الأربعاء 7 يناير 2026

مقالات

العالم الجديد.. تحولات هيكلية في المنظومة الدولية


  • 6-1-2026 | 10:12

طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية

طباعة
  • طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية

تنبري مراكز البحث الدولية والإقليمية بدراسة المشهد الدولي عبر قراءة استشرافية لسنوات طويلة، سواء إلى العام 2050 وربما أكثر، وأذكر أنني تناولت ملف الاستشراف السياسي في الكثير من الدراسات والبحوث التي تناولتها عن المجتمع الإسرائيلي، والتي كان أشهرها خطة «إسرائيل 2028»، والتي وُضعت منذ سنوات طويلة قبل الوصول إلى هذا الحدث، وانطلقت بعدها دراسات مثل «إسرائيل 2035» ثم «إسرائيل 2075» وغيرها من الدراسات والبحوث الاستراتيجية التي أقوم بتدريسها في الكليات العسكرية والأكاديمية العسكرية للدراسات العليا.

ومن ثم فإن دولًا أخرى في العالم بدأت، ومنذ سنوات، دراسة الأوضاع الدولية انطلاقًا من كون الدراسات الاستشرافية جهدًا علميًا منظمًا يهدف إلى استشراف وتحليل الاحتمالات المستقبلية بناءً على البيانات والاتجاهات الحالية، وذلك لتقليل المخاطر واتخاذ قرارات استراتيجية أفضل في الحاضر. والدراسات الاستشرافية ليست تنبؤًا بالغيب، بل هي علم لإدارة الاحتمالات وتحويل المستقبل من مجهول مخيف إلى فرصة مخططة. ووفقًا للدراسات الاستشرافية لعام 2050 والسيناريوهات طويلة المدى، يُتوقع أن يشهد النظام الدولي بحلول عام 2126 تحولات جذرية تعيد تعريف الدولة والحدود وموازين القوى. 
ومن المحتمل أن تصبح الدول القومية بشكلها الحالي بقايا من الماضي، حيث قد يحل محلها نظام حكم لامركزي مدفوع بالذكاء الاصطناعي، وظهور «الأمم الافتراضية» التي قد لا ترتبط فيها المواطنة بالجغرافيا، بل بمجتمعات رقمية وأيديولوجيات مشتركة عبر الفضاء السيبراني. وستواصل المنظمات الدولية والشركات العابرة للقارات والكيانات الذكية منافسة سلطة الدول، وربما إدارتها لأنظمة اقتصادية وأمنية كاملة. وتتوقع بعض الدراسات سيناريوهات لتفتت قوى كبرى حالية أو تحولها إلى أقاليم أكثر استقلالًا نتيجة الضغوط الديموغرافية والاقتصادية. وقد يتولى حكام ذكاء اصطناعي إدارة الموارد، والتنبؤ بالأزمات الاقتصادية، والوساطة في النزاعات الدولية بناءً على البيانات لا السياسة. وقد تظهر تجمعات بشرية خارج نطاق الولاية القضائية للدول الحالية، مثل المدن العائمة في المحيطات أو مستعمرات فضائية لاستغلال الموارد.
وإن استمرت الولايات المتحدة في كونها القوة العظمى المهيمنة اليوم، فإن المشهد العالمي يتغير بوتيرة متسارعة، وتتزايد المنافسة من دول مثل الصين، مما يجعل مستقبل النظام العالمي متعدد الأقطاب أكثر ترجيحًا، مع استمرار الولايات المتحدة في لعب دور محوري.
وتواجه الأمم المتحدة تحديات خطيرة في السنوات المقبلة، ليس فقط في مواجهة الأزمات الدولية والإقليمية المنتشرة على الخريطة العالمية، ما يتطلب سرعة العمل والتحرك في مواجهة ما سيجري، خاصة أن التذرع بأن القوى الدولية حريصة على بقاء الأمم المتحدة كمنبر دولي وعالمي مهم منعًا لحدوث مواجهات دولية، وأن الأمم المتحدة نجحت في منع نشوب حرب عالمية ثالثة، وأن هذا الأمر يمثل أهمية كبيرة وحقيقية في استمرار الأمم المتحدة.
وهذا الرأي يحتاج إلى تفنيد: أولها أن الأمم المتحدة بقيت في موقعها وعجزت عن إيجاد حلول أو مواجهة أزمات عاجلة، وأن المشكلة ليست في الأمم المتحدة وإنما في ممارسات القوى الدولية. ثانيها رغبة القوى الكبرى في الإبقاء على نظام الفيتو (حق الاعتراض) وبقاء الأوضاع في مجلس الأمن كما هي عليه تمامًا، والرغبة في عدم التغيير. ثالثها رفض كل الدعاوى التي تُردد بين الحين والآخر بشأن توسيع عضوية مجلس الأمن وضم دول جديدة، وهو ما تقف أمامه الدول الكبرى التي تتخوف من المساس بوضعها. وبرغم كل التباينات في الرؤى والمصالح، إلا أن الدول دائمة العضوية تدفع ببقاء الأوضاع على ما هي عليه، وفي ظل تمركز الصلاحيات للدول الكبرى ودائمة العضوية في استخدام، بل وتوظيف، حق النقض عند تعارض مصالحها الكبرى، وهو ما يدركه جيدًا الأمين العام للأمم المتحدة، والذي يأتي إلى موقعه أيضًا من خلال توافق ومقايضات تتم بين الدول المعنية والمباشرة في مجلس الأمن. ومن ثم فإنه لا توجد أية توجهات دفع بتغيير النظام أو على الأقل العمل في اتجاه تطويره لمواجهة ما يجري في العالم من مهددات وتهديدات تمس الأمن العالمي.
