نشأت أم كلثوم في بيئة دينية محافظة، والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي كان شيخ جامع قرية «طماي الزهايرة»، كان يرفع الأذان ويجود القرآن الكريم، كما كان يعمل منشِدًا في بيوتات العائلات الكريمة في قريته وما حولها في المناسبات العائلية السارة، والمناسبات الدينية كمولد الرسول ورأس السنة الهجرية وليالي رمضان. أشركها والدها معه في الإنشاد هي وشقيقها خالد وهي طفلة ما زالت تدرس في الكُتَّاب، تنشد مع والدها القصة النبوية الشريفة وبعض القصائد الدينية والتواشيح الدينية، لذا فهي تخرجت كمطربة من مدرسة تجويد القرآن والإنشاد الديني.
ولما التقت بالشيخ زكريا أحمد في رمضان من عام 1919 وهي في السابعة عشرة من عمرها، دعته إلى بيتها في طماي الزهايرة، حفظت منه بعض التواشيح الدينية التي كان لحنها لمنشدي القاهرة الكبار، مثل توشيح "مولاي كتبت رحمة الناس عليك فضلًا وكرمًا" وتوشيح "جل من طرز الياسمين على خدك بالجلنار"، واستأذنته في أن تنشد هذه الأعمال.
لكن للأسف الشديد، عندما بدأت أم كلثوم في تسجيل صوتها على أسطوانات بداية عام 1925 لم تسجل أيًّا من التواشيح الدينية التي كانت تنشدها في مرحلة الطفولة والصِّبا، فلا يوجد لدينا أي تسجيل من هذه الأعمال بكل أسف، ما عدا توشيحًا دينيًا واحدًا سُجل لأم كلثوم عام 1968 خلال زيارتها للمغرب، وتحديدًا في حفل أقيم على شرفها في مدينة مراكش، حيث أنشد كورال الجوق الملكي توشيح "يا رسول الله خذ بيدي"، فانفعلت أم كلثوم ونهضت تنشد معهم وتجود: "يا رسول الله خذ بيدي"، ثم انتقلت لتوشيح آخر كان أنشده الموسيقار محمد عبد الوهاب في الخمسينات هو: "أغثنا أدركنا يا رسول الله".
أم كلثوم تجود القرآن وترفع الأذان
كان القرآن الكريم هو رفيق درب وحياة أم كلثوم، فحسب ما روت للإذاعي وجدي الحكيم في مذكراتها الإذاعية، كانت لا تخرج من بيتها قبل أن تقرأ آية "الكرسي"، وفي السيارة في طريقها للغناء في حفل كانت لا تكف عن تلاوة القرآن الكريم، وفي غرفتها في المسرح قبل رفع الستار أيضًا، كان القرآن يمنحها السلام النفسي والطمأنينة.
يحكي الكاتب ثروت أباظة في مذكراته التي نشرها في مجلة "آخر ساعة" يقول إن أم كلثوم كانت تزورهم في قرية "غزالة" في محافظة الشرقية وهو بعد صبي صغير بدعوة من الكاتب الصحفي فكري أباظة رئيس تحرير مجلة "المصور"، صديق أم كلثوم ومحاميها الخاص. يحكي أنهم سهروا في منزلهم على أطراف القرية، وأن أم كلثوم شرعت في الغناء في تلك الليلة ثم توقفت قليلًا وبدأت في تلاوة القرآن الكريم حتى حل عليهم الفجر، فخرجت إلى الشرفة وأطلقت لصوتها العنان لترفع أذان الفجر، وأن صوتها وصل لبيوت القرية فخرج الفلاحون إلى مسجد القرية لأداء صلاة الفجر.
لكن للأسف الشديد لم يتبقَّ لنا من هذا الأثر العظيم سوى بضع آيات جودتها أم كلثوم في فيلم "سلامة" للمخرج توجو مزراحي عام 1945، ما تيسر لها من سورة "إبراهيم" كما لقنها إياها الشيخ زكريا أحمد، وقراءتها لآية الكرسي في لقاء إذاعي لها.
