تشهد المدن الإيرانية احتجاجات شعبية متصاعدة، فيما تواجه طهران اختبارًا صعبًا تحت ضغط غربي متزايد، لا سيما من الولايات المتحدة الأمريكية، التي حذّرت صراحة من أن أي استخدام للعنف ضد المتظاهرين سيقابل برد صارم.
ولطالما كانت العلاقات بين طهران والقوى الغربية متوترة، لكنها بلغت ذروتها بعد حرب الأيام الـ12 في يونيو الماضي التي خاضتها إيران مع إسرائيل، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة، ما حوّل الصراع الإيراني ـ الغربي إلى مواجهة مباشرة كادت أن تمتد لتشعل المنطقة بأسرها.
ورغم توقف الأعمال العسكرية، فإن العلاقات بين إيران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، ما تزال في أعلى درجات التوتر، وسط تصريحات متبادلة حول الرغبة في توجيه ضربات لإيران للحد من قدراتها العسكرية وإحباط برنامجها النووي، في إطار لا ينفصل عن السعي لإسقاط النظام الحاكم.
الاحتجاجات تفتح أبواب المواجهة
انطلقت الاحتجاجات في طهران في 28 ديسمبر الماضي لأسباب اقتصادية، قبل أن تكتسب طابعًا سياسيًا يطالب بإسقاط النظام، ما أعاد فتح الباب أمام تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية الإيرانية.
فقد استغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه الاحتجاجات لتهديد السلطات الإيرانية برد قاسٍ في حال استخدام العنف ضد المتظاهرين.
وفي المقابل، أكدت السلطات الإيرانية احترام حقوق المتظاهرين، لكنها دانت أعمال العنف التي رافقت بعض المظاهرات، واتهمت الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراءها.
وتتصاعد المخاوف حاليًا من احتمال توجيه ضربات عسكرية أمريكية، بالتعاون مع إسرائيل، ضد إيران، حيث نقلت وكالة «رويترز» عن ثلاثة مصادر أن إسرائيل رفعت حالة التأهب القصوى تحسبًا لأي تدخل أمريكي محتمل في إيران.
وأوضح مصدر إسرائيلي مطّلع أن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ناقشا احتمال تدخل الولايات المتحدة في إيران خلال مكالمة هاتفية.
وفي غضون ذلك، يؤكد الدكتور علاء السعيد، خبير الشأن الإيراني، أن موجة الاحتجاجات الحالية التي تشهدها إيران لا يمكن فصلها عن السياق التراكمي الذي تعيشه الدولة الإيرانية منذ سنوات؛ إذ لم تعد الأزمة محصورة في بند اقتصادي أو مطلب معيشي محدد، بل تحولت إلى حالة إنهاك عام تمسّ العلاقة بين المجتمع والدولة، وبين الخطاب الرسمي والواقع اليومي.
ويضيف السعيد، في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، أن ما يجري في الشارع الإيراني اليوم هو تعبير عن احتقان طويل الأمد، لا عن لحظة انفجار عابرة، لكنه في الوقت نفسه لا يرتقي —حتى الآن— إلى مستوى التهديد الوجودي للنظام.
ويرى السعيد أن هذه الاحتجاجات، في جوهرها، احتجاجات ضغط لا احتجاجات كسر؛ فهي تذكير دائم للنظام بحدود قدرته على إدارة الأزمات، وليست مشروعًا سياسيًا متكاملًا يحمل بديلًا واضحًا، أو قيادة موحدة، أو تصورًا محددًا لما بعد اللحظة الاحتجاجية.
ويشير إلى أن الشارع الإيراني غاضب، لكنه في الوقت ذاته منقسم ومُنهك، ويفتقد إلى الكتلة التاريخية القادرة على تحويل هذا الغضب إلى مسار سياسي منظم.
أما عن مآلات هذه الاحتجاجات، فيرى خبير الشأن الإيراني أنها مرشحة للدخول في دورات من المدّ والجزر، تصاعدًا ثم انحسارًا، وفق المعادلة التقليدية التي أتقنها النظام الإيراني: احتواء أمني محسوب، وتنازلات شكلية محدودة، مع إبقاء هاجس الفوضى والبديل المجهول حاضرًا في الوعي الجمعي. لذلك، من المرجح أن تهدأ هذه الاحتجاجات مؤقتًا، لا لأن أسبابها زالت، بل لأن ميزان القوة لم ينكسر بعد.
الموقف الأمريكي
وفي ما يتعلق بالضغط الأمريكي، يوضح السعيد ضرورة التمييز بين الخطاب والنية؛ فواشنطن توظف الاحتجاجات كورقة ضغط سياسية وإعلامية، لا كمقدمة مباشرة لتدخل عسكري.
