يخطئ من يظن أن الحضارة المصرية كانت حضارة تعتمد علي العالم الأخر، وأنها لم تكن تحتف او تقضي حياتها بشكل طبيعي، بل العكس هو الصحيح فالمصري كان لايترك مناسبة دون أن يبتهج بها، وتقدم لنا مقابر طيبة الغربية اشارات لما يزيد عن 160 عيدًا سنويًأ كان يحتفل بها.
وكانت الأعياد دائما تمثل وسيلة للتقارب بين الأشخاص أو بين الملك والشعب أو بين العابد والمعبود، وإجمالًا يمكن تقسيم الأعياد في مصر القديمة علي نفس النحو الذي نتبعه الأن فهناك الأعياد الدينية ومن أهمها عيد الأوبت وهو عيد كان المعبود أمون ينتقل من معبده الشمالي بالكرنك مصطحبًا زوجته موت وإبنهما خنسو ليقضي مايمكن اعتبارهه تجديًا لخصوبته في الأقصر.
يبدأ العيد من الكرنك حيث يخرج المركب الإلهي محمولًا علي أكتاف الكهنة، وبمجرد نزوله في النيل تبدا الإحتفالات حيث يقوم الأهالي بنحر الأضاحي والغناء والفرق الموسيقية والعزف في شكل كأنه أحد موالد الأولياء في عصرنا الحديث.
بعض العازفات في الموكب
هناك كذلك الأعياد الشعبية ومن بينها ماذكر علي لسان فرعون في القرأن الكريم بيوم الزينة.
والجميل بمكان أن نشير إلي أن أحد أهم الأعياد التي يعتقد ارتباطها بمصر القديمة وهو شم النسيم لم يكن له أصول عند المصري بل ربما عرف كأحد الأعياد الشعبية في القرن السابع الميلادي قبيل دخول العرب إلي مصر، ولايوجد أدني ربط مصري قديم بين اسم شم أي استنشاق وبين اللفظ المصري القديم شمو حيث كان المصري يقسم السنة إلي ثلاثة فصول (الفيضان وأسموه أخت، البذر وأسموه برت، والحصاد وأسموه شمو) ونلاحظ جميعًا ارتبط شم النسيم بعيد القيامة المجيد، ووفقًا لحسابات الأبقطي الذي تحدد به الكنيسة المصرية موعد عيد القيامة، يكون شم النسيم في اليوم التالي، ويبدو أن العيد كان مرتبطًا بالوضع في مصر خلال القرنين السادس والسابع الميلاديين، وكان الإحتفال يتم في اليوم التالي لعيد الفصح عند اليهود أي مع بداية أسبوع الألام، ومع دخول العرب يبدو أن الإحتفال انتقل لليوم التالي لعيد القيامة ليكون إحتفالًا للجميع.
ومن مظاهر البهجة في العيد أن يقوم الشخض بارتداء الملابس الجديدة الراقية وكذلك إعدا أفضل أنواع الطعام وكان لكل مناسبة الأطعمة الخاصة بها، ومن أهم المأكولات كانت اللحوم والأسماك والتي كان يعشقها المصريو، وتمدنا وثائق العصر الروماني أن الإمبراطور فسبسيان فرض ضريبة علي المصريين ترتبط بالسمك المملح الذي كانوا يعشقونه، وهو الأمر الذي قابله المصريون بسخريتهم المعتادة حين شبهوا الإمبراطور ببائع السمك المملح (الفسخاني)، أضف إلي ذلك ولع المصريين بالاطعمة الخضراء مثل الخس الذي يمثل رمزًا للخصوبة وكان عيد المعبود مين رب الخصوبة والنماء ينتهي دائًما بتقديم نبات الخس للإله، ويعني هذا بداية الخصوبة من جديد، وفيما يخص البصل فهو رمز من رموز عودة الحياة ولايزال هذا الإستخدام شائعًا حتي الأن لمن يصاب بإغماء، ولذا ففي عيد المعبود سوكر رب الجبانة كان المعبود يخرج من العالم الأخر لبداية الحياة، ويطوق عنقه إكليل من البصل رمزًا لبداية الحياة،
أما عن البيض فهو رمز لتجدد الحياة فمنه يخرج الوليد الجديد، ولذا كانت الملكة حتشبسوت تتفاخر في نصوصها أنها البيضة الطاهرة التي خرجت من رحم الأرباب، كما أن بعض نظريات اللق في مصر القديمة أكدت أن المعبود الخالق قد جاء من الأزل من بيضة كونية.
تقديم الخس
ربطة البصل تطوق رقبة المتوفي
تقطيع حزمة البصل
لم تنقطع عادة الأعياد في العصرين البطلمي والروماني بل استمر الإبداع المصري فكانت حتحور تخرج من دندرة إلي إدفو لزيارة زوجها حورس البحدتي في موكب بهيج وذبائح، وزغاريد بل كانت بعض النساء تستحب الحمل في هذه الأيام ليكون فألًا حسنًا.
ولعل أجمل مايشير إلي الأعياد وبهجتها وروعتها مايصلنا من قرية العمال بدير المدينة حيث كان العمال يحصلون علي مايقارب 42 يومًا كل عام كأجازات للأعياد ومن اجمل الأمثلة الموثقة أن أحد العمال واسمه إمن أبن إبرت: ذهب للمساعدة في تحضير البيرة في معبد حتحور وقد استمر غياب هذا العامل عدة أيام لكونه عاد من المعبد في حالة سكر شديد، والبعض الأخر كان يسهر في العيد فيحصل علي اجازة
اعياد الميلاد والطفل الجديد لم تكن تقل بهجة عن كل ماسبق فالم كانت تحتفل والطفال يغنون الاهازيج، وختامًا مع شهر رمضان المبارك نتذكر ان مصر القديمة كان تحتفل بعيد القمر فيخرج الأطفال ليغنوا واح وي واح وي اعح أي ياهلالك – ياهلالك – ياقمر وهي ماحرفت بعد ذلك إلي وحوي ياوحوي الياحة.
هكذا قدمت مصر للعالم نموذجًا للعلوم والفنون وحقوق المواطنة والأعياد قبل أن يدرك الكثيرون ماذا تعني هذه المفردات، ليس هذا تعصبًا لحضارتنا ولكنها حقيقة وثقتها النصوص والمناظر المختلفة.
كل عام ومصر وأهلها بكل خير وفي رباط إلي يوم الدين، كل عام والعالم يتعلم من مصر كيف يكتب التاريخ