الأربعاء 4 فبراير 2026

عرب وعالم

"بوليتيكو": العلاقات عبر الأطلسي تتوتر وأوروبا تدشن مسارًا نحو استقلالية أكبر عن أمريكا

  • 3-2-2026 | 14:26

الاتحاد الأوروبي

طباعة
  • دار الهلال

بدأت أوروبا تراجعًا بطيئًا لكنه متدرج عن اعتمادها الطويل على الولايات المتحدة، في مسعى استراتيجي يهدف إلى تقليل الارتباط بواشنطن في مجالات حيوية تشمل التكنولوجيا والطاقة وأنظمة المدفوعات والدفاع، وذلك على خلفية تدهور العلاقات عبر الأطلسي وتصاعد الشكوك بشأن مستقبل الشراكة مع الولايات المتحدة، ما دفع الحكومات والشركات الأوروبية إلى تسريع جهودها لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، رغم إدراكها أن هذا التحول سيستغرق سنوات.

وأوضحت صحيفة بوليتيكو الأوروبية - في سياق تقرير إخباري - إنه لعقود من الزمن، اعتمد الاتحاد الأوروبي على ضمانات حلف شمال الأطلسي لضمان الأمن في الكتلة، وعلى التكنولوجيا الأمريكية لدعم أعماله.. وكانت تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسيطرة على جرينلاند، والتعليقات العدوانية ضد أوروبا من قبل أعضاء إدارته، تعطي زخما جديدا لدعوة الزعماء الأوروبيين إلى "الاستقلال".

واستشهدت بقول المستشار الألماني فريدريش ميرز الأسبوع الماضي إنه: "إذا أردنا أن يأخذنا على محمل الجد مرة أخرى، فيتعين علينا أن نتعلم لغة سياسات القوة".

وفي هذا السياق، يحذر قادة الاتحاد الأوروبي من أن العلاقات عبر الأطلسي من غير المرجح أن تعود إلى وضعها السابق لما قبل عهد ترامب.

ويؤكد المسؤولون في الاتحاد الأوروبي أن مثل هذه التدابير ترقى إلى مستوى "إزالة المخاطر" من علاقة أوروبا بالولايات المتحدة، وليس "فصلها" ــ وهو المصطلح الذي يعني ضمناً قطيعة واضحة في العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية.. وحتى وقت قريب، كان التعبيران يُطبقان في الأساس على الجهود الأوروبية الرامية إلى تقليل الاعتماد على الصين .. أما الآن، فهم يبرزون فيما يتعلق بالولايات المتحدة، الشريك التجاري الرئيسي لأوروبا والراعي الأمني ​​لأوروبا.

وتظل الولايات المتحدة إلى حد بعيد أكبر شريك تجاري لأوروبا، وسوف يستغرق الأمر سنوات حتى يفطم الاتحاد نفسه عن الدعم التكنولوجي والعسكري الأمريكي، وفقًا لجان لوك ديمارتي، الذي كان مسؤولاً عن إدارة التجارة في المفوضية الأوروبية في عهد الرئيس السابق للهيئة، جان كلود يونكر.

وقال ديمارتي للصحيفة: "فيما يتعلق بالتجارة، فإنهم (الولايات المتحدة) يمثلون حصة كبيرة من صادراتنا ...لذا، هناك الكثير، لكنها ليست مسألة حياة أو موت."

وأدى الضغط من أجل التنويع بعيدًا عن الولايات المتحدة إلى إبرام بروكسل اتفاقيات تجارية مع كتلة ميركوسور التي تضم دول أمريكا اللاتينية والهند وإندونيسيا في الأشهر الأخيرة.. كما جددت المفوضية اتفاقها مع المكسيك، وأحيت المفاوضات المتوقفة مع أستراليا.

