شهدت منظومة الحماية الاجتماعية في مصر خلال العقد الأخير تحولات هيكلية عميقة، انتقلت بها من نموذج الدعم العيني واسع النطاق إلى آليات أكثر كفاءة تعتمد على الاستهداف الذكي والتحويلات النقدية المباشرة، في محاولة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين وتقليل الهدر المالي، بالتزامن مع تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي.
وفي هذا السياق، كشف رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي تفاصيل حزمة الحماية الاجتماعية الجديدة التي وجّه بها الرئيس عبدالفتاح السيسي، مؤكدًا بدء تطبيقها فورًا وحتى نهاية العام المالي في 30 يونيو 2026، بتكلفة إجمالية تتجاوز 40 مليار جنيه، كمخصص إضافي لدعم الأسر الأكثر احتياجًا وتخفيف الأعباء المعيشية.
وأكد مدبولي أن هذه الحزمة تمثل ترجمة مباشرة لثمار الإصلاح الاقتصادي لصالح المواطنين، خاصة محدودي ومتوسطي الدخل.
كيف تطورت كفاءة وعدالة توزيع الدعم؟
ومن جانبه أكد الدكتور محمد أنيس، الخبير الاقتصادي، أن برامج الدعم والحماية الاجتماعية في مصر شهدت تحولًا نوعيًا وجذريًا خلال السنوات الماضية، موضحًا أن الدولة انتقلت من نموذج الدعم العيني الشامل الذي كان يقدم السلع والخدمات بأسعار مدعومة لجميع المواطنين دون تمييز، إلى نموذج أكثر كفاءة يعتمد على الدعم النقدي الموجه للفئات الأكثر احتياجًا فقط.
وأضاف خلال حديثة لبوابة "دار الهلال"، أن النظام السابق كان يسمح باستفادة شرائح غير مستحقة من الدعم، سواء في المحروقات أو الكهرباء أو السلع التموينية، وهو ما تسبب في هدر جزء كبير من موارد الدولة، فضلًا عن ضعف جودة الخدمات نتيجة نقص الاستثمارات في الصيانة والتطوير.
وأوضح أنيس أن هذا النمط من الدعم كان يعاني من ثلاث مشكلات رئيسية، أولها تسعير الخدمات بأقل من تكلفتها الحقيقية بما يضغط على الموازنة العامة، وثانيها استفادة الجميع دون تمييز بين الغني والفقير، وثالثها تدهور كفاءة البنية التحتية والشبكات الخدمية بسبب غياب الموارد اللازمة للتطوير.
وتابع أن التحول إلى الدعم النقدي، خاصة من خلال برنامج تكافل وكرامة، مثّل نقلة كبيرة في فلسفة الحماية الاجتماعية، حيث يتم توجيه المخصصات مباشرة إلى الأسر الأولى بالرعاية مثل الأرامل والمطلقات وكبار السن والأيتام والأسر محدودة الدخل، بما يضمن عدالة أكبر في توزيع الموارد.
وأشار إلى أن البرامج النقدية الحالية لا تقتصر على تقديم إعانات مالية فقط، بل ترتبط بشروط تعليمية وصحية، مثل انتظام الأبناء في الدراسة وإجراء المتابعات الطبية الدورية، وهو ما يحول الدعم من مجرد مساعدة استهلاكية إلى استثمار طويل الأجل في بناء الإنسان، بما يساهم مستقبلاً في تحويل المستفيدين إلى عناصر منتجة تقلل اعتمادهم على الدعم الحكومي.
كما لفت إلى التطور الملحوظ في برامج الرعاية الصحية والعلاج على نفقة الدولة، مؤكدًا أن الإجراءات أصبحت أكثر شفافية وسرعة، مع تقليل المعوقات المالية والبيروقراطية، بما يعزز ثقة المواطنين في خدمات الدولة.

«تكافل وكرامة».. من دعم استهلاكي إلى استثمار بشري
فيما قال الدكتور عز الدين حسانين، الخبير الاقتصادي، إن منظومة الحماية الاجتماعية في مصر ما بين عامي 2014 و2025 شهدت تحولات هيكلية غير مسبوقة، حيث انتقلت الدولة من سياسة “تسكين الألم” التي تعتمد على تقديم دعم واسع وغير منضبط، إلى سياسة “الاستهداف الذكي” التي تركز على الفئات الأكثر احتياجًا وتربط الدعم بشروط تنموية واضحة.
وأوضح خلال حديثة لبوابة "دار الهلال"، أن صورة المنظومة في عام 2014 كانت أقرب إلى “شبكة متهالكة”، إذ كانت مخصصات دعم الوقود والطاقة تستحوذ على النصيب الأكبر من الموازنة العامة، بينما لم تصل الاستفادة الحقيقية إلى الفقراء.
وأضاف أن مخصصات معاش الضمان الاجتماعي وبرامج المساعدات النقدية في ذلك الوقت لم تكن تتجاوز 11 مليار جنيه، في مقابل نحو 126 مليار جنيه لدعم المواد البترولية، وهو دعم كان يستفيد منه في الغالب أصحاب السيارات الخاصة والمصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة، بينما ظلت الفئات الأكثر احتياجًا خارج دائرة الاستفادة الكاملة.
وأكد أن هذا الوضع تغير بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت مخصصات برنامج تكافل وكرامة إلى نحو 41 مليار جنيه، كما زاد دعم السلع التموينية إلى 134 مليار جنيه، مع توسيع قاعدة المستفيدين لتشمل الشرائح الأكثر هشاشة في المجتمع.
وتابع أن عدد الأسر المستفيدة من الدعم النقدي ارتفع من نحو 1.5 مليون أسرة إلى أكثر من 5 ملايين أسرة، بما يغطي قرابة 20 إلى 22 مليون مواطن، وهو ما يعكس توسعًا كبيرًا في شبكة الأمان الاجتماعي.
وأشار إلى أن أحد أهم التحولات يتمثل في “المشروطية”، حيث أصبح الحصول على الدعم مرتبطًا بنسبة حضور دراسي لا تقل عن 80% للأطفال، بالإضافة إلى المتابعة الصحية للأمهات والأبناء، وهو ما يعزز جودة الحياة ويضمن تحقيق أثر تنموي حقيقي، مشددا على أن التحدي الأكبر حاليًا يتمثل في تأثير التضخم على القوة الشرائية.
وأكد أن المنظومة نجحت في حماية الأسر من الفقر المدقع، لكنها تحتاج إلى مزيد من برامج التمكين الاقتصادي لتحويل المستفيدين إلى قوى إنتاجية.

هل نجح الدعم النقدي في تقليل الفقر فعليًا؟
بدوره، أوضح الدكتور سامح هلال، الخبير الاقتصادي، أن برنامج تكافل وكرامة الذي أطلق في عام 2015 بدعم من البنك الدولي أصبح حجر الزاوية في منظومة الحماية الاجتماعية المصرية، حيث استهدف حماية الأسر الأشد فقرًا من تداعيات الإصلاحات الاقتصادية وتحرير سعر الصرف.
وأضاف خلال حديثة لبوابة "دار الهلال"، أن البرنامج شهد توسعًا كبيرًا خلال العقد الأخير، إذ تضاعف عدد المستفيدين من نحو 1.7 مليون أسرة إلى ما يقرب من 4.7 مليون أسرة، مع التركيز بشكل خاص على تمكين المرأة، حيث تمثل النساء نحو 75% من إجمالي المستفيدين.
وأشار هلال إلى أن الدولة نجحت في إنشاء سجل اجتماعي موحد ونظام رقمي متكامل يجمع بيانات دقيقة عن الأسر، وهو ما ساهم في تقليل تسرب الدعم لغير المستحقين وتحسين كفاءة الاستهداف، كما تم تدشين آليات للرقابة والمساءلة ولجان لتلقي التظلمات، إضافة إلى ربط البرنامج بخدمات الصحة والتعليم والإسكان لتقديم حزمة متكاملة من الرعاية.
ولفت إلى أن الدراسات والتقييمات الحديثة أظهرت نتائج إيجابية ملموسة، حيث ساهم البرنامج في خفض احتمالية سقوط الأسر تحت خط الفقر بنسبة 12%، وزيادة الاستهلاك الغذائي الشهري للفرد بنسبة تتراوح بين 8.3% و8.9%، فضلًا عن تحسن واضح في معدلات الالتحاق بالتعليم، خاصة في المرحلتين الابتدائية والثانوية.
وأكد أن هناك تحديات ما زالت قائمة، من بينها فجوات التغطية الجغرافية وعدم كفاية قيمة التحويلات النقدية مقارنة بارتفاع الأسعار، داعيًا إلى مراجعة دورية لقيمة الدعم وربطه بمؤشرات التضخم، وتوسيع التغطية للفئات الأشد فقرًا، مع دمج برامج الدعم النقدي ببرامج التمكين الاقتصادي والتدريب والتشغيل، لضمان تحقيق أثر مستدام يخرج الأسر من دائرة الاحتياج بشكل دائم.

تفاصيل حزمة الحماية الاجتماعية الجديدة
تضمنت الحزمة مجموعة من الإجراءات النقدية والخدمية، أبرزها:
- 400 جنيه مساندة نقدية إضافية لـ10 ملايين أسرة على البطاقات التموينية خلال مارس وأبريل 2026 بتكلفة 8 مليارات جنيه.
- 400 جنيه إضافية لـ5.2 مليون أسرة ضمن برنامج تكافل وكرامة خلال رمضان والعيد بتكلفة 4 مليارات جنيه.
- 300 جنيه إضافية لـ45 ألف مستفيد من معاش الطفل والرائدات الريفيات.
- 3 مليارات جنيه لإنهاء قوائم انتظار المرضى والحالات الحرجة.
- 3 مليارات جنيه لزيادة مخصصات العلاج على نفقة الدولة.
- 3.3 مليار جنيه لتطبيق التأمين الصحي الشامل بمحافظة المنيا مع تحمل الدولة اشتراكات غير القادرين.
- 15 مليار جنيه للإسراع بإنهاء المرحلة الأولى من مشروع «حياة كريمة».
- تبكير صرف مرتبات فبراير ومارس، مع إدراج زيادات «غير اعتيادية» للأجور والمعاشات في الموازنة الجديدة.