الخميس 3 ابريل 2025

مقالات

صناعة الفرح

  • 1-4-2025 | 14:18
طباعة

عُرفت مصر منذ فجر تاريخها بالأعياد المختلفة والمناسبات المتعددة والطقوس المتنوعة، فكان الإنسان المصري القديم يتفنَّن في صناعة الفرح والبهجة وإدخال السرور على نفسه وعلى غيره من أفراد عائلته وجيرانه وأصدقائه ومعارفه. فكان يفرح بالحصاد ويحتفل بالنيل وإلهه "حابي"، وينظر إلى الشمس نظرة تقديس وتبجيل واحترام، فهي مانحة الحياة والسعادة وجالبة الخير والسرور واتخذوا لها اسم الإله "رع"، على عكس الليل أو الظلام رمز الشر الذي اتُخذ له اسم "ست".

ودائما يتغلب النور والضياء على الظلام والحُلكة. ولهم في ذلك حكاياتٌ وأساطيرٌ قديمة مثل أسطورة إيزيس وأوزوريس وحورس وست. وكانت هناك دائما الإلَهة ماعت، رمز العدالة والحق والصدق في مصر القديمة. وجاء الملك أمنحتب الرابع (أخناتون) في الأسرة الفرعونية الثامنة عشرة، بفكرة التوحيد ودعا إلى عبادة الإله "آتون" الإله الوحيد أو الأوحد الفرد الصمد، فهو الطاقة التي تكمن في الشمس فتمنح الحياة دفئها وسلامها وتشع على جميع الناس في العالمين. وحارب في سبيل ذلك كهنة آمون ورموز الإلهة الآخرين، وأمر بتحطيم تماثيلهم، ليؤكد أن هناك إلهًا واحدًا فقط لا يُعبد غيره. فوضع بذلك أسس التوحيد قبل ظهور الأنبياء والرسل.

لم يكن الموت عند الإنسان المصري القديم نهاية الحياة، وإنما هو بداية مرحلة جديدة وحياة أخرى لذا كانت تُدفن أدوات الميت معه في قبره ليجدها وقت أن يُبعث من جديد.

وفي سبيل ذلك ظهرت متون الأهرام ومتون التوابيت، قبل أن يظهر "كتاب الموتى" الذي جمع في طياته كل المتون المتعلقة بالعالم الآخر.

ونلاحظ أن الإنسان المصري القديم لم يجزع أمام الموت، ولم يخف منه وآمن به، لذا عاش حياته هادئا مستقرًّا فرحًا مستبشرًا، اللهم إلا في فترات الحروب والاستعمار.

عدا ذلك احتفل الإنسان المصري بالحياة، وعرف قيمتها، وعرف كيف يفرح بها من خلال الأعياد والمناسبات الطبيعية مثل الربيع وبداية السنة وأعياد الآلهة في المعابد وعلى ضفاف النيل والحقول والحدائق وشواطئ البحار وربما أسطح المنازل، وأيضا الحانات. ونذكر منها – على سبيل المثال - الاحتفالات الخاصة بعيد معبد طيبة (الأقصر) في اليوم الثاني من شهر برمودة.

ومن أقدم الاحتفالات والأعياد التي كان بعض الفراعنة حريصين عليها هو عيد "حِب سد" وهو عادة يقام في طول البلاد وعرضها بمناسبة مرور ثلاثين عامًا على جلوس الفرعون على كرسي العرش، فهو إذن يوبيل ثلاثيني يُعد الأكثر أهمية للملكية في مصر القديمة، وترجع أصوله التاريحية إلى عصور ما قبل الأسرات 3150 ق. م. واستمر الإحتفال به حتى العصر البطلمي، والغرض منه الاحتفال باستمرار حكم الملوك، وتأكيدًا لقوتهم وقدرتهم علي الحُكْم. ولكن بعض الحكّام مثل امنحتب الثالث احتفل به أكثر من مرة بعد مرور ثلاثين عامًا على حكمه، فكان يحتفل كل سنتين أو ثلاثة – بعد الثلاثين – فيحتفل معه الشعب بجميع طوائفه. وعلى الرغم من حكم أخناتون القصير (سبعة عشر عامًا) – مقارنةً بأبيه – فإنه احتفل بعيد "حِب سد" ولم يكن أمضى ثلاثين عامًا على الحكم بطبيعة الحال. ويبدو أن لاحتفال أخناتون بهذا العيد كان له أهدافه السياسية والدينية.

وإلى جانب ذلك فإن هناك احتفالاتٍ وأعيادًا أخرى شعبية في مصر القديمة، نذكر منها على سبيل المثال: عيد وفاء النيل، وعيد رأس السنة الشمسية، وعيد شم النسيم، وغيرها من الأعياد والاحتفالات.

ولعل عيد شم النسيم هو الأكثر امتدادًا ورسوخًا في حياة المصريين حتى الآن. وقد قلتُ عنه في ديواني للناشئة "دوائر الحياة":

يَجِيئُنَا .. شمُّ النَّسِيم

ـ مِنْ أَقْدمِ الأعيادِ في البِلادْ ـ

فَنَحْتَفِي بهِ

نُلَوِّنُ الكثيرَ مِنْ بيضِ الدَّجَاجْ

نُوزِّعُ الألوانَ للَّذي يُحبُّهَا

أَبِي ..

يُحِبُّ زُرْقَةَ السَّمَاء

أُمِّي ..

تُحِبُّ خُضْرَةَ المَزَارِعْ

أَخِي ..

يُريدُ بَيْضَهُ

بِلَوْنِ (بَنْطَلُونِهِ) الجَدِيدْ

أُخْتِي ..

تُرَصِّعُ القشورَ بالفَرَاشِ والورُودْ

أمَّا أَنَا ..

أُريدُ لَوْنَ الفَجْرِ ..

لَوْنَ البَحْرِ ..

لَوْنَ الحُبِّ ..

في صَبَاحِنَا السَّعِيد

وَتَسْطَعُ الشموس

ويخرجُ الناسُ إلى الحدائقِ الغَنَّاءْ

إلى القَنَاطِرِ، السِّدُود

إلى البَحَارِ والحقُول

يَقْضُونَ يَوْمَهُم ..

مع الجَمَالِ والخُلُود

فترتوي العيونُ بالألوانْ

وتَنْتَشِي النفُوسُ بالرَّيْحَان

نَلْبَسُ عُقْدَ الفُلِّ،

طَوْقَ اليَاسَمِينْ

تُزَقْزِقُ الطيورُ

في رَوَاحِها المَيْمُونْ

وفي غُدُوِّهَا الأمَينْ

وتصبحُ المدينةْ

حديقةً كبيرَة.

وفي حاضرنا المصري الآن، تعددت وتنوعت الأعياد والاحتفالات والمناسبات الاجتماعية، فإلى جانب الأعياد الدينية مثل: عيد الفطر المبارك، وعيد الأضحى المبارك، وعيد رأس السنة الهجرية، ومولد الرسول صلى الله عليه وسلم، والاحتفال بيوم عاشوراء، وليلة الإسراء والمعراج وغيرها، عشنا أعيادًا سياسية وعسكرية واجتماعية يحتفل بها الشعب المصري كل عام، على رأسها يوم السادس من أكتوبر المجيد، ويأتي تخليدًا لذكرى انتصار الشعب المصري على العدو الإسرائيلي عام 1973 وعبور الجيش المصري الباسل قناة السويس وتحطيم خط بارليف المنيع ورفع العلم المصري على أرض سيناء. مثل هذه الذكريات عن انتصار أكتوبر تعيد إلى أذهاننا انتصارات القائد المصري القديم حورمحب على أعداء مصر، ودائما ما تجئ المعارك الحاسمة من البوابة الغربية لمصر، وما أشبه الليلة بالبارحة، حينما قال القائد حورمحب للطبيب المصري سنوحي (رسول الفرعون إخناتون للملك عزيرو في سوريا): "حذار أن تقع في خطيئة تسليم غزة، فدون هذا رأسك الذي لن أتردد في فصله عن بدنك لو فعلت هذه الفعلة النكراء".

وها هو الشعب المصري قيادةً وشعبًا الآن – وبعد أكثر من ثلاثة آلاف سنة من تحذير حورمحب - يرفض مجددًا تهجير الفلسطينيين من أرض غزة، وتسليمها للإسرائيليين أو الأمريكان. وهو ما يمثل عقيدة ومبادئ واستراتيجية طويلة الأمد جُبل عليها الإنسان المصري منذ فجر الضمير.

إن الإنسان المصري يخرج اليوم – كما كان منذ القدم – في أعياده واحتفالاته الدينية والاجتماعية إلى الحدائق والشواطئ والسدود والقناطر وزيارة المقابر وحدائق الحيوانات، ويضاف في العصر الحالي؛ دور السينما والمولات والكافتيريات والأماكن الأثرية، مثل منطقة الأهرامات وأبي الهول وقلعة قايتباي وحدائق المنتزة في الإسكندرية على سبيل المثال، ليقضوا أوقاتًا سعيدة سواء بين أحضان الطبيعة، أو ما أتت به مفردات الحداثة في مجتمعنا المصري المعاصر، ومنها حاليا السايبر، وصالات ألعاب البلايستيشن المنتشرة حاليا في معظم الأحياء، ويتجمع فيها الشباب في احتفالاتهم أيضا.