ومنذ خرجت القارة من رماد الحرب العالمية الثانية، اعتمدت أوروبا في أمنها على حلف شمال الأطلسي - الذي تساهم الولايات المتحدة بمعظم تمويله.. وفي عطلة نهاية الأسبوع في زغرب بكرواتيا، قال الزعماء الأوروبيون المحافظون، بمن فيهم ميرز، إن الوقت قد حان لكي يعزز الاتحاد بند الدفاع المشترك المحلي، والذي يلزم دول الاتحاد الأوروبي باتفاق للدفاع عن أي دولة في الاتحاد الأوروبي تتعرض لهجوم.

وعلى الرغم من وجودها منذ عام 2009، إلا أن بند الدفاع المشترك في المادة 42.7 في الاتحاد الأوروبي نادرا ما يُنظر إليه على أنه ضروري لأن المادة 5 من حلف شمال الأطلسي تخدم غرضا مماثلا.

ولكن الحكومات الأوروبية بدأت تشك فيما إذا كانت الولايات المتحدة سوف تهب حقاً لإنقاذ أوروبا.

وفي زغرب، تبنى الزعماء الدور الجديد الذي يلعبه الاتحاد الأوروبي باعتباره جهة فاعلة أمنية، حيث كلفوا زعيمين، لم يتم الكشف عن هويتهما بعد، بإعداد خطط سريعة لتحويل فقرة الاتحاد الأوروبي من مجرد كلمات إلى ضمانة أمنية صارمة.

وقال دبلوماسي رفيع المستوى في الاتحاد الأوروبي، للصحيفة طلب عدم الكشف عن هويته للحديث عن الاستعدادات السرية للقمة: "على مدى عقود، قالت بعض الدول: لدينا حلف شمال الأطلسي، فلماذا يجب أن يكون لدينا هياكل موازية؟". وبعد تهديد ترامب بشأن جرينلاند، "أصبحنا نواجه ضرورة إنشاء هياكل القيادة العسكرية داخل الاتحاد الأوروبي".

وفي تعليقاته أمام المشرعين في الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي، قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته إن أي شخص يعتقد أن أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها دون الولايات المتحدة يجب أن "يستمر في الحلم".

لا تزال أوروبا تعتمد بشكل كبير على القدرات العسكرية الأمريكية، لا سيما في دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.. لكن بعض الأوروبيين يتحدثون الآن علنًا عن ثمن تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، ويقولون إنه أمر يمكن تحمّله.

ويتجلى هذا التحول في المزاج العام بوضوح في مجال التكنولوجيا، حيث لطالما أثار اعتماد أوروبا على منصات مثل X وMeta وGoogle قلق ناخبي الاتحاد الأوروبي، كما يتضح من الدعم الواسع لتشريعات الاتحاد المتعلقة بالتكنولوجيا.

وتعتزم حكومة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حظر استخدام المسؤولين لأدوات مؤتمرات الفيديو الأمريكية.. وتدرس دول أخرى، مثل ألمانيا، اتخاذ خطوات مماثلة.

وقالت هينا فيركونين، مسؤولة التكنولوجيا في الاتحاد الأوروبي، في مؤتمر لـ بوليتيكو الأسبوع الماضي: "من الواضح جدًا أن أوروبا تمر بمرحلة استقلالها.. خلال العام الماضي، أدرك الجميع مدى أهمية عدم اعتمادنا على دولة واحدة أو شركة واحدة فيما يتعلق ببعض التقنيات الحيوية للغاية".

كما أفاد متحدث حكومي لـ بوليتيكو أن فرنسا تتجه نحو حظر استخدام المسؤولين الحكوميين للمنصات الأمريكية، بما في ذلك جوجل ميت، وزووم، وتيمز.. وسينتقل المسؤولون قريبًا إلى استخدام فيزيو، وهو برنامج لعقد مؤتمرات الفيديو يعمل على بنية تحتية توفرها شركة أوتسكيل الفرنسية.

وفي البرلمان الأوروبي، يحث النواب رئيسة البرلمان، روبرتا ميتسولا، على التخلي عن البرامج والأجهزة الأمريكية، بالإضافة إلى أداة حجز السفر الأمريكية.

وفي ألمانيا، يسعى السياسيون إلى إيجاد بديل ألماني أو أوروبي محتمل لبرنامج شركة بالانتير الأمريكية لتحليل البيانات. وصرح سيباستيان فيدلر، النائب عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي والخبير في شؤون الشرطة، لموقع بوليتيكو: "إن هذا الاعتماد على التقنيات الأساسية يمثل مشكلة كبيرة بطبيعة الحال".

وحتى في هولندا، التي تُعد من أكثر الدول الأوروبية ميلًا للولايات المتحدة، تتزايد الدعوات من النواب والناخبين لحماية التقنيات الحساسة من النفوذ الأمريكي كما يراجع المشرعون الهولنديون عريضة وقعها 140 ألف شخص، تطالب الدولة بمنع استحواذ شركة أمريكية على أداة للتحقق من الهوية الحكومية.

وحتى الآن، لم تُقنن بروكسل أيًا من هذه الخطوات في القانون. لكن من المتوقع أن تُرسل التشريعات القادمة بشأن خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي إشاراتٍ حول ضرورة إضفاء الطابع الأوروبي على عروض التكنولوجيا في الاتحاد.

وتُزود ​​الولايات المتحدة الاتحاد الأوروبي بأكثر من ربع احتياجاته من الغاز، وهي نسبة يُتوقع أن ترتفع مع دخول الحظر الكامل على الواردات الروسية حيز التنفيذ.

لكن مسؤولي الاتحاد الأوروبي يحذرون من خطر تزايد اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة في مجال آخر.. وصف مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، دان يورجنسن، تصريحات ترامب بشأن جرينلاند بأنها "جرس إنذار واضح" للاتحاد، مُظهرة أن الطاقة لم تعد بمعزل عن التوجهات الجيوسياسية.

وأكد يورجنسن أن أزمة جرينلاند عززت المخاوف من أن الاتحاد الأوروبي يُخاطر "باستبدال تبعية بأخرى"، مضيفًا أن بروكسل، نتيجةً لذلك، تُكثف جهودها لتنويع مصادر الطاقة، وتُعمق المحادثات مع موردين بديلين، من بينهم كندا وقطر ودول شمال أفريقية كالجزائر.

كما تخضع أنظمة الدفع للتدقيق، حيث يحذر المشرعون من الإفراط في الاعتماد على أنظمة الدفع الأمريكية مثل ماستركارد وفيزا.

ويهدف اليورو الرقمي، وهو نسخة رقمية من العملة النقدية التي يستعد البنك المركزي الأوروبي لإصدارها عام 2029، إلى تقليص هذه التبعيات وتوفير وسيلة دفع سيادية أوروبية موحدة فيما قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاجارد، العام الماضي: "مع اليورو الرقمي، سيظل الأوروبيون متحكمين بأموالهم وخياراتهم ومستقبلهم".

وفي ألمانيا، يُحذّر بعض السياسيين من وجود 1236 طنًا من احتياطيات الذهب التي تحتفظ بها ألمانيا لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.

وقالت ماري-أغنيس ستراك-زيمرمان، السياسية الألمانية من الحزب الديمقراطي الحر الليبرالي، ورئيسة لجنة الدفاع في البرلمان، في تصريحات صحفية: "في ظل تزايد حالة عدم اليقين العالمي، وفي ظل سياسة الرئيس ترامب الأمريكية غير المتوقعة، لم يعد من المقبول" الاحتفاظ بهذا القدر من احتياطيات الذهب في الولايات المتحدة.

وتضغط عدة دول أوروبية على الاتحاد الأوروبي لمنح الأولوية للمصنّعين الأوروبيين عند إنفاق الأموال العامة للاتحاد الأوروبي، وذلك من خلال بنود "الشراء الأوروبي".

وحتى قبل بضع سنوات، لم تكن دول مثل بولندا وهولندا ودول البلطيق لتوافق على مثل هذه البنود. ولكن حتى هذه الدول تدعم الآن الدعوات لإعطاء الأولوية للمشتريات من الشركات الأوروبية.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة