تكثف الدولة المصرية جهودها الدبلوماسية في الوقت الراهن للحيلولة دون الانزلاق إلى سيناريوهات كارثية في الشرق الأوسط، وذلك في أعقاب الانفجار العسكري الذي شهدته المنطقة بعد أسابيع من التوتر المتصاعد.
ويرى خبراء أن التحرك المصري يهدف بشكل أساسي إلى منع إطالة أمد الصراع، لما له من تداعيات مدمرة قد تتجاوز حدود الإقليم.
وبحسب الخبراء، تبذل القاهرة جهوداً مضنية لفتح ثغرة في جدار الأزمة والعودة بالخلافات إلى طاولة المفاوضات، وذلك من خلال التواصل المباشر والمكثف مع كافة الأطراف الدولية والجهات المعنية، في محاولة لنزع فتيل مواجهة شاملة بدأت تلوح في الأفق بشكل غير مسبوق.
يأتي هذا الاستنفار الدبلوماسي بعد أن بدأت إسرائيل والولايات المتحدة، صباح أمس السبت، تنفيذ ضربات عسكرية واسعة ضد أهداف في العمق الإيراني تحت مسمى عملية «زئير الأسد».
وفي رد فعل فوري، أطلقت طهران عملية «الوعد الصادق 4»، والتي استهدفت من خلالها قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة ومواقع داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما أدخل المنطقة في دوامة من الردود المتبادلة.
وفي ظل مساعي إسرائيلية أمريكية علنية لإسقاط النظام الإيراني، لا سيما بعد مقتل رأس السلطة المرشد علي خامنئي، باتت كافة الاحتمالات مطروحة أمام القيادة الإيرانية، مما يرفع من وتيرة المخاطر الإقليمية ويجعل من التدخل المصري ضرورة قصوى لتجنيب المنطقة تداعيات كارثية قبل فوات الأوان.
«استراتيجية خروج»
وفي غضون ذلك، قال السفير رؤوف سعد، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن مصر تتابع عن كثب التطورات الراهنة في الشرق الأوسط، مشدداً على خطورة اشتعال الوضع الإقليمي وتأثيره على كافة الدول في المنطقة.
وأضاف سعد، في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، أن هناك أجندات متباينة لدى الأطراف المعنية؛ فالجانب الأمريكي والإسرائيلي يسعى لتحقيق أهداف معينة، فيما تمتلك إيران أجندتها الخاصة، مؤكداً أن آثار هذه التحركات لن تقتصر على الأطراف المباشرة، بل ستشمل الجميع، خاصة بعد الأحداث الأخيرة مثل مقتل المرشد الإيراني، ما يعكس وجود نية لتغيير النظام من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما تأكد عبر الإجراءات الميدانية والبيانات الرسمية.
وأشار السفير سعد إلى أن القاهرة تعمل بكل السبل لإعادة الأطراف إلى مائدة المفاوضات، انطلاقاً من إيمانها بأن استقرار المنطقة هو أساس التنمية في جميع الدول، بما فيها مصر.
وأوضح أن أي تصعيد مسلح قد يؤدي إلى تعطيل خطوط الملاحة الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، وهو ما يهدد الاقتصاد المصري وجهود التنمية.
وأكد أن مصر، لكونها دولة غير طرف مباشر في النزاع، تتمتع بحصانة سياسية ودبلوماسية تؤهلها للعب دور الوسيط.
وأضاف: «جهودنا تتركز على محورين: الدعوة للعودة إلى المفاوضات والدعم السياسي للدول العربية المتضررة، مع الحفاظ على قنوات التشاور مع إيران ولو بشكل غير معلن».
وأكد أن المشاورات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية المتأثرة بتهديد الملاحة البحرية تمثل جزءاً من الاستراتيجية المصرية لإعادة الوضع إلى نقطة الاستقرار، والبحث عن «استراتيجية خروج» من هذا المأزق، لأن أي عدوان لا بد أن يصل إلى نهايته.
ولفت السفير سعد إلى أن الوصول لنهاية سلمية يتطلب مرونة من كافة الأطراف، مشيراً إلى أن إيران مطالبة بالمرونة، ويجب على الولايات المتحدة وإسرائيل أيضاً إظهار قدر من التنازل يتماشى مع معطيات الوقت. وأوضح أن الضربات الأخيرة بينت قدرة إيران على الإضرار بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية، ما يدفع في النهاية جميع الأطراف للعودة إلى لغة العقل.
مصر تحرك كل المسارات
ومن جهته، أكد الدكتور أحمد العناني، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية وخبير العلاقات الدولية، أن مصر تتخذ موقفاً ثابتاً في دعم الدول الشقيقة، حيث إن تحركات الرئيس عبد الفتاح السيسي واتصالاته بكافة الأطراف الخارجية جاءت لتأكيد الموقف المصري الداعم بلا تردد للأمن القومي العربي، ولا سيما دول الخليج التي تعرضت للقصف.
وقال العناني، في تصريح لـ«دار الهلال»، إن مصر تتحرك حالياً على كافة المسارات؛ هناك اتصالات مع القادة وتنسيق دولي مكثف لفرض وقف إطلاق النار وإنهاء العمليات العسكرية.
وأوضح أن السبب في ذلك هو أن استمرار هذا الصراع سيؤدي إلى نتائج كارثية، ليس فقط على المنطقة، بل على الاتحاد الأوروبي وجنوب شرق آسيا؛ فمضيق هرمز حالياً مغلق، وأسعار النفط في تصاعد، والمتضرر الأكبر هي الدول التي تعتمد على النفط الخليجي والإيراني مثل الصين ودول «آسيان» ودول أوروبا.
وفي ظل سيناريوهات أكثر كارثية ستحدث إذا تدخلت الجماعات المسلحة الموالية لإيران، لا سيما «أنصار الله» في اليمن، حيث سيعاودون التصعيد عند مضيق باب المندب، يحذر العناني من أن هناك شلل اقتصادي سيصيب أطرافاً متعددة، لذا نجد تنسيقاً مصرياً عالي المستوى مع الشركاء الدوليين لاستخدام المسار السياسي والدبلوماسي كبديل للحرب.
وتابع أن «مصر تؤكد دائماً أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، ودعمها هنا سياسي ودبلوماسي بامتياز».
وفي ما يخص إيران، يوضح أن هناك تأكيداً مصرياً على ضرورة العودة للامتثال للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإنهاء ملف السلاح النووي في المنطقة بأكملها لضمان استقرار دائم.
وفي الإطار نفسه، قال إن مصر تتعامل بيقظة تامة؛ فهي تؤمن نفسها عسكرياً وأمنياً بشكل ممتاز، وفي الوقت ذاته تضغط سياسياً لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة.
وأضاف أن «مصر تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه والحفاظ على استقرار المنطقة، والاتصالات الرئاسية هي ضمانة لهذا التضامن».
ونوه إلى أن إيران حالياً، وبعد فقدان قيادات الصف الأول وضرب برنامجها النووي، قد تتجه نحو التصعيد لأنه لم يعد لديها ما تخسره، ومن هنا تبرز أهمية الدور المصري في محاولة «تبريد» الأزمة واحتوائها.