في مطلع العام 1958 اقترحت مجلة "آخر ساعة" على أم كلثوم أن تسجل القرآن الكريم كاملًا مجودًا بصوتها على أسطوانات، على أن تُطرح هذه الأسطوانات في مصر والعالم الإسلامي وأن يعود ريعها لأعمال الخير، وكانت أم كلثوم قد صرحت في حوار سابق لها مع المجلة أنها تتمنى أن تسجل القرآن بصوتها شرط ألا تتقاضى أجرًا عن ذلك وشرط آخر هو ألا يُذاع التسجيل إلا بعد وفاتها. في العدد التالي استقصت المجلة آراء المفتي وكبار قراء القرآن الكريم في الأمر، في الوقت الذي قال المفتي الشيخ حسن مأمون إن صوت المرأة ليس بعورة وأنه لا مانع طالما التزمت أم كلثوم بأحكام التلاوة، رفض الأمر الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، وظل الأمر قيد الدرس وتوقف المشروع العظيم للأسف الشديد.
الغناء الديني
قدمت أم كلثوم 17 عملًا دينيًا صوفيًا في الفترة من 1945 وحتى العام 1971، وضع ألحان 12 عملًا منها الموسيقار رياض السنباطي، فيما وضع محمد الموجي لحنين فقط ومثلهما الموسيقار كمال الطويل، ولحن واحد فقط وضعه الشيخ زكريا أحمد.
كان لحن "برضاك يا خالقي" الذي قدمته أم كلثوم في فيلم "سلامة" هو أول عمل غنائي لها له طابع روحاني صوفي، فهي تبتهل فيه إلى الله حمدًا وشكرًا على النعمة التي أسبغها عليها من حسن الصوت الذي أسرت به قلوب الملايين. الأغنية التي كتبها بيرم التونسي باللهجة البدوية ولحنه الشيخ زكريا أحمد وصاغه في قالب الموال، تناجي فيه أم كلثوم ربها وتقول: "برضاك يا خالقي لا رغبتي ورضاي / خلقت صوتي ويدك صوت أعضاي / أبلغ بصوتي يا ربي مقصدي ومناي / لما أناجيك ولما تستمع شكواي".
في العام 1946 قدمت أم كلثوم أبياتًا مختارة من قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي "ذكرى المولد النبوي" التي عرفت باسم "سلو قلبي" بمناسبة زيارة الملك عبد العزيز آل سعود، مع إضافة خمسة أبيات جديدة كتبها الشاعر محمد الأسمر ترحيبًا بضيف مصر العزيز. سجلتها للإذاعة وحذفت منها هذه الأبيات عندما غنتها أم كلثوم في حفلاتها.
تضمنت القصيدة أبياتًا في مدح الرسول الكريم يقول شوقي فيها:
"نبي البر بينه سبيلا وسن خلاله وهدى الشعابا
وكان بيانه للهدي سبلا وكانت خيله للحق غابا
أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك بيد أن لي انتسابا"
ظلت أم كلثوم تغني القصيدة في حفلاتها حتى العام 1967 عندما غنتها لآخر مرة في حفل الخميس الأول من يونيو عام 1967.
بعد عامين، وفي العام التالي 1947، قدم السنباطي من صوفياته لأم كلثوم لحن قصيدة "نهج البردة" التي يقول مطلعها: "ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم"، كتبها أمير الشعراء معارضة لقصيدة الإمام البوصيري "البردة" في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، والبردة هي الكساء أو الرداء الذي يشبه العباءة. وكان الشاعر المتصوف الإمام شرف الدين بن عبد الله محمد البوصيري الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي قد رأى الرسول في المنام يسدل عليه ويغطيه برداء أخضر اللون، فنظم قصيدة في مدح الرسول لتكون بمثابة رداء فخري أو عباءة مباركة، فأطلق على قصيدته "البردة" أو "الكواكب الدرية في مدح خير البرية".
القصيدة الثالثة في عقد صوفيات السنباطي لأم كلثوم كانت "الهمزة النبوية" لأمير الشعراء أحمد شوقي أو كما عرفت باسم "ولد الهدى فالكائنات ضياء" التي شدت بها في عام 1949. كانت أم كلثوم وهي صبية تجوب القرى في دلتا مصر تنشد مع والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي "المولد النبوي"، وكان نصًا شعريًا بسيطًا ساذجًا، وها هي اليوم تنشد المولد النبوي لكن بشعر أمير الشعراء ولحن أمير النغم رياض السنباطي، هذه القصيدة العصماء بديعة النظم واللحن، حتى إن الموسيقار محمد عبد الوهاب عندما سُئل: ما هي القصيدة التي تمنيت لو كنت ملحنها؟ فأجاب: نهج البردة.