ويستشهد بأن التجربة الأمريكية مع إيران تشير بوضوح إلى أن الخيار العسكري ليس قرارًا سهلًا ولا مفضلًا، لما يحمله من كلفة عالية ونتائج مفتوحة قد تفضي إلى عكس المقصود، أي توحيد الداخل الإيراني خلف النظام بدل تفكيكه.
غير أنه يضيف أن تحويل الضغط الأمريكي إلى عمل عسكري مباشر يظل سيناريو ضعيف الاحتمال، لكنه غير مستحيل، في حال تلاقت ثلاثة عوامل رئيسية.
وحسب السعيد، تتمثل هذه العوامل في: انهيار أمني داخلي واسع، وتهديد مباشر للمصالح الأمريكية أو لحلفائها، وتوافر غطاء دولي أو إقليمي يسمح بتحمّل كلفة المواجهة، وحتى في هذا السيناريو، فإن التدخل —إن حدث— لن يكون غزوًا شاملًا، بل ضربات محدودة وجراحية تستهدف بنى عسكرية أو نووية، مع ترك الداخل الإيراني لمعادلاته الخاصة.
أما السيناريوهات المحتملة في حال وقوع تدخل عسكري، فهي —كما يقول السعيد— ثلاثة لا رابع لها:
الأول، تصعيد إقليمي واسع تدفع ثمنه المنطقة بأسرها، إذ تمتلك إيران أدوات رد غير مباشرة تجعل أي ضربة شرارة لحريق أكبر.
الثاني، التفاف داخلي حول النظام تحت شعار السيادة ومقاومة العدوان، بما يمنحه عمرًا سياسيًا إضافيًا بدل إسقاطه.
الثالث، إضعاف جزئي لقدرات الدولة من دون إسقاطها، مع استمرار حالة اللاسلم واللاحرب، وهو السيناريو الأكثر واقعية إن وقع التدخل.
محرك اقتصادي
وفي الإطار نفسه، يقول الدكتور أحمد العناني، الباحث في العلاقات الدولية، إن موجة الاحتجاجات الحالية في إيران تحمل في جوهرها طابعًا اقتصاديًا بالأساس، وتأتي نتيجة مباشرة لتفاقم الأوضاع المعيشية تحت وطأة العقوبات الأمريكية، وما تسببه من تضخم واسع في العملة وارتفاع حاد في تكاليف الحياة.
ويشير العناني، في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، إلى أن الشرارة الأولى للاحتجاجات انطلقت من أوساط تجار البازارات، بعدما وجدوا أنفسهم أمام خسائر متراكمة وضغوط غير مسبوقة، قبل أن تمتد رقعة الغضب لتشمل شرائح اجتماعية أوسع، من عمال وشباب وعاطلين عن العمل، ما يجعل هذه الموجة مختلفة من حيث الاتساع الاجتماعي مقارنة بموجات سابقة.
ويوضح أن الفارق الجوهري بين هذه الاحتجاجات ومظاهرات عام 2023 يكمن في طبيعة الدوافع؛ إذ إن احتجاجات 2023 كانت سياسية في الأساس، مرتبطة بقضية مقتل مهسا أميني وما تبعها من حراك شبابي واسع، بينما تتمحور الاحتجاجات الحالية حول الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمسّ صميم حياة المواطن الإيراني، مؤكدًا أن العامل الاقتصادي يظل الأكثر قدرة على تحريك الشارع واستدامة الغضب الشعبي.
ويلفت الباحث في العلاقات الدولية إلى أن خطورة هذه الاحتجاجات تنبع من كونها لم تعد محصورة في فئة أو تيار بعينه، بل تتحول إلى حراك اجتماعي واسع يعكس حالة تآكل الثقة بين قطاعات كبيرة من المجتمع والنظام، مشيرًا إلى أن اتساع قاعدة المشاركين يمنحها زخمًا أكبر ويجعل احتواءها أكثر تعقيدًا.
وفي ما يتعلق بالبُعد الخارجي للأزمة، يؤكد العناني أن هذه الاحتجاجات تحظى بدعم معنوي وإعلامي من الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار سياسة الضغط المستمرة على طهران، موضحًا أن واشنطن تسعى في النهاية إلى دفع إيران للجلوس إلى طاولة المفاوضات بشأن الملف النووي وفق شروط أمريكية، حتى وإن كانت لا تمانع مرحليًا في بقاء النظام، طالما يُبدي مرونة في هذا الملف.
ويبيّن أن إسرائيل، على النقيض، تنطلق من رؤية أكثر تشددًا، إذ لا تُخفي رغبتها في تغيير النظام الإيراني بشكل جذري، في حين تعتمد الولايات المتحدة مقاربة أكثر «براجماتية» تقوم على إحداث تغيير في سلوك النظام قبل التفكير في تغييره بالكامل.
ويتابع العناني أن المؤسسة الحاكمة في إيران، ممثلة في المرشد الأعلى والحرس الثوري والتيار المحافظ، ترفض مرارًا الضغوط الأمريكية للعودة إلى طاولة المفاوضات بشروط قاسية، معتبرًا أن هذا الرفض يُعد أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار حالة التوتر الداخلي والخارجي التي تعيشها البلاد.
خبرة النظام
وحول إمكانية احتواء هذه الموجة من الاحتجاجات، يرى العناني أن النظام الإيراني يمتلك خبرة طويلة في التعامل مع مثل هذه الأزمات، ويستشهد بما حدث في احتجاجات 2009 التي اندلعت على خلفية اتهامات بتزوير الانتخابات، ثم احتجاجات 2018 ذات الطابع الاقتصادي والسياسي، وصولًا إلى احتجاجات 2023 ذات البعد السياسي الواضح، مؤكدًا أن النظام يتمكن في كل مرة من فرض السيطرة طالما يغيب التدخل الخارجي المباشر.
ورغم الطابع الاقتصادي للحراك الحالي، يشير إلى أن الشعارات السياسية تبدأ في الظهور تدريجيًا مع اتساع دائرة الغضب، خاصة مع تصاعد الدعوات المطالِبة بتغيير النظام، وتحركات شخصيات معارضة في الخارج مثل رضا بهلوي، الذي يسعى إلى استثمار حالة السخط الشعبي لإعادة طرح نفسه على المشهد السياسي الإيراني.
ويؤكد العناني أن انتقال الاحتجاجات من مربع المطالب الاقتصادية إلى سقف المطالب السياسية يمثل تطورًا بالغ الخطورة، لا سيما بعد حوادث الشغب، معتبرًا ذلك مؤشرًا على دخول الأزمة مرحلة أكثر تصعيدًا قد تهدد استقرار الداخل الإيراني إذا استمرت وتيرة الاحتجاج على هذا النحو.
وفي المقابل، يشدد على أن قدرة النظام على إخماد هذه الاحتجاجات لا تزال قائمة، شريطة ألا تتحول الأزمة إلى ملف تدخل خارجي مباشر، مؤكدًا أن أي تدخل أمريكي مباشر يغيّر قواعد اللعبة تمامًا ويدفع بالأوضاع إلى سيناريوهات أكثر تعقيدًا.
سياسة «حافة الهاوية»
وحول التهديدات الأمريكية الأخيرة وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن توجيه رد قاسٍ لطهران في حال تعرض المحتجون للأذى، يقول العناني إن هذه التصريحات تندرج في إطار سياسة «حافة الهاوية»، التي يعتمدها ترامب في إدارة الأزمات الدولية من خلال التصعيد اللفظي المكثف دون الذهاب بالضرورة إلى مواجهة عسكرية شاملة.
ويضيف أن الولايات المتحدة، رغم خطابها المتشدد، لا تميل إلى الدخول في حرب مباشرة مع قوى كبرى أو إقليمية وازنة، كما هو الحال مع الصين وروسيا، معتبرًا أن السيناريو نفسه ينطبق على إيران، حيث يبقى التدخل العسكري الأمريكي المباشر احتمالًا ضعيفًا، ولا يتحقق إلا في حالة واحدة، وهي إقدام إيران على توجيه ضربة استباقية لإسرائيل.
ويوضح أن أي مواجهة محتملة تظل في إطار ضربات متبادلة بين إسرائيل وإيران، مع تدخل أمريكي محدود، دون الانزلاق إلى حرب شاملة، مؤكدًا أن صانع القرار في طهران يدرك جيدًا حدود الدور الأمريكي، ويتعامل مع التهديدات بوصفها أداة ضغط أكثر منها مقدمة لحرب.
ويختم الدكتور أحمد العناني حديثه بالتأكيد على أن القيادة الإيرانية تسعى خلال المرحلة المقبلة إلى تحييد الولايات المتحدة الأمريكية عبر فتح قنوات تفاوض جديدة، قد تفضي إلى عودة محتملة لمسار الاتفاق النووي، ولكن بشروط أمريكية هذه المرة، مرجحًا أن تشهد المرحلة المقبلة تنازلات إيرانية محسوبة، في محاولة لاحتواء الضغوط الداخلية وتخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، والحفاظ على تماسك النظام في مواجهة واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخه الحديث.