لا توجد إذن أية توقعات حقيقية لأي تغيير، سواء على مستوى التطوير أو التغيير، في ظل نظام عالمي يتشكل ويدفع لمزيد من الاستقطاب، في ظل مساعي الدول الكبرى لعودة تقسيم العالم إلى قوى مع وضد، في إطار معادلة مختلفة ارتكانًا لما يجري في النظام الدولي الراهن، بدليل عودة ظاهرة الانقلابات العسكرية في أفريقيا بعد سنوات طويلة من انتهائها، وعودة عسكرة السياسة الخارجية للدول الكبرى، واستخدام القوة في حل وتحليل الصراعات، وتعايش العالم مع الصراعات والأزمات الدولية وعدم التوصل إلى أي حلول ولو مرحلية، وبقاء الأزمات قيد التفاعل والتباين، الأمر الذي يؤكد أن حل الصراعات في العالم لن يعتمد الخيار الأخير أو الحل النهائي، وإنما العمل على خيارات منقوصة وغير حاسمة، الأمر الذي قد توظفه التنظيمات الإرهابية في إطار تحركاتها لهز الاستقرار في العالم وتحقيق أهدافها، والإعلان عن تواجدها في عشرات البؤر الدولية، وهو ما تتحرك في إطاره تنظيما القاعدة وداعش استثمارًا لما يجري، وسيستمر في الفترة المقبلة ما يهدد الاستقرار الدولي في العالم أجمعه. كما سيزيد من دور شركات الأمن الدولية في العديد من مواقع الصراعات، كما سيكون للدور الجديد والمتنامي لعناصر المرتزقة دور مهم في مسارح العمليات العسكرية، وفي ظل تقبل وتراضٍ من الدول الكبرى التي تتحرك في الوقت الراهن عبر أذرع جديدة.
وسيتجه النظام الدولي الراهن للتشكل نحو عالم متعدد الأقطاب، أو عالم تتحكم فيه دول عدة من خلال ممارسات وسلوكيات مختلفة يمكن الاحتكام إليها وتوجيهها في إطار محدد، خاصة أن إعادة بناء نظام دولي جديد لن يكون سهلًا ولن يتم بين يوم وليلة، بل بالعكس سيأخذ مزيدًا من الوقت، وهو ما قد يمس وضعية الأمم المتحدة كمنظمة عالمية استمرت كل هذه السنوات ولم تتعرض للانهيار مثلما جرى في حالة عصبة الأمم المتحدة.
من المتوقع إذن أن تبقى الأمم المتحدة بنظامها الراهن، ولكن الإشكالية الحقيقية في صعود دور التكتلات الدولية والإقليمية، والتي ستسحب من دور الأمم المتحدة وقد تعمل بعض آلياتها وفق نظامها. وإن كان الأمر قد تركز في الترتيبات الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية، فإن أغلب ما يتشكل الآن من تحالفات سيمضي في إطار جيوسياسي، ما يؤكد العودة إلى استقطابات دولية حقيقية تعمل في إطار من المعطيات الدولية الجديدة استثمارًا لحالة الخلل البنيوية الراهنة، والتي تعمل في ظل حسابات ربما تبدو غير منضبطة، ولكنها تؤسس لنظام جديد سيسحب البساط من تحت أقدام نظام الأمم المتحدة، والتي تعمل من خلال إرادات دولها.
من المتوقع أن النظام الدولي، وبعد 50 عامًا، سيشهد تحولات عميقة تركز على تزايد الترابط والتفاعلات العالمية، وصعود قوى جديدة وتحدي الهيمنة القائمة، وتطورات تكنولوجية غير مسبوقة تؤثر على السياسة والاقتصاد، مع تزايد أهمية قضايا عابرة للحدود كالتغير المناخي والأمن السيبراني. وقد يشهد إعادة تشكيل للمؤسسات الدولية لمواكبة الواقع المتغير، لكنه سيظل يعاني من تحديات مثل الصراعات، وعدم المساواة، والحفاظ على الهوية والثقافات، مما يجعله نظامًا أكثر تعقيدًا وتداخلًا. وقد يشهد النظام الدولي إعادة تشكيل للمؤسسات الدولية لمواكبة الواقع المتغير، لكنه سيظل يعاني من تحديات مثل الصراعات، وعدم المساواة، والحفاظ على الهوية والثقافات، مما يجعله نظامًا أكثر تعقيدًا وتداخلًا، مع تصاعد قضايا مثل تغير المناخ، والأوبئة، والأمن الغذائي والمائي، التي تتطلب تعاونًا دوليًا أعمق وربما هياكل حوكمة جديدة. ومن المرجح أن ينتهي عصر القطب الواحد، ليحل محله نظام قائم على تكتلات إقليمية قوية (آسيوية وأفريقية وأوراسية) تتشارك في صياغة القواعد الدولية.
على جانب آخر، سيشهد العالم العربي تحولات ديموغرافية كبيرة مع تقدم عمر السكان وارتفاع متوسط الأعمار، وتزايد الضغط على الموارد، وتغيرات اجتماعية واقتصادية بفعل التحول الرقمي والتكنولوجي، بينما ستؤثر التغيرات المناخية على أنماط الحياة، مما يتطلب تطوير مهارات جديدة وإعادة هيكلة اقتصادية. وسيصل معدل النمو السكاني العالمي إلى ما يقارب الصفر بحلول عام 2075، مما سيؤدي إلى تباطؤ عام في النمو الاقتصادي العالمي مقارنة بالعقود السابقة. وستتجه المنطقة العربية نحو مستقبل يتسم بالديناميكية، يواجه تحديات جغرافية ومناخية، لكنه يمتلك فرصًا كبيرة للنمو والابتكار من خلال تبني التكنولوجيا والتخطيط الاستراتيجي.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة