الجمعة 13 فبراير 2026

تحقيقات

"نفحات خضراء" تُنبت الحياة في دسوق.. 2000 شجرة تعيد التوازن البيئي لمدينة الأولياء

  • 13-2-2026 | 11:33

أشجار

طباعة
  • دار الهلال

يحمل النسيم العابر لشوارع مدينة دسوق حكاية ممتدة بين الروح والطبيعة، حيث تتجاور المآذن العتيقة مع الحياة اليومية لسكان المدينة، ويتوافد إليها ملايين الزائرين سنويًا طلبًا للسكينة والبركة.

هذه المدينة التي ارتبط اسمها عبر قرون بالإرث الصوفي، تجد نفسها اليوم أمام واقع بيئي يفرض تحديات جديدة، في ظل تزايد الكثافة البشرية وتراجع المساحات الخضراء، وهو ما دفع إلى إطلاق مشروع «نفحات خضراء» الذي تنفذه مؤسسة أزرع شجرة للتنمية الاجتماعية بتمويل من الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، بهدف زراعة 2000 شجرة داخل المدينة، في خطوة تسعى إلى إعادة التوازن بين الامتداد العمراني والحاجة إلى بيئة صحية ومستدامة.

وتمثل دسوق واحدة من أبرز المدن ذات المكانة الدينية في مصر، إذ تحتضن مسجد وضريح العارف بالله سيدي إبراهيم الدسوقي، الذي يُعد مركزًا روحيًا مهمًا للمريدين ومحبي التصوف، حيث تستقبل المدينة ما يزيد على ثلاثة ملايين زائر سنويًا، بينهم نحو مليون زائر خلال أسبوع المولد وحده.

ويعود هذا الحضور الكبير إلى المكانة التي يحتلها سيدي إبراهيم الدسوقي، أحد كبار أعلام التصوف في العالم الإسلامي، والذي ولد في دسوق عام 1255 ميلاديًا، وعاش فيها حتى وفاته عام 1296 ميلاديًا، وأسهم في تأسيس الطريقة الدسوقية التي انتشرت في مصر وعدد من الدول الإسلامية، ليظل تأثيره الروحي حاضرًا في وجدان أتباعه حتى اليوم.

يفرض هذا الحضور البشري المكثف تحديات بيئية متزايدة، حيث يؤدي ارتفاع أعداد الزائرين إلى زيادة الضغوط على البنية البيئية للمدينة، بما في ذلك تراجع جودة الهواء وارتفاع درجات الحرارة في بعض المناطق الحيوية.

وفي هذا الإطار، يأتي مشروع «نفحات خضراء» كاستجابة عملية لهذه التحديات، من خلال التوسع في زراعة الأشجار باعتبارها أحد الحلول الطبيعية الفعالة لتحسين البيئة الحضرية، وتعزيز قدرة المدينة على التكيف مع التغيرات المناخية.

وأكد الدكتور عاطف أحمد، عضو الهيئة الاستشارية بمؤسسة أزرع شجرة للتنمية الاجتماعية، فى تصريح لوكالة انباء الشرق الاوسط ، أن المشروع يستهدف تحقيق تأثير بيئي مستدام يتجاوز البعد الجمالي، موضحًا أن زيادة الغطاء النباتي داخل المدن تسهم في تحسين جودة الهواء من خلال امتصاص الملوثات وتقليل نسبة الغازات الضارة، كما تساعد الأشجار في خفض درجات الحرارة وتوفير بيئة أكثر راحة للسكان والزائرين.

وأضاف أن اختيار مدينة دسوق لتنفيذ المشروع جاء إدراكًا لأهميتها الدينية وما تشهده من كثافة بشرية مرتفعة، الأمر الذي يجعل دعم البيئة الحضرية فيها ضرورة ملحة لضمان استدامة مواردها الطبيعية.

وأشار إلى أن التشجير يمثل أحد أهم الأدوات الطبيعية التي يمكن الاعتماد عليها في مواجهة التحديات البيئية، حيث تسهم الأشجار في تحسين التوازن البيئي، وتوفير الظل، وتقليل تأثير العوامل المناخية القاسية، فضلًا عن دورها في تحسين الصحة العامة للسكان، من خلال توفير بيئة أكثر نقاءً وصحة. وأوضح أن المشروع لا يقتصر على زراعة الأشجار فقط، بل يسعى أيضًا إلى ترسيخ ثقافة بيئية قائمة على الوعي والمشاركة المجتمعية، بما يسهم في ضمان استمرارية أثر المشروع على المدى الطويل.

من جانبه ، أوضح نبيل محروس، رئيس مجلس أمناء مؤسسة أزرع شجرة للتنمية الاجتماعية، أن المشروع يمثل جزءًا من رؤية أوسع تعمل المؤسسة على تنفيذها بهدف دعم الاستدامة البيئية في مختلف المحافظات.

وأضاف أن زيادة المساحات الخضراء تسهم في تحسين جودة الحياة داخل المدن، وتعزز من قدرتها على مواجهة التحديات البيئية المتزايدة. وأضاف أن تنفيذ المشروع في مدينة دسوق يحمل دلالة خاصة، نظرًا لمكانتها التاريخية والدينية، وهو ما يعزز من أهمية الحفاظ على بيئتها وتحسين المشهد الحضاري فيها.

وأكد أن المؤسسة تعمل على تنفيذ المشروع وفق رؤية متكاملة تراعي الأبعاد البيئية والمجتمعية، حيث يتم اختيار مواقع الزراعة بعناية لضمان تحقيق أقصى استفادة بيئية ممكنة، إلى جانب العمل على تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الأشجار والمساحات الخضراء، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تحقيق التنمية المستدامة.

وأوضح رئيس المؤسسة أن اسم «نفحات خضراء» في حد ذاته يعكس فلسفة المشروع، حيث يجمع بين البعد الروحي الذي يميز مدينة دسوق، والبعد البيئي الذي يسعى المشروع إلى تعزيزه، في إشارة إلى أن العناية بالبيئة تمثل امتدادًا للقيم الإنسانية والروحية التي تقوم على الحفاظ على الحياة واحترام الطبيعة. ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد لأهمية دمج البعد البيئي في خطط التنمية الحضرية، خاصة في المدن ذات الطابع التاريخي والديني.

ويعزز المشروع من قدرة المدينة على الحفاظ على توازنها البيئي، في ظل التحديات التي تفرضها التغيرات المناخية والتوسع العمراني، حيث تسهم زيادة الغطاء النباتي في تحسين جودة الهواء، وتقليل درجات الحرارة، وتوفير بيئة أكثر ملاءمة للحياة. كما يسهم المشروع في تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على البيئة، من خلال ربط مفهوم الاستدامة بحياة المواطنين اليومية.

ويمثل مشروع «نفحات خضراء» خطوة عملية نحو تعزيز الاستدامة البيئية داخل مدينة دسوق، بما يسهم في الحفاظ على مكانتها كمدينة تحمل إرثًا روحيًا وتاريخيًا مهمًا، وفي الوقت نفسه يدعم جهود تحسين البيئة الحضرية، بما يحقق التوازن بين متطلبات التنمية والحفاظ على الموارد الطبيعية، ويعزز من قدرة المدينة على مواجهة التحديات البيئية في المستقبل.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة