لا تنتهي آثار الطفولة عند حدود السنوات الأولى من العمر، بل تمتد خيوطها الخفية لتنسج ملامح الشخصية في مراحل لاحقة، وبين ذكريات سعيدة وأخرى مؤلمة، قد تحمل بعض الفتيات جراحًا نفسية صامتة تكبر معهن، وتنعكس على علاقاتهن وثقتهن بأنفسهن وطريقة تعاملهن مع الضغوطـ فإلى أي مدى يمكن أن تؤثر صدمات الطفولة على صحة المرأة النفسية في الكبر؟ وهل تتحول هذه الصدمات إلى اضطرابات نفسية معقدة؟
ومن جهته يقول الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، في تصريح خاص لبوابة "دار الهلال"، أن صدمات الطفولة تعد من أخطر الخبرات النفسية التي قد تلازم الإنسان طوال حياته، حتى وإن بدا ظاهريًا أنه تجاوزها، لانها تخزن في اللاشعور، وتظل كامنة لسنوات، ثم تظهر في صورة سلوكيات أو انفعالات لا يفهم الشخص سببها، فيجد نفسه يتصرف بطريقة لا تشبهه، أو يدخل في مشكلات متكررة دون إدراك الجذور الحقيقية لها.

واضاف استشاري الطب النفسي، أن تأثير صدمات الطفولة لا يعني بالضرورة الإصابة بمرض نفسي، فهناك من يستطيع التعايش معها بصورة طبيعية، طالما لم تؤثر في قدرته على العمل أو العلاقات أو أداء دوره اليومي. لكن مع ظهور اضطرابات واضحة، أو شعور الشخص بأن حياته بدأت تتعثر، أو أنه يؤذي نفسه أو الآخرين دون سيطرة، تصبح زيارة الطبيب النفسي ضرورة لا رفاهية.
وأشار عن الفروق الجوهرية بين بعض الاضطرابات التي يختلط فهمها على الجمهور، والتي قد تكون في بعض الأحيان ناتجة عن صدمات الطفولة ومنها اضطراب الهوية، والاضطرابات الانفصالية، والفصام.
فاضطراب الهوية قد يرتبط بضغوط نفسية شديدة، خاصة لدى بعض الشخصيات ذات السمات العصبية أو الهستيرية، التي تميل إلى الهروب من الضغوط بدل مواجهتها، وعند التعرض لصدمة أو ضغط يفوق قدرتها على التحمل، قد يظهر ما يعرف بالاضطراب الهستيري التحولي، حيث تتحول الضغوط النفسية إلى أعراض جسدية مؤقتة، مثل شلل مؤقت في أحد الأطراف، أو عمى مؤقت، أو فقدان القدرة على الكلام، أو صمم مؤقت، بل قد تصل إلى ما يسمى بالغيبوبة الهستيرية أو الغيبوبة النفسية، وجميعها أعراض لا تعود إلى سبب عضوي، وإنما إلى عجز النفس عن التعامل مع الضغط.
أما الاضطراب الانشقاقي الانفصالي، فيظهر أيضًا نتيجة ضغوط نفسية حادة، لكنه يتجلى في صورة فقدان للذاكرة أو شعور الشخص بأنه لا يعرف نفسه، وقد يعيش بشخصية أخرى لفترة معينة، ومعظم الحالات الواقعية كانت في الغالب تتعلق بوجود شخصية أساسية وأخرى بديلة، وليس تعددًا دراميًا للشخصيات كما يصور أحيانًا، وغالبًا ما يكون هذا الاضطراب مصحوبًا بمشكلات أسرية أو مهنية، ويستجيب بشكل جيد للعلاج النفسي، ويعود المريض إلى حالته الطبيعية بصورة كاملة في أغلب الحالات.
وأكد على أن الفصام يختلف تمامًا عن الاضطرابات السابقة، فهو مرض عقلي ذو أساس جيني وراثي، يتميز باضطرابات في التفكير والإدراك، ووجود ضلالات، أي أفكار خاطئة راسخة، إلى جانب هلاوس سمعية أو بصرية أو حسية أو شمية، وكان يقسم سابقًا إلى عدة أنواع مثل الفصام البسيط، والتشككي، والكتاتوني، إلا أن الاتجاهات الحديثة في علم النفس تميل إلى اعتباره تشخيصًا واحدًا تحت مسمى الفصام، وغالبًا ما يظهر في المرحلة العمرية بين 15 و25 عامًا، وإن كان من الممكن أن يظهر قبل ذلك أو بعده.
واختتم حديثه مؤكدا على أن المعيار الفاصل بين الحالة الطبيعية والحاجة إلى تدخل طبي هو مدى تأثير الأعراض في حياة الإنسان اليومية، فإذا فقد القدرة على التوازن أو تعطلت علاقاته أو تكررت مشكلاته دون تفسير واضح، فهنا يصبح طلب المساعدة المتخصصة خطوة أساسية نحو التعافي.