاً بالعقال الفلسطيني والكوفيةِ الفلسطينية رمزِ المقاومةِ والتحدياتِ منذ تأسيسِ حركةِ"فتْح"،ورغم توالي الخطوبِ والأهوالِ لم تفارقْ عينيه التماعةُ الأمل في أحلك لحظات الخروج من"بيروت"عام82،ولم تجف على فمه ثقةُ هاتين الجملتين الشهيرتين"يا جَبَلْ..ما يهزك ريح،حِنَّا-أي نحن-شعب الجبارين"ورغم أن دهاليزَ السياسة لعبتْ دورَها في فُرْقةِ الفصائل الفلسطينيةُ،وأجَّجتٍ الاستقطاباتُ الإقليميةُ نيرانَ الخلافات إلا أن "ياسر عرفات"لم تختلف الفصائلُ الفلسطينيةُ كلُّها حول وطنيته وكفاحه الممتد لتحرير فلسطين.. فماذا كان يعني بهذا التركيب القاصم"شعب الجبارين"؟!!


يذكر القرآنُ الكريمُ قصةَ هؤلاء القوم في سورة "المائدة"حين أمر"موسى" عليه السلام"بني إسرائيل" بدخول الأرض المقدسة قال تعالى:(يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ) واختلف المفسرون في تحديد"الأرض المقدسة"؛فمنهم مَنْ قال:"الطور وما حوله"،ومنهم من قال: "أريحا"،وقيل:إن الأرض المقدسة"دمشق وفلسطين وبعض الأرْدُنّ"؛إلا أن"بني إسرائيل"استكمالاً لمسلسل تصرفاتهم وطبيعتهم الرافضةِ الامتثالَ المغرمةِ بالجدل المتلبُّسةِ دوماً بالشكوك حتى مع رؤيتهم انفلاقَ البحرِ وابتلاعه "فرعون" وجيشَه...أقول إن"بني إسرائيل"استكمالاً لرعونتهم،يصوِّر لنا "القرآن الكريم"مافعلوا (قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) لقد عاش"بنو إسرائيل" فترةً ليست بالقصيرة تحت حُكْم"الفراعنة"الذين فرضوا الرقَّ عليهم؛جاء في سورة"الشعراء"طَرَفاً من حوار"موسى"عليه السلام و"فرعون"{وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ}لقد كسر طولُ الاستعباد فيهم النخوةَ والمروءةَ،وأمات فيهم الشجاعةَ والإقدامَ، لذلك رفضوا المواجهة مع "الجبَّارين"وقالوا: يا"موسى"إن في الأرض المقدسة التي تأمرنا بدخولها قومًا جَبَّارين لا طاقةَ لنا بحربهم،ولا قوةَ لنا بهم،وسمُّوهم"جبّارين" لشدة بطشهم وعظيم خَلْقهم؛حيث ورد ذِكْرهم في"أسفار التوراة"عدة مرات بـ"العماليق" حيناً وبـ"الجبارين"حيناً آخر، أجل..لقدكسر طولُ الاستعباد فيهم النخوةَ والمروءةَ، وأمات فيهم الشجاعة والإقدام،ويظل ذلك ملازِماً لهم تصوُّرُه سورةُ"الحشر"أروع تصويرٍ، قال تعالى:(لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ) أجل..توقن قلوبنا بذلك ورأته أعيننا!!رأينا قراهم المحصَّنةَ لم تُغْنِ عنهم قال تعالى:(وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) أين خط"بارليف"؟!!هوى
 تحت أقدام جنودنا!! أين "مستوطنات ظهير غزة" بتسليحها ودفاعاتها وأجهزة استشعارها؟!!لم يُغْنِ ذلك كله حينما أتى زلزال"طوفان الأقصى"
(لا دَمِي تشربُه الأرضُ..ولا روحيَ تَهْدَا!!/فاقتلوني.. أتحدّى/واصلبوني.. أتحدّى/وانهبوا كَسْرةَ خبزي..أتحدّى/واهدموا بيتي وخلُّوه حطاماً.. أتحدّى/وكُلُوني..واشربوني 


