في رحلة ومسيرة الشعر الفرنسي، لمع نجمٌ فريد، لا كغيره من النجوم، بل كان برقًا في عاصفة الحداثة، وصوتًا سبق عصره حتى بدت كلماته كأنها رسائل من زمن لم يأتِ بعد، إنه واحد من شعراء الحداثة، الذي حوّل الألم إلى فن، والشر إلى أزهار، والصمت إلى كلمات لا تُنسى، إنه الشاعر والناقد الفني شارل بودلير، صاحب ديوان «أزهار الشر»، الذي نبتت أزهاره في تربةٍ متمرّدة، تسقيها الفكرة العميقة والتمرد الجمالي.
ولم يكن «بودلير» شاعرًا تقليديًا يسير على خطى من سبقوه، بل كان ثائرًا على السائد، متمردًا على القوالب الجاهزة، يسبر أغوار النفس البشرية ويغوص في أعماقها المظلمة، ليصوغ من قلقها وجراحها شعراً مشحوناً بالجمال والدهشة؛ فكان صوته نشازًا في زمنه، لكنه أصبح نشيدًا خالدًا بعد رحيله، حين أدرك النقّاد والقرّاء عمق تجربته وعبقرية رؤيته.
الميلاد والنشأة
ولد شارل بيير بودلير في مثل هذا اليوم 9 أبريل 1821م بالعاصمة الفرنسية باريس، من أب ينتمي إلى الطبقة البورجوازية المتوسطة من ملاك الأراضي يدعى جوزيف فرنسوا بودلير، وأم من أصول إنجليزية تسمى كارولين أرشمبو دوفيس، كان أبو «بودلير» راهبًا ورسامًا هاويا، ثم ترك الرهبانية وأصبح موظفا في وزارة التعليم، ثم بعدها في البرلمان، قبل أن يتعرف على أم شارل، تزوج «جوزيف فرنسوا» من «جين جاستين روزالي جانين»، وهي رسامة أيضا، ورزق منها بولد ه ألفونس بودلير، وبنتين، وتوفيت عام 1818م.
وتعرف والد شارل في عام 1819م، على «كارولين »وتزوجها، وكانت وقتها في سن السادسة والعشرين، وكان هو في عمر الستين، وبعد نحو عام من الزواج رزقا بطفلهما «شارل بيير»، ومثلما ذاقت أم شارل بودلير اليتم وهي ابنة 7 سنين، توفي أبوه هو الآخر في فبراير 1827م وعمر الطفل آنذاك لم يتعد 6 سنوات، وزاد من مرارة يتمه أن والده توفي أمام عينيه.
شاعرًا منذ الطفولة
ترك الأب مكتبة كبيرة، التهَم شارل بيير كتبها وهو ما يزال صغيرًا، وكان يرتاد النوادي والمجالس الثقافية التي كانت تعقد في بيوت بعض وجهاء وأغنياء ومثقفي باريس، وتنبأ له الكثيرون بالنبوغ والإبداع، وقيل إنه كان يكتب الشعر وهو في المرحلة الإعدادية.
تناقضات الحياة اليومية
بدأ «بودلير» كتابة قصائده النثرية عام 1857م عقب نشر ديوانه «أزهار الشر»، مدفوعا بالرغبة في شكل شعري يمكنه استيعاب العديد من تناقضات الحياة اليومية في المدن الكبرى حتى يقتنص في شباكه الوجه النسبي الهارب للجمال، وجد بودلير ضالته فيما كتبه الوزيوس بيرتيران من پالادات نثرية مستوحاة من ترجمات البالادات الاسكتلندية والألمانية إلى الفرنسية، و«البالاد»هو النص الذي يشبه الموال القصصي في العربية وهو الشكل الذي استوحاه «وردزورث وكوليريدج» في ثورتهما علي جمود الكلاسيكية.
حقق ديوان واحد من أعماله الشعرية والأدبية شهرة غير مسبوقة، وجعل شارل بودلير عرش الشعر الفرنسي في القرن التاسع عشر، وأصبح كل منهما دليلًا على الآخر، فإذا ذكر بودلير سبقه إلى الذهن ديوان «أزهار الشر» (Les Fleurs du mal)، وإذا ذكر هذا الأخير لازمته صورة ذلك الشاعر الذي لخّص فيه عصارة الألم والنكد والضياع الذي عاشه في باريس.
قصيدة النثر
واعتبر النقاد ديوان «أزهار الشر» انطلاقة للشعر الحداثي في فرنسا وأوروبا، فقد أحدث « بودلير» رجة شديدة وتطورًا كبيرًا في الأوساط الأدبية أيضًا يوم أصدر ديوانه «قصائد نثرية»، حيث رأى فيه كثيرون قمة الإبداع في جنس جديد من الكتابة الشعرية كان ما يزال آنذاك غير معترفا به ومعروفا، وهو «قصيدة النثر».
بدأ «بودلير» في عام 1861م في محاولة لتدقيق اقتراحه الجمالي وتنفيذه فكتب هذه القصائد التي تمثل المدينة أهم ملامحها، وتعتبر معينا لا ينضب من النماذج والأحلام.
وكان الشاعر «بودلير» يرى أن الحياة الباريسية غنية بالموضوعات الشعرية الرائعة، وهي القصائد التي أضيفت إلى ديوان «أزهار الشر» في طبعته الثانية عام 1861م تحت عنوان «لوحات باريسية»، لم ينشر ديوان «سأم باريس» في حياة «بودلير»، وهو الديوان الذي لم يتحمس له جوستاف لانسون وسانت ـ بيف، هذا الديوان الذي أثر تأثيرًا عارمًا في الأجيال اللاحقة.
مؤلفات في الشعر والأدب
كانت مسيرة شارل بودلير الإبداعية رغم قصرها حافلة بكثير من المؤلفات في الشعر والأدب والنقد والترجمة، منها: سلسلة كتب في النقد الفني عنوانها «الصالونات» (1845، 1846، 1859م)، كتاب «خمر وحشيش» 1851م ، ترجمة أعمال الكاتب الأمريكي إدجار آلان بو 1854م، ديوان «إلى عابرة» 1855م، ديوان «أزهار الشر» 1857م، ونشر نسخًا منقحة منه في سنوات 1861، 1866، 1868 م.
وديوان «فراديس مصطنعة» 1860م، «حياة وأعمال أوجيني دو لاكروا»، وهو كتاب نقدي عن أعمال الرسام الفرنسي أوجين دو لاكروا» 1863، كتاب «الفن الرومانسي» 1868م، ديوان «كآبة باريس» 1869م ، «قلبي العاري» وهو ديوان من قصائد نثرية 1887م.
إدجار آلان بو في حياة بودلير
تميزت تجربة «بودلير» الأدبية بتأثره بالكاتب والشاعر الأمريكي إدجار آلان بو، الذي عاش هو الآخر مثل بودلير على رصيف الحياة، وبين طرقاتها وكان حظه عاثرًا، فحياة الكاتب الأمريكي حفلت بالشقاء والحرمان، وقال عنه بودلير إن «أمريكا فقدت روائيا وناقدًا وشاعرًا وفيلسوفًا لم تكن جديرة به»، وكرّس «بودلير» جزءًا من حياته وجهده لخدمة رسالة إدجار آلان بو، فترجم العديد من أشعاره وكتبه إلى اللغة الفرنسية، لأنه وجد فيها تقاطعات كبيرة مع منهجه في الحياة ومبادئه التي يؤمن بها.
رحيل وأثر باق
رحل «بودلير» عن عالمنا في 31 أغسطس 1857م بعد مسيرة حافلة بالإبداع في تاريخ الأدب العالمي، وهو لم يتجاوز بعد سنَّ السادسة والأربعين، ودفن في مقبرة العائلة بمنطقة مونبارناس في باريس.