عذوبة خاشعة ، تحلق بأجنحة النور ، ينسكب ذلك النور في خلايا السامعين، لتخشع القلوب قبل الأسماع، يتهادى الصوت الملائكى، وكأنه قطرات الندى، التى تروى القلوب العطشى، ترتوي وتطلب المزيد، فتبدع تلك الحنجرة الذهبية، تصعد بطبقات الصوت إلى عنان السماء، وتعود لتنثر الطمأنينة في النفوس والأرواح، فتهفو الأفئدة إلى جنان الخلد، تسبح في فضاءات الشجى والوجد، تحلق بأجنحة ذلك الصوت (السوبرانى)، العذب والرقيق، الذى استطاع أن يكون واحداً من الزعماء الكبار في دولة التلاوة، بموهبة متفردة، وصوت يزداد ألقآ ولمعانا.
كلما ارتقى من القرار إلى الجواب، ومن الجواب إلى جواب الجواب، لتنساب آيات الله إلى قلوب سامعيه، وتتجسد معانيها في وجدانهم ، وكأنها تحيا فيهم ، ويحيون بها وفيها ، وقد اجتمعت لهذا الصوت النورانى كل المواهب، من جمال الصوت، وحسن الأداء، ووضوح مخارج الألفاظ، وطول النفس، وخشوع الجوارح ، وتلاوة تخرج من القلب، لتسكن القلوب، فتخشع الخلايا، قبل أن تسمع الآذان، وتخضع الجوارح، أمام ذلك الشعاع المقدس، الذائب في مزامير النغم، وهب نفسه للقرآن، فانهالت عليه العطايا الربانية، إنه سفير القرآن، وكروان المقرئين.
الشيخ عبدالباسط محمد عبدالصمد سليم داوود، المولود في الأول من يناير 1927، بقرية المراعزة، مركز أرمنت، محافظة قنا، وتحولت منذ عدة سنوات إلى جزء من محافظة الأقصر.
وقد ولد الفتى في بيت قرآنى، فالجد عبدالصمد من الحفظة المشهود لهم بالتمكن في حفظ القرآن ، ويلتف حوله العلماء والقراء، ويعمل مأذوناً وقاضيا عرفيا.
والأب محمد عبدالصمد أحد المجودين المجيدين للقرآن، والشقيقان الأكبر محمود وعبدالحميد، حفظا القرآن في كتاب القرية.
وقبل أن يبلغ عبدالباسط الرابعة من عمره، دفع به والده إلى كتاب الشيخ الأمير، وسرعان ما اكتشف الشيخ الكثير من علامات التميز لدى تلميذه الصغير، مثل سرعة استيعاب القرآن وحفظه، وشدة انتباهه، وحرصه على متابعة شيخه في كل ما يقوله، ودقة التحكم في مخارج الألفاظ، وعذوبة الصوت، وإجادة الوقف والابتداء عند التلاوة، وعندما علم الأب بمواهب إبنه قال له (وهبتك للقرآن، وأرجو الله أن يبارك فيك).
وبدأ الفتى الصغير يقرأ أمام الناس في سرادقات العزاء، وهو في السابعة من عمره، وحظى بتشجيع كبير من أهل قريته وكان مفتونا بأصوات الشيخ رفعت والشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ عبدالفتاح الشعشاعى، وكان يمشى أربعة كيلو مترات حتى يسمع هذه الأصوات في أقرب جهاز راديو من بيته، ثم عمل مساعداً لأحد القراء كبار السن، خلال ليالى رمضان، في بيت أحد أغنياء القرية، وتلك عادة رمضانية مازالت مستمرة حتى الآن في كل ربوع مصر، حيث تحرص بعض العائلات على إحياء ليالى رمضان، من خلال وجود شيخ يقرأ القرأن كل ليلة، وقد بدأ الشيخ عبدالباسط حياته، بالعمل مساعداً لواحد من هؤلاء الشيوخ مقابل 25 قرشاً في الليلة، وفى نهاية الشهر الكريم أعطاه صاحب السهرة كسوة كاملة (جلباب وقفطان وعمامة)، إعجابا بموهبته المبكرة، وقد أتم الفتى حفظ القرآن كاملا وهو في العاشرة من عمره، وكان عليه أن يتعلم أصول التجويد، والقراءات السبع، فأشاروا عليه بضرورة الذهاب إلى مدينة طنطا، لتلقى تلك العلوم على يد الشيخ محمد سليم أشهر العلماء في هذا المجال، ورغم صغر سن الفتى، ورغم بعد المسافة بين أرمنت في أقصى جنوب الصعيد، وطنطا في وسط الدلتا.
إلا أن الشيخ الصغير وأسرته قرروا أن يذهب إلى طنطا، ولكن الترتيبات القدرية، جعلت طنطا هى التى تنتقل إلى الصعيد، وقد كتب الشيخ عبدالباسط تفاصيل هذه المفارقة القدرية قائلا .. (كانت سني عشر سنوات، أتممت خلالها حفظ القرآن، والذى كان يتدفق على لساني كالنهر الجارى، وكان والدى موظفا في وزارة المواصلات، وجدى من العلماء، فطلبت منهما أن أتعلم القراءات، فأشاروا على أن أذهب إلى مدينة طنطا بالوجه البحرى، لأتلقى علوم القرآن والقراءات السبع على يد الشيخ محمد سليم، ولكن المسافة بين أرمنت إحدى مدن جنوب مصر، وبين طنطا إحدى مدن الوجه البحرى بعيدة جدا، ولكن الأمر متعلق بمستقبلى ورسم معالمه، مما جعلنى استعد للسفر.
وقبل التوجه إلى طنطا بيوم واحد، علمنا بوصول الشيخ محمد سليم إلى أرمنت، ليستقر بها، مدرساً للقراءات بالمعهد الدينى بأرمنت، واستقبله أهل البلدة أحسن استقبال، واحتفلوا به، لأنهم يعلمون قدراته وقدره وإمكاناته، لأنه من أهل العلم والقرآن، وكأن القدر قد ساق إلينا هذا الرجل في الوقت المناسب، وأقام له أهل البلدة جمعية للمحافظة على القرآن الكريم بقرية (أصفون المطاعنة)، ليقوم بتحفيظ القرآن، وتدريس علومه والقراءات لمن يريد، فذهبت إليه، وراجعت عليه القرآن كله، ثم حفظت الشاطبية، وهى المتن الخاص بعلم القراءات السبع).
وراح الشيخ محمد سليم يشيد بقدرات تلميذه ويزكيه، في كل مكان يذهب إليه، ولأن شهادة الشيخ سليم محل ثقة واعتبار، فقد انهالت الدعوات على الشيخ الصغير من كل مدن وقرى محافظة قنا وهو بعد لم يتجاوز الثانية عشرة من العمر، ومن قنا انطلق إلى كل محافظات الصعيد، بداية من بنى سويف وحتى أسوان، وقد رأى فيه الشيخ محمد سليم نبوغاً مبكراً، فعمل على تنمية مواهبه، وحرص على اصطحابه إلى كل الحفلات التى يدعى إليها، ويقدمه للتلاوة، حتي ذاعت شهرته في كل الصعيد من خلال السرادقات، التى تقيمها العائلات الكبيرة خلال شهر رمضان، ومن خلال القراءة في موالد أولياء الله الصالحين، مثل الشيخ أبوالحجاج في الأقصر، والشيخ عبدالرحيم القنائى في قنا.
وقد اشتهر صعيد مصر، بتقديم العديد من الأصوات القرآنية العملاقة مثل الشيخ صديق المنشاوى وولديه محمد ومحمود، أحمد الرزيقى، أبوالوفا الصعيدى ..... إلخ.
وإذا كانت الترتيبات القدرية، قد نقلت الشيخ محمد سليم من طنطا إلى أرمنت، إكراما ودعما لموهبة الفتى الصغير، فإن ذات الترتيبات، هى التى دفعت بالشيخ الشاب إلى بؤرة المجد والشهرة، في أول زيارة له للمحروسة (مدينة القاهرة)، بعد أن وصل الثالثة والعشرين من العمر، حيث ذهب برفقة والده لزيارة مولد السيدة زينب في عام 1950، وفجأة امتدت يد القدر، لتضع هذا الشيخ المغمور، القادم من أعماق الصعيد على (دكة القراءة)، في صدر المسجد الزينبى، وسط جموع المحبين والمريدين، وهناك روايتان لحدوث هذا الموعد الغريب مع القدر، الرواية الأولى أن الشيخ عبدالباسط كان يعرف إمام مسجد السيدة زينب الشيخ على سبيع، فطلب منه أن يقرأ بضع آيات من القرآن الكريم، فسمح له الشيخ سبيع بخمس دقائق.
وهذه الرواية هى الأشهر في غالبية المكتوب عن الشيخ عبدالباسط، أما الرواية الأخرى فقد رواها هو شخصيا من خلال آخر حوار صحفى أجراه مع مجلة آخر ساعة، قبل رحيله بعدة أيام، ويؤكد فيها أن الزحام الشديد في المولد، جعله يتوه عن والده، فراح يبحث عنه في كل أرجاء المولد، ليلتقى مصادفة مع أحد أعيان الصعيد، الذى يعرف قدرات الشيخ الشاب، فأخذه من يده وقدمه للشيخ على سبيع، طالباً منه أن يقرأ الشيخ الصعيدى بضعاً من الأى الكريم، وتقدم الشيخ عبدالباسط وجلس مكان كبار القراء، وقرأ من سورة الأحزاب "إن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"، وفتح الله عليه، وقرأ كما لم يقرأ من قبل، وامتدت الدقائق الخمس إلى ساعتين، وسط إعجاب عظيم من رواد المولد، الذين استمعوا إلى صوت جديد، لا يشبه أى صوت من أصوات عمالقة دولة التلاوة، صوت لا يقلد الكبار، صوت جميل يمتلك نفساً هو الأطول بين كل قراء القرآن الكريم، فاستحوذ على قلوب وأسماع رواد المولد الزينبى، وبعد انتهائه من التلاوة تقدم إليه رجل وقور وقال له إنه أحد مهندسى الصوت في الإذاعة المصرية، وطلب منه ضرورة التقدم للاختبار أمام اللجنة التى تجيز قراء القرآن الكريم وخرج من المسجد محمولا على الأعناق.
وتقدم إلى لجنة الاختبار، وحاز إعجاب كل أعضائها، بأدائه القوى، المحكم المتمكن، وقررت اللجنة إجازة هذا الصوت المتفرد وكان ذلك في نهاية عام 1951، ورغم نجاحه في اختبار الإذاعة قرر أن يستمر في الإقامة بالصعيد، والمجىء إلى القاهرة ثلاث مرات في الشهر، ولكنه وجد في ذلك إجهاداً كبيراً، فقرر الانتقال مع أسرته إلى القاهرة وأقام في حى السيدة زينب، ربما لأنها كانت (وش الخير)، ورغم أن موهبة الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، قد ولدت وسط مواهب عمالقة زعماء دولة التلاوة مثل المشايخ مصطفى إسماعيل، طه الفشنى، كامل يوسف البهتيمى، محمد الصيفى، منصور شامى الدمنهورى، محمود خليل الحصرى، أبوالعينين شعيشع، عبدالفتاح الشعشاعى...... إلخ.
ولم يكن من السهل على أحد مهما كان موهوبا، أن يجد مكانة ولو صغيرة وسط هؤلاء العمالقة، إضافة إلى أن المصريين مفتونون بالقرآن الكريم، وأشد الناطقين بالضاد قدرة فطرية، على تذوق الأصوات القارئة، واكتشاف الفروق الدقيقة بينها، مما يلقى بكثير من المسئولية على كاهل المواهب الجديدة، ورغم ذلك استطاع الشيخ الشاب عبدالباسط عبدالصمد، أن يجد لموهبته موضع قدم وسط هؤلاء العمالقة.