..أتحدّى/وطني أنت المُفدَّىَ/ والأماني التي تَقْطُر..شَهْدا!!)
 لقد جاءت قصائد أحد أضلاع شعراء المقاومة الفلسطينية الشاعر"توفيق زياد"لتؤسس مفاهيمَ جديدةً للمقاومة والتجذُّر في باطن أرض"فلسطين"، وترسِّخ الوعيَ الوطنيَ، وتصدح محمَّلةً بالصدق والحميمية في وصْفِ علاقته بتراب الوطن، رافضاً كلَّ محاولات التشريد..!!يَبِين ذلك كله في ظاهرة التكرار باستخدام الفعل المضارع "أتحدَّى"الذي ختم الشاعر "توفيق زياد"الأسطر الشعرية الأولى في مُفْتَتح قصيدته،والتي عَنْوَنَها بذات الاسم..(أتحـدَّى..!!) عامداً لا لَبْسَ فيه لإشعال روح التصميم والمواجهة لكل ما يستخدمه الصهاينة من وسائل البطش بأبناء "فلسطين"الرافضين مخططاتِ التهجير، ويؤسس تكرار (أتحدَّى) لقافية"الدال"المُشْبَعةِ بالفتحة معانيَ عديدة؛ فحين يراه الروحانيون حرفاً ناطقاً دالاً على العلوم والحكمة، يرى اللغويون أن انفجارية "الدال"موحيةٌ بالعنف والشدة فإذا رافقتْ انفجاريتَه إشباعُ الفتحة كان ذلك أدْعَى إلى إعطاء التحدٌّي مدى لا حدود له في النطق..!! رافق"توفيق زياد"عناصر الطبيعة في وطنه،فاسترعته أشجارُها الراسخةُ رسوخَ الجبال، واستنشق نسيمها المختلط بغناء عصافير"الناصرة والجليل"،لتصير قصائدُه محرِّضةً على الصمود منسوجةً بأشعة الأمل المانحِ الهويةَ الفلسطينيةَ القدرةَ على مواجهة بطْشِ الصهاينة..!!


(وطني الحُرْقةُ والوجْدُ الذي يأكل عُمْري!!/والهوى والضوءُ في عينيَّ..والشوقُ الذي يملأ صدري!!/هذه الأرض بلادي..وَسَمَاها وَلَعِي ..حاضري..مستقبلي ..مَهْدي ولَحْدي/ودَمِي.. لَحْمي..فُؤادي..أضلعي..


وهي أمِّي وأبي..وهي أبنائي وجَدِّي/وتراثي.. وأغانيَّ..وأعلامي ومَجْدي/بيتي العالي..وعنوانُ التحدّي!!)


 ورغم رقَّةِ بحر"الرَمَل" المُستخدَمِ إيقاعُه لبناء القصيدة،والذي يناسب مواضع الذكريات بأساها والحب بوَهَجِ أشواقه..!! إلا أن"توفيق زياد"يطوٌّعه لمفتتحه الهادر،ويستثمر إيقاعَه المخمليَّ في الدفقة الثانية فيبدع منولوجاً مُفْعَماً ببوحٍ شفيفٍ فيه يستدعي الوطن ليملأ عينيه فهو كل شيء- شخوصاً وعُمْراً-هو المهد حيث لم يكن شيئا مذكورا، وهو اللحد الذي ستأوي إليه عظامه فيعاود ثانيةً الامتزاج به؛ فهل يستطيع التفريط فيه..أو يسمح لهذا الهاجسِ أن يمرَّ بصدره..؟!!ليأتي الختامُ ممتطياٌ صهوةَ "الأنا الجمْع"-إنْ صحَّ المصطلح- متحدِّثاً بلسان الشعب- آلاماً وآمالاً- مضمِّداً جراحَه مفجِّراً طاقات الحلم ليتجسِّد ..!! ليعاود المُفْتَتَحُ دورتَه المتجدِّدةَ.. فإلى الختام الهادر للمقاوم "توفيق زياد"وقصيدته"أَتَحَـدَّى..!!"


(وأنا الناسُ الحزانَى../وأنا الشعبُ المعذّبْ!!/وأنا العاصفةُ الهوجاءُ في وجه المظالمْ/وأنا النهرُ الذي يجري ..ويجري جارفاً كلّ الطغاةْ/وأنا بركانُ عِشقٍ للوطن/وأنا الخضرةُ.. والشمسُ..وقطراتُ الندى/ فاقتلوني..أتحدَّى!!/واصلبوني..أتحدَّى!!/لا دمي تشربه الأرضُ..ولا روحيَ تَهْدَا!!)