كانت أم كلثوم على موعد سنوي مع السنباطي في صوفياته، حيث قدم لها في العام التالي تحفته "رباعيات الخيام" للشاعر الفارسي عمر الخيام التي ترجمها إلى العربية الشاعر أحمد رامي، الذي كان قد سافر إلى باريس وتعلم اللغة الفارسية خصيصًا حتى يتمكن من ترجمتها، وظل لسنوات يحاول إقناع أم كلثوم بغنائها غير أنها كانت ترفض بسبب ما تتضمنه من حديث عن الخمر واللهو وكانت ترى شاعرها ماجنًا، حتى تمكن رامي أخيرًا من إقناعها بغناء أبيات مختارة منها، وعندما طلبت من رامي أن يختار هو الأبيات رفض وقال لها لن أستطيع أن أستبعد بيتًا منها، أنا أعشقها كلها، وترك لها الديوان واختارت هي بنفسها الأبيات التي ستغنيها وبدأت في تعديل الكلمات التي تراها غير ملائمة بمساعدة رامي، وغنتها لأول مرة في حفلها في شهر ديسمبر من عام 1950 بعد أن حذفت الأبيات التي يتحدث فيها الشاعر عن الخمر وأبدلت كلمة "بكأس الشراب" إلى "شهد الرضاب" في البيت الشعري: "أطفئ لظى القلب بشهد الرضاب".
في العام 1951 قدم السنباطي لأم كلثوم خامس درر عقده الفريد في صوفياته لأم كلثوم وهي قصيدة "إلى عرفات الله يا خير زائر" لأمير الشعراء أحمد شوقي، كانت المطربة نجاة علي قد سبق لها أن غنت أبياتًا مختارة من القصيدة نفسها في الإذاعة عام 1949 بلحن عبد الفتاح بدير، فحرصت أم كلثوم على اختيار أبيات من القصيدة غير تلك التي غنتها نجاة علي، فقد اختارت أم كلثوم 25 بيتًا من القصيدة التي كتبها شوقي في 63 بيتًا وكان نظمها عام 1910 وأهداها للخديوي عباس حلمي الثاني عند أدائه لفريضة الحج اعتذارًا منه عن تخلفه في الذهاب مع الخديو لأداء مناسك الحج، وطلبت أم كلثوم من أحمد رامي أن يبدل في كلمات القصيدة، فبدل في مطلعها كلمات من «إلى عرفات الله يا ابن محمد عليك سلام الله في عرفات» إلى «إلى عرفات الله يا خير زائر عليك سلام الله في عرفات»، وقام بحذف كل الأبيات المتعلقة باعتذار شوقي ومدح الخديوي ووصف موكبه، لتصبح معانيها عامة للمسلمين ومناسبة لكل زمان.
في العام 1963 قامت أم كلثوم بتصوير القصيدة تصويرًا تليفزيونيًا من إخراج أحمد بدرخان.
رابعة العدوية عازفة الناي
بعد سبع سنوات، وفي العام 1958، قدمت أم كلثوم للإذاعة البرنامج الغنائي "رابعة العدوية عازفة الناي" الذي قدمت فيه سبع أغنيات صوفية كتبها الشاعر طاهر أبو فاشا، وشارك في وضع ألحانها ثلاثة ملحنين، وقامت بالبطولة التمثيلية فيها الفنانة سمحية أيوب.
وضع الموسيقار رياض السنباطي ثلاثة ألحان هي: "عرفت الهوى مذ عرفته هواك / وأغلقت قلبي عمن سواك" و"يا صحبة الراح" و"على عيني بكت عيني / على روحي جنت روحي".
ووضع الموسيقار محمد الموجي لحني "حانة الأقدار" و"الرضا والنور"، ومثلهما لحن الموسيقار كمال الطويل "لغيرك ما مددت يدًا" و"غريب على باب الرجاء"، والقصيدة الأخيرة استبعدت من البرنامج الغنائي "رابعة العدوية" وظلت حبيسة الأدراج لأربعة عقود وحتى بعد وفاة أم كلثوم، حتى أخرجتها إلى النور شركة "صوت القاهرة" في منتصف تسعينيات القرن العشرين.
في العام 1962 قدمت أم كلثوم الأغنية الإذاعية "التوبة" للشاعر عبد الفتاح مصطفى التي تقول كلماتها "تائب تجري دموعي ندمًا / يا قلبي من دموع الندم" من ألحان الموسيقار رياض السنباطي، وهي قصيدة دينية صوفية بديعة لم تأخذ حظها من الانتشار.
