في عالم الحكايات التي تنطق بالحكمة والعبرة، يظل كتاب «كليلة ودمنة» من أروع المصادر الأدبية التي جمعت بين المتعة والفائدة، مستخدمًا أسلوب الحكايات على ألسنة الحيوانات لإيصال دروس أخلاقية خالدة.
هذا الكتاب الذي ترجم إلى العربية على يد عبد الله بن المقفع في العصر العباسي، استلهم في أصله من التراث الهندي، وقدّم للعالم مجموعة قصصية غنية بالحِكم الإنسانية.
تُقدّم بوابة «دار الهلال» خلال شهر رمضان لعام 1447 هـ سلسلة يومية من حكايات «كليلة ودمنة»، لتأخذ القراء في رحلة ممتعة بين الحكمة والخيال.
ونلتقي اليوم مع قصة «في التأني السلامة وفي العجلة الندامة».
تدور القصة حول حمامتين، ذكر وأنثى، شكلا عشًا من الحنطة والشعير. قال الذكر للأنثى: «إذا وجدنا في الصحارى ما نعيش به، فلن نأكل شيئًا من عشنا. وإذا جاء الشتاء ولم نجد شيئًا في الصحارى، نعود إلى ما في العش فأكله». وافقت الأنثى على ذلك وقالت: «نعم، ما رأيت».
كان الحب بينهما نديًا حين وضعاه في العش، فانطلق الذكر في رحلته. وعندما عاد بعد الصيف، وجد الحب قد يبس وانقص. فقال للأنثى: «ألم نتفق ألا نأكل منه؟ فلماذا أكلته؟»
حلفت الأنثى أنها لم تأكله واعتذرت، لكنه لم يصدقها، وانهال عليها بالنقر حتى فارقت الحياة. وعندما جاءت الأمطار في الشتاء، عاد الحب ليمتلئ كما كان. حين رأى الذكر ذلك، شعر بالندم العميق.
اضطجع إلى جانب حمامته وقال: «ما ينفعني الحب والعيش بعدك، إذا فقدتك ولم أستطع تدارك ما فات». وظل في حزنه، ممتنعًا عن الطعام والشراب حتى مات إلى جانبها.
تعلّم العاقل من هذه القصة أن لا يعجل في العقاب، ولا سيما إذا كان هناك مجال للندم، كما ندم الحمام الذكر.