كما استطاع أن يستحوذ على أسماع وأفئدة المصريين، وذلك من خلال موهبته المتفردة، والتى تنتمى إلى ما يمكن أن نطلق عليه (المدرسة الغنائية)، تلك المدرسة التى تبلورت ملامحها على يد الشيخ المؤسس على محمود، الذى كان يقرأ القرآن بأحاسيسه ومشاعره، ويعمل على تطويع النغم لإيقاع الكلمة، باعتباره الإيقاع الموسيقى، والأداة المثلى في تلخيص المضمون الشعورى للكلمة، فالمعنى القرآنى هو الروح، والموسيقى هى جسد تلك الروح، إضافة إلى أن اللغة العربية بطبيعتها لغة غنائية، فاستثمر الشيخ على محمود كل هذا للتأثير على النفس، من خلال الانفعالات في سياق الآيات الكريمة.
أما سلطان المقرئين الشيخ مصطفى إسماعيل، فهو الرائد الأكبر للمدرسة الغنائية في التلاوة، ولكن مدرسته تعبيرية، تعمل على تجسيد معانى القرآن، لتجعل المستمع يشاهد تلك المعانى رؤى العين، فالأداء المعجز للشيخ مصطفى إسماعيل يخدم معنى اللفظ، ويجسد الوضع المطلوب للآية.
أما غنائية كروان المقرئين الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، فقد جمعت بين التطريب والتعبير، حيث يسعى من خلال الهارمونية الموسيقية إلى تجسيد المشاهد القرآنية، بصورة نورانية صافية، تتسق من جلال الآيات وسموها الروحى، حيث يحرص على إختيار المقام الموسيقى للمعنى في مواضع الترغيب والترهيب، والتبشير والزجر، فتسمو بوجدان السامع إلى أعلى مرتبة في التلقى الروحى، بما يعنى أن الشيخ عبدالباسط تحول إلى مدرسة متفردة، فلم يسع إلى تقليد سابقيه أو معاصريه.
بعد نجاح الشيخ عبدالباسط في إختبار الإذاعة، وكانت أول قراءاته سورة فاطر، وملأت شهرته الآفاق، مما دفع إدارة الإذاعة، إلى تثبيت موعد قراءته الأسبوعية، يوم السبت في الثامنة مساءً وحتى الثامنة والنصف على شبكة البرنامج العام، مثله مثل الكبار الذين سبقوه في هذا المضمار محمد رفعت، مصطفى إسماعيل، محمود على البنا ...... إلخ.
كما تم تعيينه قارئا للسورة في مسجد الإمام الشافعى عام 1952، واستمر في هذا المسجد لأكثر من ثلاثين عاماً، حتى انتقل إلى مسجد الإمام الحسين بعد رحيل صديقه الأحب الشيخ محمود على البنا عام 1985.
واستطاع الشيخ عبدالباسط في سنوات قليلة جدا، أن يصبح الضلع الرابع في المربع الأشهر لعتاولة القراء في دولة التلاوة وهم المشايخ محمد رفعت، مصطفى إسماعيل، محمد صديق المنشاوى، عبدالباسط عبدالصمد، ليتبوأ مكانة رفيعة بين أصحاب الأصوات العذبة، والنغمات الخلابة، من خلال صوته الذى يحمل الكثير من البكارة النغمية، والفتوة والفروسية أيضا، كما يجمع بين الرقة والقوة والنفس الطويل، مما جعل عشاقه ومحبيه يطلقون عليه لقب أمير دولة التلاوة، وكان يردد دائما (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم).
انطلقت شهرة الشيخ عبدالباسط من مصر، لتجوب كل دول العالم الإسلامى، بل كل دول العالم، فانهالت عليه الدعوات لزيارة تلك الدول، وكانت أول رحلاته خارج مصر، إلى الحرمين الشريفين، بصحبة والده لأداء فريضة الحج، وقام هناك بتسجيل القرآن للإذاعة السعودية، وقرأ في المسجد الحرام والمسجد النبوى، واشتهر في تلك الزيارة بقراءة قصار السور، وحظى بشرف عظيم وهو تلاوة القرآن في صحن الكعبة، فأطلقوا عليه لقب صوت مكة، وتوالت زياراته إلى الحرمين الشريفين، وقد حظى الشيخ عبدالباسط بمكانة سامية في المغرب، حيث كان أول من يكسر التقليد المغربى بالقراءة الجماعية للقرآن، قبل كل الصلوات، ففى زيارته الأولى للمغرب عام 1956، سمحوا له قبل صلاة الجمعة بناءً على طلب المصلين أن يقرأ منفرداً لبضع دقائق، ولكن القراءة امتدت لأكثر من نصف ساعة، وبعد انقضاء الصلاة، ألح عليه المصلون لكى يواصل التلاوة، فقرأ حتى صلاة العصر.