وقد شاركت الفنون والآداب في احتفالات المصريين بأعيادهم، ولعلنا عندما نستمع إلى أم كلثوم تغني "يا ليلة العيد" يعرف الجميع أن هلال العيد قد هلَّ علينا:

يا ليلة العيد آنستينا ** وجددتي الأمل فينا

هلاك هل لعنينا ** فرحنا له وغينينا

وقلنا السعد حيجينا ** على قدومك يا ليلة العيد

ويعقبها مباشرة أغنية صفاء أبو السعود "العيد فرحة":

أهلا أهلا بالعيد ** مرحب مرحب بالعيد

العيد فرحة وأجمل فرحة

تجمع شمل قريب وبعيد

سعدنا بيها بيخليها ** ذكرى جميلة لبعد العيد

ولعلنا عندما نستمع إلى أغنية "ست الحبايب" لفايزة أحمد، نتذكر على الفور عيد الأم الذي يوافق 21 مارس من كل عام.

أما في ليلة المولد النبوي الشريف، فنستمع إلى قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي من خلال صوت أم كلثوم:

ولد الهدى فالكائنات ضياء

وفم الزمان تبسمٌ وسناء

الروحُ والملأ الملائكُ حوله

للدين والدنيا به بُشَرَاءُ

ويشارك التلفزيون المصري والكثير من القنوات التلفزيونية أيضا في الاحتفال بالأعياد والمناسبات الجميلة، وتُدخل السعادة على المشاهدين من خلال عرض المسرحيات والأفلام الكوميدية والمسلسلات الفكاهية والأغنيات والحفلات البهيجة، ولعلنا نتذكر أنه في ليلة عيد الربيع أو عيد الشم النسيم، كان الفنان فريد الأطرش يقيم حفلته التي يغني فيها أغنيته الشهيرة "الربيع" مع أغنيات أخرى جديدة، وكان الفنان عبدالحليم حافظ أيضا يغني أغنياته الجديدة في سهرة عيد شم النسيم، ابتداء من أغنيته "زي الهوا" مرورًا بـ "موعود"، و"حاول تفتكرني"، و"أي دمعة حزن لا"، و"رسالة من تحت الماء" و"فاتت جنبنا" وغيرها. وكذلك فعلت وردة وفايزة أحمد وعدد آخر من المطربين والمطربات.

إنها أجواء سعادة وسرور وطرب وحبور يُدخلها الفن المصري على الجماهير في أعيادهم واحتفالاتهم. ولعلنا نتذكر أيضا ما يسمى بـ "فيلم العيد" حيث تعرض دور السينما أفلامًا جديدة في أيام الأعياد، غير أن معظم مثل هذه الأفلام لم يرق إلى مستوى فني جيد، وسط زحام الأعياد واندفاع معظم الشباب إلى دور السينما ضمن طقوس الأعياد.

ولا شك أن التنوع الجغرافي الذي تشهده مصر، يتيح لأهلها عادات وتقاليد ومظاهر احتفالات تختلف من محافظة إلى أخرى، ومن بيئة إلى أخرى، فالناس في الإسكندرية مثلا يخرجون في أعيادهم إلى شواطئ البحر المتوسط، ويقضون يومهم على امتداد الكورنيش برماله وأمواجه ومقاهيه وكافترياته، بينما الناس في القاهرة يخرجون إلى شواطئ النيل ويركبون المراكب النيلية التي تأخذهم في جولة نيلية بديعة وسط مظاهر الاحتفال والفرحة والبهجة والرقص الفردي والجماعي.

وفي أسوان مثلا يتبادل أهل النوبة التهنئة بكلمات "كوريج أنجا ناليه" (أي كل سنة وانت طيب) ويكون الرد عليها "إيكون آنجا ناليه" (يعني عيد سعيد عليك وأنت طيب وبخير).

إن هذا التنوع والتعدد الثقافي داخل مصر، يكشف حجم الثراء الذي تتمتع به أم الدنيا، والذي ينعكس على أعيادها وحفلاتها وكرنفالاتها، إذ أن لكل محافظة من محافظات مصر المختلفة عيدها القومي، فالإسكندرية عيدها القومي يكون في 26 يوليو من كل عام، وهو ذكرى خروج الملك فاروق على يخت المحروسة من ميناء الإسكندرية، وسنجد أن العيد القومي لمحافظة السويس على سبيل المثال هو 24 أكتوبر من كل عام وهو ذكرى وقوف الشعب والشرطة والجيش ضد قوات العدو الإسرائيلي خلال حرب أكتوبر ١٩٧٣، والعيد القومي لمحافظة شمال سيناء هو 25 أبريل وهو يمثل ذكرى تحرير سيناء وجلاء العدو ورفع العلم على آخر شبر محرر بسيناء بمدينة رفح المصرية. أما العيد القومي لمحافظة القاهرة فهو السادس من يوليو، وهو اليوم الذي وافق وضع القائد جوهر الصقلي حجر الأساس لمدينة القاهرة عام 969. بينما تحتفل محافظة الشرقية بعيدها القومي في التاسع من سبتمبر من كل عام؛ إحياء لذكرى وقفة الزعيم أحمد عرابي أمام الخديوي توفيق.

وهكذا تتعدد الأعياد والمناسبات المبهجة سواء دينية أو وطنية أو اجتماعية في مصرنا المحروسة. وكل عام وأنتم بخير.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة