أثار مسلسل "حكاية نرجس"، حالة من الجدل الواسع حول طبيعة السلوك الإجرامي، وهل هو نابع من تكوين داخلي لدى الإنسان، أم نتيجة مباشرة لضغوط المجتمع القاسية، خاصة حين يتعلق الأمر بالمرأة وقضايا حساسة مثل عدم الإنجاب.
ومن جهته، يقول الدكتور أشرف فرج أحمد، أستاذ علم الاجتماع المتفرغ بكلية الآداب جامعة بنها، في تصريح خاص لبوابة "دار الهلال"، إن الحكم على شخصية مثل "نرجس" لا يمكن أن يكون أحاديًا أو مبسطًا، موضحًا أن السلوك الإجرامي غالبًا ما يكون نتاج تفاعل معقد بين الاستعداد النفسي للفرد والضغوط الاجتماعية المحيطة به.
وأضاف أستاذ علم الاجتماع، أن هناك اعتقادًا شائعًا يربط بين الفقر والجريمة، إلا أن الواقع يثبت عكس ذلك، فالسلوك الإجرامي لا يرتبط بطبقة اجتماعية بعينها، إذ قد نجد مجرمين في طبقات ثرية، يقابلهم أشخاص بسطاء يتمتعون بأعلى درجات الأمانة، وهو ما يؤكد أن المسألة لا تتعلق بالظروف وحدها، بل بوجود استعداد نفسي قد يتأثر ويظهر تحت وطأة الضغوط.
وأشار إلى أن شخصية "نرجس" في العمل الدرامي تعاني من أزمات نفسية مبكرة، أبرزها حرمانها من الإنجاب، وهي أزمة تمثل ضغطًا كبيرًا على كثير من النساء في المجتمع، خاصة في البيئات التي تربط قيمة المرأة بدورها كأم، حتى إن بعض النساء يعرفن بأسماء أبنائهن بمجرد الإنجاب في المجتمعات الريفية والقبلية، ما يجعل تجربة الحرمان من الأمومة شديدة القسوة نفسيًا.
وأكد، أن ردود أفعال النساء تجاه هذه الأزمة تختلف من شخصية لأخرى، وفقًا لعوامل متعددة، منها المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، إضافة إلى طبيعة الدعم الذي تتلقاه المرأة من محيطها، ولكن هذه الضغوط، رغم قسوتها، لا يمكن أن تكون مبررًا للسلوك الإجرامي.
واستطرد قائلاً، أن ما يميز المسلسل هو اقترابه من الواقع، وابتعاده عن الصورة النمطية للحياة المترفة، حيث قدم نماذج قريبة من المجتمع الحقيقي، بكل ما يحمله من تعقيدات وتناقضات، كما لفت إلى أن العمل أظهر بوضوح دور الأسرة، خاصة الأم، في تشكيل سلوك الأبناء، مشيرًا إلى أن بعض أنماط التربية التي تركز على الماديات أو المقارنات الاجتماعية قد تسهم بشكل غير مباشر في خلق اضطرابات نفسية، كما أن الضغوط الاجتماعية قد تعمل على تفجير الاستعدادات الكامنة لدى الأفراد، سواء كانت مرضية أو إجرامية، وهذه الاستعدادات لا تعني حتمية السقوط في الجريمة، لكنها تزيد من احتمالية الانحراف إذا توافرت الظروف المحفزة.
واختتم حديثه مؤكداً، على أن السلوك الإجرامي هو محصلة تفاعل عدة عوامل متداخلة، يصعب فصلها أو تحديد وزن كل منها بدقة، ما يستدعي فهمًا أعمق للشخصية والبيئة المحيطة بها، بدلًا من إصدار أحكام سريعة أو اختزال المشكلة في سبب واحد فقط.