وقام بتسجيل نسخة كاملة من القرآن الكريم للإذاعة المغربية، بقراءة ورش عن نافع، وعندما جاء الملك محمد الخامس إلى مصر عام 1960 بدعوة من الزعيم جمال عبدالناصر، ليشارك مع بعض القادة العرب لحظة انطلاق مشروع السد العالى، طلب الملك، وكانت له ميول صوفية، أن يصطحبه الشيخ عبدالباسط، في زيارة أضرحة آل البيت ليقرأ بعض الآيات الكريمة في كل ضريح، وخلال هذه الزيارة عرض الملك محمد الخامس على الشيخ عبدالباسط أن يمنحه الجنسية المغربية، وأن يقيم بشكل دائم في المغرب، وكل طلباته مجابة، ولكن الشيخ الجليل اعتذر وأكد على أنه لن يبرح وطنه مصر حياً أو ميتاً.
وعندما قرر الزعيم جمال عبدالناصر إنشاء إذاعة القرآن الكريم عام 1964، حفظاً لكتاب الله من أى محاولة للتحريف، كان الشيخ عبدالباسط واحداً من الخمسة الكبار، الذين وقع عليهم الاختيار، لتسجيل القرآن مرتلاً وهم المشايخ محمود خليل الحصرى ، مصطفى إسماعيل، محمد صديق المنشاوى، محمود على البنا، عبدالباسط عبدالصمد، فازدادت شهرته، وراح يطوف العالم شمالاً وجنوباً، شرقا وغرباً، ومن زياراته المهمة والغريبة، إحياؤه لليالى شهر رمضان الكريم في جنوب أفريقيا، عام 1966، وكانت وقتها تعانى من حكم الفصل العنصرى البغيض، وذهب الشيخ عبدالباسط بدعوة من المسلمين السود، واعتبرته حكومة الفصل العنصرى غير مرغوب فيه، خشية أن يحرض بصوته المسلمين السود على الثورة ضد السلطة العنصرية، ولكن المسلمين السود استقبلوه استقبال الزعماء، وجعلوه يطوف المدينة في سيارة مكشوفة، ونظراً للاقبال الشديد من المسلمين على سماع صوته جعلوه يقرأ في استاد لكرة القدم، وامتلأت مدرجاته عن آخرها، وامتلأت الشوارع المحيطة بهذا الإستاد بالجماهير التى جاءت لتستمع إلى كروان المقرئين، وبعد انتهائه من التلاوة، أسلم على يديه أكثر من مائة مواطن من مواطنى جنوب أفريقيا، وحدث نفس الشىء عندما زار الولايات المتحدة الأمريكية، حيث زار أربعة عشرة ولاية، وأسلم على يديه أكثر من مائة مواطن أمريكى، وعندما زار أوغندا أسلمت المذيعة التى كانت ترافق موكبه لتقديمه في الحفلات المختلفة، وتوسط لها الشيخ عبدالباسط لدى السلطات السعودية، لكى تؤدى هى وبعض أفراد أسرتها وأصدقائها فريضة الحج.
وفى باكستان استقبله الرئيس ضياء الحق على سلم الطائرة، وكأنه رئيس أو ملك في زيارة رسمية للدولة، وفى أندونيسيا قرأ أمام أكثر من ربع مليون أندونيسى، وهم وقوف على أقدامهم فى العاصمة جاكرتا، وفى الهند قرأ أمام عشرات الآلاف من المسلمين، وفوجىء بهم يخلعون أحذيتهم ويقفون في خشوع، ناظرين إلى مواضع سجودهم، وعيونهم تفيض بالدمع شجنا وإيمانا، وعندما إنتهى من التلاوة كانت عيناه ملأى بالدموع تأثراً بهذا المشهد المهيب.
وقد زار الشيخ عشرات الدول، منها السنغال، أوغندا، نيجيريا، السودان، فرنسا، إنجلترا.. إلخ.
وفى فرنسا أطلقوا عليه لقب (الصوت الأسطورى)، وحظى بشرف التلاوة في كل المساجد الكبيرة، الحرم المكى، الحرم النبوى، المسجد الأقصى، الحرم الإبراهيمى في مدينة الخليل، المسجد الأموى في دمشق ...... إلخ.
ورغم كل هذا المجد وكل تلك الشهرة، لم تتغير طباع الشيخ، ولم يشعر أبداً بأى زهو أو غرور، وظلت عاداته كما هى، يبدأ يومه قبل صلاة الفجر، يقرأ ويتهجد حتى آذان الفجر، ليصلى، ثم يستريح قليلا، ليبدأ بعد ذلك عمله المعتاد في تسجيلات الإذاعة، أو تلبية دعوات التلاوة، وقد حرص على أن يحفظ كل أبنائه القرآن الكريم، وكان شديد الديمقراطية معهم، وقد سار على دربه إثنان من أبنائه الشيخ ياسر، واللواء شرطة طارق.
شارك ذات ليلة في مجلس المقرئين بمسجد الإمام الحسين، وعندما جاء دوره في القراءة، كان نصيبه ربع من سورة النحل، فقرأ وتجلى، فانبهر الناس، وراح المشايخ يلوحون له بعمائمهم، وراح المستمعون يطلبون منه الإعادة، وكانت هذه الليلة تحديدا فاتحة خير كبير في مسيرة الشيخ عبدالباسط.
وفى إحدى زياراته للحرم المكى، كان شيخ الحرم يقرأ في الصلاة من سورة البقرة إلى سورة الأنعام، بقراءة ورش عن نافع، فرتل قائلا "وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا"، فحرص الشيخ عبدالباسط على أن يلتقى شيخ الحرم بعد انتهاء الصلاة، ليصحح له سهوه في القراءة، وقال له كان ينبغى أن تقرأ وتقول "وقال لهم نبيئهم"، بدلاً من "نبيهم" حيث قرأت في الأولى بقراءة حفص عن عاصم، ولم تقرأ بقرائة ورش عن نافع، فشكره شيخ الحرم المكى وأقره على ملاحظته، وتمنى لو كان موجوداً معهم في الحرم الشريف طوال الوقت.
وقد حظى بالاستقبال الكريم في كل الدول التى زارها، انطلاقا من كونه سفيراً للقرآن.
وقد امتلك الشيخ عبدالباسط طريقة خاصة في القراءة، حيث يرفع يديه بمحاذاة أذنيه، ويحركهما يمينا ويساراً، ورفع اليدين بهذا الشكل يعمل على زيادة مساحة الصدر، ليستوعب أكبر كمية من الهواء، أما حركة اليدين، فتساعد المقرىء على سماع صوته، كما تعمل على إحداث بعض الذبذبات في الصوت، وهذا الآداء شديد الخصوصية، جعل الشيخ عبدالباسط ينال الكثير من الألقاب مثل أمير دولة التلاوة، الصوت الأسطورة، الحنجرة الذهبية، صوت السماء، صوت مكة ...... إلخ.
وقد افتتح الشيخ عبدالباسط بصوته الذهبى العديد من الأحداث المهمة، مثل افتتاح أعمال إنشاء السد العالى في يناير 1960، ومثل بداية العرض العسكرى يوم السادس من أكتوبر 1981، وهو اليوم الذى أغتيل فيه الرئيس أنور السادات.
وقد حظى الشيخ عبدالباسط بالتكريم في كل الدول التى زارها، فحصل على العديد من الأوسمة والنياشين من سوريا ولبنان وماليزيا والسنغال، والمغرب والعراق، وباكستان، ومصر، أما التكريم الأكبر فكان في إنتشار مدرسته في التلاوة في كل دول العالم الإسلامى، لدرجة أن بعض الدول أسست مدارس لتعليم طريقته في التجويد والترتيل، ومنها ماليزيا، أندونيسيا ، إيران ، ورغم ذلك لم يكن متحمسا لفكرة التقليد ويقول (التقليد عمره قصير ومحدود التأثير، ولكن القراءة عندما تخرج من القلب، تدخل مباشرة إلى القلوب)، ورغم نجاحه الكبير، وإنتشار مدرسته في التلاوة في كل العالم، إلا أنه كان مشغولا بما يخدم زملاءه من قراء القرآن الكريم، فعمل على تحقيق الحلم الذى راودهم لسنوات طويلة وعجزوا عن تحقيقه، وهو إنشاء نقابة لقراء القرآن الكريم، فتكلم مع الرئيس حسنى مبارك وطلب منه تذليل كل العقبات، وتم اختياره بالتزكية كأول نقيب للقراء في عام 1983، وظل يشغل هذا المنصب حتى رحيله في عام 1988.
وبعيداً عن هذه الفتوحات القرآنية العظيمة، فقد شهدت حياة الشيخ عبدالباسط عبدالصمد بعض الطرائف، حيث أطلق عليه بعض الصحفيين لقب الشيخ براندو، لوسامته وشبهه بالممثل العالمى مارلون براندو، وشبهه البعض بالممثل العالمى كلارك جيبل، وذهب البعض إلى أن معدلات بيع أجهزة الراديو، ازدادت حباً في الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، كما حدث مع المطرب عبدالحليم حافظ، أما أكثر الطرائف صعوبة، فكانت من خلال سيدة سورية انبهرت بصوت الشيخ عبدالباسط عندما زار سوريا، وعرضت عليه أن تتزوجه، فشكرها الشيخ وأخبرها بأنه متزوج ولديه أولاد، ولكن السيدة جاءت خلفه إلى مصر، وراحت تطارده في كل مكان، وتنتظره عند باب مسجد الإمام الشافعى، وفى إحدى المرات وقفت على باب المسجد وفى يدها مسدس، وهى تؤكد إما أن يتزوجها الشيخ وإما أن تقتله، فلم يجد الشيخ بدا إلا أن يتصل بالشرطة، التى جاءت واصطحبت السيدة إلى القسم، وأخذت عليها التعهدات اللازمة بعدم التعرض للشيخ.
رغم هذا النجاح، وتلك الطرائف، ظل الشيخ كما هو، هادىء الطبع يعيش في سكينة، يمتلك روحاً مرحة، وابتسامة عذبة، يلقى بها من يعرفه ومن لا يعرفه.
قبل وفاته بعشر سنوات، أصيب بمرض السكر، وبعض المضاعفات في الكبد، مما أثر سلباً على صوته، ولكنه أصر على استعادة كامل لياقته الصوتية، ونجح في ذلك لبعض الوقت، وقبل وفاته بفترة قصيرة، طلب منه صديقه وزير الصحة د. إبراهيم بدران، السفر إلى لندن لإجراء بعض الفحوصات الطبية المتخصصة، وسافر بالفعل ومكث في لندن لمدة أسبوع واحد، ثم طلب من أبنائه سرعة العودة إلى القاهرة حيث شعر بدنو الأجل، وأراد أن يرحل وهو على أرض وطنه ووسط أبنائه ومحبيه، وقد رحل الشيخ الجليل في الثالثة عصر يوم الأربعاء الثلاثين من نوفمبر 1988، وأقيمت له جنازة رسمية وشعبية مهيبة، شارك فيها العديد من سفراء الدول الإسلامية نيابة عن شعوبهم.
رحل الشيخ الجليل، وترك ميراثا نبيلاً وخالداً، قرآنا عظيما، مجوداً ومرتلاً، وقراءات نادرة، تتردد على مدار الساعة في كل بقاع الدنيا، وخاصة في دول العالم الإسلامى.