كانت مصر عبر عصورها المختلفة – ولا تزال – مبعثًا لكل فرحة وبهجة وسرور؛ فالمصريون – قديمهم وحديثهم ومعاصرهم – يحبون نشر روح البهجة والفرح في جميع مناسباتهم؛ حتى صار المصري معروفًا برقَّة طبعه، وخفَّه روحه، وجمال سريرته. وقد ظهرت تلك الروح واضحة جليَّةً في احتفالات المصريين بأعيادهم الدينية والقومية والسياسية والاجتماعية وغيرها.
وقد ذكر ابن منظور في (لسان العرب) أن العِيدَ "كلُّ يَوْمٍ فِيهِ جَمْعٌ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ عَادَ يَعُود كأَنهم عَادُوا إِليه؛ وَقِيلَ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعَادَةِ لأَنهم اعْتَادُوهُ، وَالْجَمْعُ أَعياد ... قَالَ الأَزهري: والعِيدُ عِنْدَ العَرَبِ الوَقْتُ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ الفَرَح وَالحُزْنُ".
أمَّا في الاصطلاح؛ فالعِيدُ مناسبة يُعبِّر فيها الإنسان عن أصول عقيدته الدينية وعاداته وتقاليده الاجتماعية واحتفالاته بمناسباته القومية والتاريخية وغيرها – بكل فخر سعادة وسرور.
ومنذ فجر التاريخ والمصريون حريصون أشدَّ الحرص على الاحتفال بأعيادهم المختلفة؛ فقد كتب المصريون القدماء في بردياتهم وسجَّلوا على جداران معابدهم أشكال احتفالاتهم وبيَّنوا كيف كانوا يتزينون بأبهى الثياب وأجملها ويرقصون ويعزفون. وفي لوحة الملك مينا مُوحِّد القطرين نلحظ احتفاله بانتصاره على ملك مملكة الشمال، وليس هذا فحسب بل تجاوز احتفال المصريين القدماء بالأعياد القومية إلى الاحتفال بالأعياد الشخصية، فقد سبق المصري القديم العالم في الاحتفال بعيد ميلاده، ولا يزال العالم أجمع يعجب من إبداع المهندسين المصريين القدماء الذين صمَّموا معبد أبي سمبل جنوب مصر للملك رمسيس الثاني – أحد ملوك الأسرة التاسعة عشرة – إذ وضعوا تمثال الملك في موضع يتميَّز بدقة فائقة يجعل أشعة الشمس تتعامد على وجه الملك مرتين سنويًّا، يوم ميلاده، ويوم جلوسه على العرش. ولا يزال السائحون من مختلف بقاع العالم يأتون إلى مصر لمشاهدة هذه الظاهرة الفلكية العجيبة كل عام في مشهد من أبهى مشاهد الاحتفال التي يرقبها العالم، والتي تسبب السعادة للمصريين وغيرهم.
ومن يطالع كتاب (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) لتقي الدين المقريزي (ت845ه) يلحظ بوضوح كيف كان المصريون في العصر الفاطمي يبتهجون وينشرون روح البهجة والسعادة في احتفالاتهم؛ فمن ذلك ما ينقله عن احتفالات المصريين بعيد النوروز؛ إذ يقول : "وكان النوروز القبطيُّ في أيامهم من جملة المواسم، فتتعطل فيه الأسواق، ويقلُّ فيه سعي الناس في الطرقات، وتُفرَّق فيه الكسوة لرجال أهل الدولة، وأولادهم ونسائهم والرسوم من المال، وحوائج النوروز".
ثُمَّ يُبيِّن لنا المقريزي مدى رغبة المصريين في إضفاء روح البهجة والسعادة على احتفالاتهم بأعيادهم الاجتماعية؛ فيصف لنا كيف كان الفاطميون يوقدون النيران ويلعبون بالماء، ويطوفون بالأسواق، ويعملون الفيلة، ويخرجون إلى القاهرة بلعبهم في يوم النوروز، وكيف كانوا يظهرون السماجات والحلي في الأسواق.
وأمَّا أهل الإسكندرية في العصر الفاطمي؛ فكانوا يحتفلون في يوم النوروز بأصناف من الفاكهة وأنواع الطعوم المختلفة، وكان من أصناف النوروز – عندهم - البِطِّيخ، والرُّمان، وعراجين الموز، والتمر القوصيُّ، وأقفاص السفرجل، والهريسة المعمولة من لحم الدجاج، ولحم الضأن، ولحم البقر، وغيرها من أنواع الطعام.
وقد أشار المسعودي في كتابه (مروج الذهب) إلى احتفالات أقباط مصر بأعيادهم الدينية المختلفة، كالاحتفال بعيد الغطاس؛ فقال: "ولليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند أهلها، لا ينام الناس فيها، ... ولقد حضرت سنة ثلاثين وثلثمائة ليلة الغطاس بمصر، والإخشيد محمد بن ظغج في داره المعروفة بالمختارة في الجزيرة الراكبة للنيل والنيل يطيف بها، وقد أمر فأسرج من جانب الجزيرة وجانب الفسطاط ألف مشعل غير ما أسرج أهل مصر من المشاعل والشمع، وقد حضر النيل في تلك الليلة مئو آلاف من الناس من المسلمين والنصارى، منهم في الزوارق، ومنهم في الدور الدانية من النيل، ومنهم على الشطوط، لا يتناكرون الحضور، ويُحْضِرون كل ما يمكنهم إظهاره من المأكل والمشارب والملابس وآلات الذهب والفضة والجواهر والملاهي والعزف والقصف، وهي أحسن ليلة تكون بمصر، وأشملها سرورًا، ولا تغلق فيها الدروب، ويغطس أكثرهم في النيل، ويزعمون أن ذلك أمان من المرض ومبرئ للداء".
ومن أهم ما يلفت النظر في كلام المسعودي مدى اهتمام المصريين وعنايتهم بالاحتفال بعيد الغطاس على ضفاف نهر النيل، يشارك المسلمون في ذلك المسيحيين؛ فيلبسون أجمل الثياب، ويحضرون أطعمتهم وأشربتهم، يبتهجون بآلات العزف؛ حتى تكون ليلة عيدهم من أحسن الليالي، وأتمِّها سرورًا؛ وهذا الكلام يبرهن على وحدة نسيج الشعب المصري، وترابطه وتماسكه منذ القدم.
ومن الأعياد القبطية التي حرص الفاطميون على الاحتفال بها (خميس العهد) وقد ذكر المقريزي أنَّ عامَّة أهل مصر كانوا يسمونه (خميس العدس) وكانوا يعملونه قبل الفصح بثلاثة أيام، ويتهادون فيه أجمل الهدايا، وكان من جملة رسوم الدولة الفاطمية واحتفالاتها في (خميس العدس) ضرب خمسمائة دينار ذهبًا، وتفرقتها على جميع أصحاب بالدولة.
أمَّا (عيد الميلاد) فلم يبرح أهل مصر يعتنون به عناية خاصَّة؛ فقد كان الخليفة الفاطمي يأمر بأن يُفرَّق فيه الكثير من الحلوى القاهرية، والجلاب، والزلابية، والسمك البوري. ولا يزل (عيد الميلاد) في مصرنا الحبيبة من أهم الأعياد التي يتشارك فيها المسلمون والمسيحيون حتى يومنا هذا؛ فيحتفلون بميلاد السيد المسيح u وتتزين الكنائس بالمصابيح، ويُقدِّم (بابا نويل) الهدايا للأطفال؛ فتعمَّ البهجة والسعادة على جميع المصريين مع استقبال عام جديد.
وكذلك عُنِي الفاطميون بالاحتفال بالمناسبات الإسلامية، فكان من أهم احتفالاتهم الاحتفال بالمولد النبوي؛ فيذكر المقريزي أنه "إذا كان اليوم الثاني عشر من ربيع الأوّل، تقدَّم بأن يعمل في دار الفطرة عشرون قنطارًا من السكر اليابس حلواء يابسة من طرائفها، وتعبى في ثلثمائة صينية من النحاس ... فتفرّق تلك الصواني في أرباب الرسوم من أرباب الرتب، وكل صينية في قوارة من أوَّل النهار إلى ظهره".
ولم يترك المصريون في العصر الفاطمي مناسبة إلَّا جعلوها سببًا في بعث لفرحة والبهجة؛ كاحتفالهم بفيضان النيل، ويوم الخليج، ويوم الغدير؛ فضلًا عن الاحتفال بالأعياد الإسلامية؛ كالاحتفال بعيد الفطر الذي سمَّاه الفاطميون (عيد الحُلَل) وفيه كانت تُوزَّع الأكسية على جميع موظفي الدولة، وعيد النحر (عيد الأضحى) الذي كانت تُعقد فيه مجالس الشعر والدب، ويتبارى الشعراء في مدح الخلفاء والوزراء، ويهنئونهم، ثُمَّ تُوزَّع الأموال والهدايا على الفقراء والمساكين والأيتام من أهل الفسطاط والقاهرة. وقد ذكر الشاعر الفاطمي عمارة اليمني ذلك في إحدى قصائده في رثاء الفاطميين؛ إذ يقول:
وَمَوْسِمٍ كَانَ فِي يَومِ الخَلِيجِ لَكُمْ
يَأْتِي تَجَمُّلُكُمْ فِيهِ عَلَى الجَمَلِ
وَأَوَّلُ العَامِ وَالعِيدَيْنِ كَمْ لَكُمُ
فِيهِنَّ مِنْ وَبْلِ جُودٍ لَيْسَ بِالوَشَلِ
وَالأَرْضُ تَهْتَزُّ فِي يَومِ الغَدِيرِ كَمَا
يَهْتَزُّ مَا بَينَ قَصْرَيْكُمْ مِنَ الأَسَلِ
وَالخَيْلُ تَعْرِضُ فِي وَشْيٍ وَفِي شِيَةٍ
مِثْلُ العَرَائِسِ فِي حُلْيٍ وَفِي حُلَلِ
***********************
وقد ظلَّت مصر على تلك الحال من بثِّ روح البهجة والسعادة بالاحتفالات في المناسابات المختلفة على مرِّ العصور؛ حتى استحالت كل أيَّام المصريين أعيادًا وبهجة وسرورًا؛ فما من شهر إلَّا وفيه احتفال ديني، أو اجتماعي، أو قومي.
ففي وقتنا الحاضر نشهد الاحتفال دائمًا خلال شهور السنة الهجرية؛ فبداية من الاحتفال برأس السنة الهجرية، فالاحتفال عاشوراء، فالمولد النبوي، ثُمَّ الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وفي كل مناسبة من هذه المناسبات نجد المصريين – مسلمين ومسيحيين – يحتفلون بأنواع الحلوى، وعرائس المولد؛ فإذا ما جاء شهر رمضان تحوَّلت الليالي الرمضانية المصرية في المحافظات كافةً إلى ما يشبه المهرجانات الضوئية طوال الشهر المبارك، وتزيَّنت الشوارع بالفوانيس والأعلام وأشكال الزينة كافةً، وطربنا للبهجة في صوت المسحراتي، وامتلأت المقاهي بمجالس السمر واللعب. وإذا ما نقضى رمضان نجد الناس – كبارًا وصغارًا، مسلمين وأقباطًا – يرتدون الثياب الجُدُد، ويحتفلون بأنواع البسكويت والكحك وغيرها من الأطعمة؛ كما كان القدماء يحتفلون بشتى أنواع الطعام.
فضلًا عن الاحتفالات القومية والوطنية كالاحتفال بيوم النصر العظيم؛ نصر أكتوبر المجيد، أو الاحتفال بالثورات الوطنية كثورة يوليو 1952، وثورة الخامس والعشرين من يناير، وثورة 30 يونيو، وغيرها من الأعياد.
وهكذا صارت مظاهر البهجة والسعادة تسري في حياة المصريين كما يسري النيل في أرضهم فيبث فيها روح الحياة ويمنحها الخير والنماء.
وبعد، فنسأل الله تعالى أن يديم على المصريين محبتهم وترابطهم وتراحمهم في مظاهر الحياة كافة، وأن يديم على وطننا الحبيب فرحته وسروره وسعادته؛ فتبقى مصر دائمًا بلد الأمن والأمان، ويصدق فيها قول رب العالمين على لسان سيِّدنا يوسف u: ] ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ٩٩ [