أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط أن جسامة الأزمات الراهنة لا ينبغي أن تكون ذريعة للحيد عن مسار التنمية المستدامة .
جاء ذلك في كلمة الأمين العام لجامعة الدول العربية خلال الاحتفال باليوم العربي للاستدامة لعام 2026.
وقال أبو الغيط إن يوم الاستدامة العربي يعتبر يوم تجديد الالتزام بالعمل المشترك الرامي إلى تحقيق التنمية المستدامة، باعتبارها الخيار الاستراتيجي الأمثل لصون الموارد، وتعزيز ازدهار المجتمعات، وضمان مستقبل آمن ومستدام للمنطقة العربية.
وأبرز أن يوم الاستدامة العربي ليس مناسبة رمزية فحسب، بل حجر زاوية لمراجعة سير العمل التنموي والخيارات المستقبلية، كما أن يوم الاستدامة العربي بمثابة نداء ودعوة للانتقال من منطق الاستجابة إلى منطق المبادرة، ومن إدارة التحديات إلى استباقها والتعامل معها من موقع المبادرة والفعل، و هو نداءٌ يذكرنا جميعاً بالعمل نحو فتح آفاق التميز، وإطلاق طاقات الإبداع، وتوطيد ثقافة عربية راسخة في التفكير الابتكاري وصناعة المستقبل .
وأضاف: "يحمل الاحتفاء بهذه المناسبة في عامنا الحالي وقعًا خاصًا بالنسبة لي، إذ يتزامن مع قرب انتهاء مدة ولايتي أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية مع نهاية شهر يونيو القادم، وهي مسيرة امتدت لعشر سنوات، تشرفت خلالها بخدمة منظومة العمل العربي المشترك، في مرحلة لم تخلُ من تحديات جسام وتعقيدات متداخلة فرضت نفسها على المنطقة العربية، وكان لها تأثيراتها من دون شك على جهود تحقيق التنمية المستدامة.
وتابع أبو الغيط: "وبرغم ما اكتنف تلك السنوات من صعوبات، فقد حرصت، بكل ما أُتيح لي من جهد وإمكان، على الإسهام في دفع مسارات العمل العربي الاقتصادي والاجتماعي والتنموي المشترك، من منظور يجعل من الاستدامة نهجًا، ومن الإنسان العربي محورًا وغاية، ومن الارتقاء بجودة الحياة هدفاً غالياً نعمل له، وندفع إليه، وننطلق منه في كل جهدنا وسعينا.
وأشار إلى أن الفترة الممتدة من 2016 إلى 2026 قد شكّلت مرحلة مفصلية في مسيرة العمل العربي المشترك في مجال الاستدامة، حيث أُطلقت خلالها مبادرات ومشروعات متعددة، أسهمت في ترسيخ مفهوم الاستدامة ودمجه تدريجيًا في السياسات والخطط، سواء على مستوى العمل العربي المشترك أو على المستوى الوطني في الدول الأعضاء، وهو جهدٌ تراكمي تشَاركَت في صناعته الإرادات العربية والمؤسسات المعنية على حد سواء.
واستطرد قائلا: "لا يزال تدهور الأوضاع الإنسانية يفرض نفسه بوصفه أحد أخطر التحديات الملحّة التي تواجه عددًا من الدول العربية، من أهوال المآسي الإنسانية المتواصلة في غزة، وما يرافقها من قتل وحصار حتى يومنا هذا وبرغم وقف إطلاق النار إلى ويلات الحرب في السودان وما خلّفته من انقطاع ملايين الأطفال عن التعليم لسنوات... فضلًا عن الأزمات المركّبة والممتدة لسنوات عديدة في اليمن والصومال. وهي أزمات لا تختصر معاناة الحاضر فحسب، بل تُنذر بتقويض مستقبل أجيال كاملة فقدت فرصتها في العيش الطبيعي، وحقها في التكوين والتعليم والرعاية.
وذكر أنه ومع ذلك، فإن جسامة الأزمات لا ينبغي أن تكون ذريعة للحيد عن مسار التنمية المستدامة؛ فالتعليم لا يجب أن يتوقف، والمياه لا ينبغي أن تُقطع، والرعاية الصحية لا يمكن أن تُغيَّب، فالتنمية في زمن الأزمات ليست ترفًا مؤجلًا، بل شرطٌ للبقاء، وأساسٌ لبناء السلام واستعادة الاستقرار.
واستعرض تجارب رائعة وبطولية لاستئناف التعليم في غزة تحت الحصار والضرب، وبأبسط الإمكانيات وأضعف القدرات.
وقال إنه من هذا المنطلق، فإن التصدي للأزمات الإنسانية، والتخفيف من وطأتها على الإنسان العربي، يجب أن يتصدر أولويات العمل الاجتماعي والتنموي في مرحلتنا الراهنة، وأن يشكّل مبدأً حاكمًا لجهود التخطيط، وصياغة السياسات، وتنفيذ البرامج التنموية على امتداد عالمنا العربي.
ودعا أبو الغيط الجميع إلى الإسهام في تفعيل تطبيق "الرؤية العربية 2045" التي أقرتها الدورة الخامسة من القمة العربية التنموية التي عقدت في بغداد في العام الماضي، بمحاورها الستة الرئيسية وهي: الأمن والأمان، العدل والعدالة، الابتكار والإبداع، الازدهار والتنمية المتوازنة، التنوع والحيوية، التجدد الثقافي والحضاري... باعتبارها رؤية تستشرف التحديات وتحولها إلى فرص، وتؤسس لمسار تنموي يضمن للأجيال القادمة الاستقرار والازدهار.
وأوصى بالاهتمان بالشباب العربي؛ فهم ليسوا فقط عماد المستقبل، بل شركاء الحاضر وصنّاع التغيير، ودورهم مركزي ولا غنى عنه في تحقيق التنمية المستدامة.
كما أوصى بالتمسك بأواصر التعاون والتكامل العربي بكل سبيل ممكن، فالتعاون قوة لا تُقاس بثمن، والزخم الذي نصنعه معًا هو السبيل لتجاوز الأزمات، وترسيخ الاستدامة، وصناعة مستقبلٍ عربيٍّ أكثر ازدهارًا واستقرارًا.