الإثنين 12 يناير 2026

ثقافة

سامح مهران: لو كنت في موقع المسؤولية الثقافية لأعدت النظر في سياسة المهرجانات

  • 10-1-2026 | 16:19

سامح مهران

طباعة
  • همت مصطفى

تواصلت المؤتمرات الصحفية للدورة السادسة عشرة،  من مهرجان المسرح العربي، حيث  أقيم أمس مؤتمر صحفي لصاحب كلمة اليوم العربي للمسرح، الدكتور سامح مهران.

بته المعرفية، وتخاطب كل المسرحيين من المحيط إلى الخليج، مؤكدًا أن هذا الاختيار يضعه ضمن كوكبة المبدعين الكبار الذين كتبوا رسائل اليوم العربي للمسرح منذ عام 2008م.

وأكد «غنام» أن هذه الرسائل، منذ انطلاقها، شكلت علامات إرشادية  في الواقع المسرحي العربي، وأسهمت في إنارة المسارات وإعطاء إشارات مشتركة لفهم اللحظة التي نعيشها، مستحضرًا أسماء كبار المبدعين الذين كتبوا هذه الرسائل عبر السنوات.

ووصف غنام غنام دكتور سامح مهران بأنه مسرحي يقف بقدميه على الأرض ورأسه في السماء، يرى واقعا لا يراه كثيرون، وينظر إلى أفق ثقافي مختلف، بوعي ذكي وقدرة على استشراف ما هو غير منظور.

سامح مهران: لو كنت في موقع المسؤولية الثقافية لأعدت النظر في سياسة المهرجانات

قال دكتور سامح مهران إننا نعيش منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام داخل دائرة الإجابات الجاهزة، من دون أن نجرؤ على الانتقال إلى مساحة الأسئلة المغايرة أو المختلفة، مؤكدًا أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في غياب الأفكار، بل في النقص العميق في حرية التفكير، وحرية الاعتقاد، وحتى حرية الخطأ.

وأوضح أن الإبداع مرتبط ارتباطًا مباشرًا بالحرية، وعندما تتراجع الحرية يتراجع الإبداع بالضرورة، مشيرًا إلى أننا نعيش في تشتت معلوماتي، و ثقافة تنطلق من السوشيال ميديا، والوسائط المختلفة، لا على إنتاج المعرفة، وهو ما يؤدي إلى حالة من التشويش الإدراكي الخطير.

وأضاف أن هذا التشويش يتضاعف مع الكم الهائل من القنوات التلفزيونية ومنصات التواصل الاجتماعي، التي تخلق حالة من التشتت المستمر، وتعيق القدرة على بناء موقف أو وعي متماسك، معتبرًا أن هذا التفتيت قد يكون أحيانا مقصودًا وأحيانا غير مقصود، لكنه في الحالتين يؤدي إلى النتيجة نفسها.

سامح مهران:  المسرح لا يمكن أن ينعزل عن قضايا الناس خاصة في اللحظات التاريخية الحرجة التي تمر بها المجتمعات

وأشار إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تحولت من أدوات تواصل إلى وسائل لتفتيت الناس والجموع، وإشاعة النميمة، وتغذية الاحتقان الداخلي، مؤكدًا أن الخروج من هذا الفخ لا يتم إلا بالعودة إلى مصادر المعرفة الحقيقية.

وشدد د. سامح مهران على أن مصادر المعرفة الحقيقية لم تعد تكمن في وسائل الإعلام السريعة أو الخطابات السطحية، بل في مراكز الأبحاث الجادة حول العالم، وفي تقاريرها الدقيقة، التي تقدم فهما مركبًا للواقع.

