تتجه بريطانيا لأن تصبح أكبر دولة إنفاقًا على إعانات العجز والإعاقة بين دول مجموعة السبع، في وقت يواصل فيه رئيس الوزراء كير ستارمر تأجيل إصلاحات نظام الرعاية الاجتماعية، وسط مخاوف داخلية من تمرد حزبي وتحديات محتملة لقيادته.
ووفق تحليل أجرته صحيفة "ديلي تليجراف" البريطانية، استنادًا إلى بيانات مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني، من المتوقع أن يصل إنفاق المملكة المتحدة على إعانات العجز وعدم القدرة على العمل إلى نحو 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي مع نهاية العقد الجاري، وتشير أحدث البيانات القابلة للمقارنة دوليًا الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن هذا المستوى سيكون الأعلى بفارق كبير بين جميع دول مجموعة السبع.
ويأتي ذلك في ظل كشف تقارير عن أن ستارمر قام بتأجيل مواجهة الارتفاع الحاد في فاتورة الإعانات مرة أخرى، في ظل ضغوط من الجناح اليساري داخل حزب العمال واحتمالات تصاعد التوترات حول قيادته، وبحسب التقارير، جرى تأجيل إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية لمدة لا تقل عن عام، ما يفتح الباب أمام احتمال التخلي عن هذه الإصلاحات بالكامل وترحيلها إلى الدورة البرلمانية المقبلة.
وكانت خطط وزيرة المالية راشيل ريفز لخفض فاتورة الإعانات قد تعثرت العام الماضي، بعد تمرد من نواب حزب العمال، وحذّر نواب في المعارضة من أن الأرقام الأخيرة تعكس اختيار الحكومة "الرعاية بدل العمل"، وإهدار أموال دافعي الضرائب.
وقال وزير المالية في حكومة الظل، ميل سترايد، إن: "فشل ستارمر وريفز في إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية يترك ملايين الأشخاص يعتمدون على الإعانات دون أي التزامات بالعمل"، مضيفًا: "هذا إهدار هائل للطاقات البشرية، وتكلفة ضخمة على دافعي الضرائب.. بتجميد إصلاحات الرعاية، اختار حزب العمال الرعاية بدل العمل".
وأظهرت بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن بريطانيا كانت في منتصف الترتيب بين دول السبع من حيث الإنفاق على إعانات المرض والإعاقة خلال الفترة من 2021 إلى 2023، بنسبة 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى أقل من إيطاليا وفرنسا (1.8% لكل منهما) وألمانيا (1.5%)، إلا أن توقعات مكتب مسؤولية الميزانية الصادرة في نوفمبر تشير إلى أن هذه النسبة قفزت بالفعل إلى نحو 2% من الناتج المحلي بحلول ربيع العام الماضي، مع توقع استمرار ارتفاعها إلى 2.2% في السنوات المقبلة.
ولا تتوافر حتى الآن توقعات دولية قابلة للمقارنة تعكس هذه القفزة، كما أن بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي توثق الزيادة في إعانات ما بعد الجائحة في بريطانيا لن تصدر قبل سنوات، لكن معهد الدراسات المالية حذّر من أن المملكة المتحدة تكاد تكون الدولة الكبرى الوحيدة التي شهدت ارتفاعًا واضحًا في عدم الالتحاق بسوق العمل بعد جائحة كورونا.
وقال إدوين لاتيمر، الباحث في المعهد، إن «هناك زيادة كبيرة في حالات الخروج من سوق العمل لأسباب صحية في بريطانيا، ومعظم هؤلاء يحصلون على إعانات مرتبطة بالحالة الصحية»، مضيفًا: «لم ألاحظ أدلة قوية على حدوث اتجاهات مماثلة بهذا الحجم في دول أخرى».
وتشير الأرقام إلى أنه في حال عدم تنفيذ إصلاحات، قد تنفق الدولة البريطانية نسبة من ناتجها المحلي على إعانات المرض والإعاقة تفوق حتى فرنسا وإيطاليا، وربما تكون قد وصلت بالفعل إلى هذا المستوى، فيما حذر خبراء من أن تصميم نظام الإعانات الحالي يسهم جزئيًا في أزمة العزوف عن العمل، إذ إن نحو أربعة ملايين من أصل ثمانية ملايين شخص يحصلون على إعانة البطالة الأساسية في بريطانيا ليست لديهم أي التزامات بالبحث عن عمل.
وأوضح لاتيمر أن «تزايد الإبلاغ عن مشكلات الصحة النفسية جزء من الصورة، لكنه ليس العامل الوحيد»، مشيرًا إلى تأثير الظروف الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة منذ عام 2022، إلى جانب خصائص نظام الإعانات الصحية في بريطانيا.
وتعد المملكة المتحدة الدولة الوحيدة في مجموعة السبع التي لا يزال فيها معدل المشاركة في سوق العمل أقل من مستواه قبل الجائحة، في حين شهدت الدول المنافسة تحسنًا ملحوظًا مع عودة المزيد من الأشخاص إلى سوق العمل.
وأظهرت بيانات رسمية نُشرت الأسبوع الماضي أن واحدًا فقط من كل 14 مستفيدًا من الإعانات ينتقل إلى العمل شهريًا في المتوسط خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر من العام الماضي، وهو أدنى مستوى منذ 2019.
من جانبه، قال ريتشارد تايس، نائب زعيم حزب الإصلاح البريطاني، إن «ستارمر سيُجبر عاجلًا أم آجلًا على خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية»، مضيفًا أن «تحفيز عدد كبير من هؤلاء للعودة إلى العمل، باستخدام مزيج من الحوافز والضوابط، ثم توجيه الوفر المتحقق إلى الدفاع، سيكون مكسبًا مزدوجًا».
وفي المقابل، أكد متحدث باسم الحكومة أن «الحكومة تعمل على إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية المختل الذي ورثته، من خلال حزمة إجراءات لمعالجة تراكم طلبات تقييم القدرة على العمل وتوفير ما يقرب من ملياري جنيه إسترليني بحلول نهاية العقد»، مشيرًا إلى تعديلات على نظام الائتمان الشامل ومراجعة شاملة لإعانة الاستقلال الشخصي لضمان أن يكون النظام «عادلًا ومناسبًا للمستقبل».