إذا الإيمان ضاع فلا أمان
في الرابع من مايو عام 1967، وقبل نشوب حرب يونيو بشهر واحد والمنطقة تعيش أجواء الحرب، قدم السنباطي لأم كلثوم القصيدة الصوفية الرائعة "حديث الروح" للشاعر الباكستاني محمد إقبال التي صاغها بالعربية الشيخ الصاوي شعلان عن قصيدة "شكوى" لإقبال، غنتها في ذلك اليوم لأول مرة في مسرح سينما قصر النيل، في تلك الليلة صعد إلى المسرح سجاد حيدر سفير الباكستان ليلقي كلمة بالعربية يحيي فيها السيدة أم كلثوم باسم شعب الباكستاني لغنائها قصيدة لشاعر باكستاني، قبل صعود السيدة أم كلثوم إلى المسرح كما أذيعت على الجمهور في المسرح القصيدة وأم كلثوم تلقيها دون موسيقى في مفاجأة سعيدة وسابقة تحدث للمرة الأولى والأخيرة، بعدها أقام السفير الباكستاني حفلة على شرف السيدة أم كلثوم في منزله في القاهرة حيث قلدها وسام نجمة الامتياز الباكستاني الذي منحه إياها الرئيس الباكستاني محمد أيوب خان تقديرًا لها بعد غنائها قصيدة الشاعر محمد إقبال.
في العام 1971 قدم رياض السنباطي آخر درتين في عقده الفريد مع أم كلثوم وهما "القلب يعشق" و"الثلاثية المقدسة".
غنت أم كلثوم "القلب يعشق كل جميل" لأول مرة في حفلها في مسرح سينما قصر النيل في الرابع من فبراير من ذلك العام الذي وافق ليلة عيد الأضحى المبارك عيد الحج إلى بيت الله الحرام، والأغنية تتحدث عن تجربة شاركها بيرم التونسي أثناء تأديته لفريضة الحج، والتي يقول فيها: "مكة وفيها جبال النور طلة على البيت المعمور / دخلنا باب السلام غمر قولنا السلام بعفو رب غفور / فوقنا حمام الحمى عدد نجوم السما / طالل علينا يطوف ألوف تتابع ألوف".
رافقتها في الغناء آلة المندولين التي عزف عليها عازف الجيتار عمر خورشيد، وكانت المرة الأولى التي تدخل فيها هذه الآلة فرقة أم كلثوم الموسيقية، قدم رياض هذا اللحن في إطار يختلف تمامًا عن كل أغانيه الدينية مع أم كلثوم، فقد صاغ الأغنية في قالب الطقطوقة الشعبية بمقدمة موسيقية راقصة فرحة، تختلف عن مقدماته السابقة التي تمتاز بالجلال والرهبة.
والمعروف أن السيدة أم كلثوم أدت فريضة العمرة أكثر من مرة، من بينها مرة بدعوة من الشاعر الأمير السعودي عبد الله الفيصل.
وخرج هذا العمل البديع الذي صاغه الشاعر بيرم التونسي بعد رحيله بعشرة أعوام، وكان بيرم كتبه لأم كلثوم عام 1946 ولحنه لها الشيخ زكريا أحمد لكنها طلبت منه أن يجري بعض التعديلات في اللحن فرفض وأعرضت عنه أم كلثوم، فسجله الشيخ زكريا بصوته لحساب إذاعة البي بي سي.
كانت قصيدة "الثلاثية المقدسة" هي مسك الختام بكل ما تعنيه الكلمة، أطلقتها على أسطوانات في شهر نوفمبر من عام 1971، هذه القصيدة التي صاغها الشاعر صالح جودت وتضمن ثلاث صور لثلاثة من أهم الأماكن المقدسة عند المسلمين بيت الله الحرام في مكة المكرمة ومسجد الرسول في المدينة المنورة والمسجد الأقصى في القدس.
في لحن هذه القصيدة البديعة نسمع تكبيرات الحجيج، وتعانق فيها صوت أذان الصلاة مع صوت أجراس الكنائس في مشهد المسجد الأقصى، وأم كلثوم تنشد "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع" في استعادة لمشهد استقبال أهل المدينة المنورة لموكب الرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة النبوية الشريفة.
سجلت أم كلثوم القصيدة في استديوهات الإذاعة وأعلنت أنها ستغنيها على المسرح وستستعين بشيوخ مجودين للقرآن الكريم ليشاركوها العمل على المسرح مع كورال الأطفال والكورس، لكن للأسف لم يحدث وظل لدينا فقط تسجيل العمل في نسخته التي سجلت في الاستديو.