وأكد أن التعامل مع الغرب بوصفه كتلة واحدة خطأ معرفي جسيم، موضحًا أن الغرب ليس شيئا واحدًا، بل منظومة معقدة تضم قوى ومراكز أبحاث، ونقاط قوة وضعف، وأن فهم هذه المنظومة يتطلب بحثا عميقًا، لا شعارات عامة، والمعرفة العلمية متاحة، ومراكز البحث موجودة في كل أنحاء العالم، لكن التحدي الحقيقي يكمن في السعي الجاد إليها، وبناء وعي نقدي قادر على التمييز والفهم، لا الاكتفاء بالاستهلاك السريع للمعلومات.

واصل دكتور سامح مهران حديثه بالتأكيد على أن أي عرض مسرحي جاد لا يمكن فصله عن دراسة السياقات الاجتماعية والحركية للمكان الذي ينتمي إليه، مشيرًا إلى أن لكل محافظة في مصر خصوصيتها، وأن هذه الخصوصيات يجب أن تكون موضوعًا للبحث والدراسة، لا مجرد خلفية عامة.

وأوضح أن الإخراج المسرحي لا يجب أن يكون عشوائيا أو قائمًا على الانطباع، بل لابد أن يستند إلى معرفة دقيقة بالسياق، وبطبيعة اللحظة التاريخية والاجتماعية، مؤكدًا أن الإخراج في جوهره فعل دراسة وتحليل ورؤية قبل أن يكون فعلا تقنيا.

وضرب مثالًا بشخصية تاريخية مثل محمد علي، موضحًا أنه تم تقديمها كثيرًا بشكل خاطئ لا يدرك ماكان يحيط به في المكان، وأين كان يجلس وكيف، وقال إن اختزالها في صورة نمطية سطحية كثيرًا ما كان يفقد العمل عمقه، و القراءة الدقيقة كان يمكنها أن  تكشف تفاصيل معمارية وبصرية ودلالية شديدة الأهمية، مثل تصميم البوابات، أو اختيار الفضاءات، أو علاقة الضوء بالحركة، وهي عناصر تصنع المعنى قبل أن تصنع الشكل.

وأضاف أن التقنيات وحدها لا تصنع إخراجًا واعيًا، فامتلاك أدوات الإضاءة أو الحركة أو الصوت لا يكفي، إذا لم يكن هناك وعي بكيفية توظيفها في سياقها الصحيح، محذرًا من الوقوع في إخراج استعراضي يشبه عروض الديسكو، أو إضاءة الكبارية، حيث تتحول الإضاءة إلى غاية في ذاتها، بدلا من أن تكون أداة تعبير.

وانتقد دكتور سامح مهران غياب المعرفة الجادة بالتجارب الأخرى، مشيرًا إلى أن كثيرا من الممارسين لم يقرأوا أو يدرسوا تجارِب مسرحية مهمة في دول مثل تونس، أو ما تقدمه الأكاديميات والفضاءات البحثية في الدول المختلفة، مؤكدًا أن وهم الاكتفاء الذاتي هو أخطر ما يواجه الفنان.

وشدد  «مهران» على أن المسرح، مثل المعرفة، يقوم على التعلم المستمر، وأن من يتصور أنه امتلك المعرفة النهائية فقد خرج بالفعل من دائرة الإبداع، مؤكدًا أنه لا توجد محطة نزول في طريق التعلم، بل مسار مفتوح يتطلب وعيا دائمًا واستعدادًا للاشتباك مع الجديد.

و حول السياسات الثقافية والمهرجانات قال مهران: هناك تساؤل حقيقي يجب طرحه حول ما إذا كانت السياسات الثقافية الحالية، خصوصا في ما يتعلق بالمهرجانات، قد أسهمت بالفعل في تطوير المسرح أم تحولت إلى غاية في حد ذاتها، معزولة عن واقع المجتمع واحتياجاته.

وأوضح أنه لو كان في موقع المسؤولية الثقافية، لأعاد النظر جذريًا في سياسة المهرجانات، وربما أوقفها لعدة سنوات، ليس رفضا لفكرة المهرجان في حد ذاتها، بل إيمانا بأن التنمية المسرحية الحقيقية لا تتحقق بالعروض الموسمية، في ظل خشبات مسرح متهالكة، وبنية تقنية متأخرة، تجعلنا،  بعيدين عشرات السنين عن الحد الأدنى من التطور التقني.

وأشار إلى أن المشكلة لا تتعلق بالمهرجانات و الاحتفاء بها، بل بغياب الارتباط الحقيقي بينها وبين المجتمع، مؤكدًا أن المسرح لا يمكن أن ينعزل عن قضايا الناس، خاصة في اللحظات التاريخية الحرجة التي تمر بها المجتمعات.

وتوقف«مهران» عند إشكالية الورش في بعض المهرجانات، موضحًا أن التدريب في كثير من الأحيان قد تحول إلى علاقات، أكثر منه عملية معرفية ومنهجية، مؤكدًا أنه لا معنى لإقامة مهرجان لا يغير في معادلة التلقي، ولا يطرح أسئلة حقيقية على الجمهور.

وأضاف أن هناك أزمة تقنية حادة في مسرحنا، مشيرًا إلى أن كثيرا من العروض الجيدة لا تجد فضاء تقنيا مناسبًا لعرضها، مستشهدًا بتجارب عالمية تتطلب إمكانات إنتاجية وتقنية غير متوفرة محليًا، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول جدوى استيراد نماذج لا نملك أدوات التعامل معها.

وطرح «مهران» سؤالًا اعتبره مركزيًا: هل لدينا جمهور حقيقي للمسرح وهل لدينا جمهور يقبل الاختلاف؟ وهل نمتلك أدوات قياس واضحة لهذا الجمهور، أم أننا نفترض وجوده؟ مؤكدًا أن غياب هذا السؤال يؤدي إلى حالة من التعميم الزائف.

وشدد  «مهران» على أن ثقافة الاختلاف تظل شرطا أساسيًا لأي حراك مسرحي صحي، داعيا إلى التسامح مع المختلف، وإلى فتح نقاشات نقدية حقيقية حول العروض، لا بهدف الرفض أو الإدانة، بل بوصف النقاش دليلًا على حيوية العمل الفني.

وأوضح أنه يتمنى أن تُعرض أعمال مسرحية تُناقش بعمق، أمام عقل نقدي يفرز ويحلل ويتفاعل، لأن الرفض أو الاختلاف في حد ذاته دليل على وجود كائن حي يفكر ويتفاعل، وليس مجرد متلق سلبي.

وأكد «مهران» أن غياب الفرز النقدي، والاكتفاء بتكديس المضامين من دون وعي، قد يؤدي إلى تضليل ثقافي، ويفتح الباب، من حيث لا ندري، أمام أشكال جديدة من الهيمنة والاستلاب.

وقال الدكتور محمد الشافعي إنه شاهد عن قرب حجم الجهد اليومي والانضباط الصارم في العمل الذي يبذله دكتور سامح مهران، مؤكدًا أن هذا الاجتهاد المستمر، رغم ما تحقق من مكانة وخبرة، يمثل قيمة نادرة ومؤثرة في الأجيال الأصغر سنا.

وأوضح«الشافعي» أن ما يلفت الانتباه حقا في حديث وكلمة دكتور سامح مهران  هو الإصرار على المراجعة والتفكير والتطوير، مشيرًا إلى أن العودة الدائمة لإعادة الصياغة والتدقيق تعكس وعيا حقيقيًا بأن العمل الفكري لا يتوقف عند لحظة إنجاز واحدة.

وأضاف أن هذا النموذج يمنح طاقة إيجابية وإحساسًا بالثبات، ويشكل مصدر إلهام للأجيال الجديدة، التي تشعر في أحيان كثيرة بالهشاشة والقلق، لكنها تجد في هذا المثال دافعا للاستمرار والتعلم.

وأكد «الشافعي» أن وجود هذه الخبرات في مصر، والعمل المشترك معها، شرف حقيقي وفرصة تعليمية ثمينة، معربًا عن امتنانه للتعلم المستمر من هذه التجربة.

الاكثر قراءة