في تقاطع حاد بين قسوة الحرب ورقّة الروح، تتحول الكاميرا من أداة للتوثيق إلى بطلٍ يواجه المصير، وتغدو ذاكرة المصور وطنا بديلا لكل أولئك المهمشين والمنفيين الذين سقطوا من حسابات الزمن.
تأتي رواية «العلبة.. يحيى الذي رأى» للكاتبة شادن دياب، لتقدم لنا سردا باذخا واحترافية عالية، مستعرضةً مصائر الشخصيات العالقة في مهب النزاع، ببراعة لافتة، توظف الكاتبة عدسة "يحيى" لترصد تفاصيل دقيقة، لم يسبق أن رُصدت، محولةً الصورة إلى شهادة حية، والكلمة إلى وطن لا يغيب.
تتمحور الرواية حول شخصية يحيى؛ ذلك المصور الصحفي الذي لم يكتفِ بالوقوف على هامش العالم لالتقاط الصور فحسب، بل اتخذ من عدسته موقفا ليكون شاهدا حقيقيا على وجوهٍ كاد الخراب والخوف أن يمحوها، معه، لا تعود الصورة مجرد لقطة عابرة، بل تتحول إلى «وثيقة إدانة» ومحاولة مستميتة لإنقاذ ما تبقى من إنسانية، في زمنٍ ينهش فيه النسيان ذاكرتنا وحنيننا.
الشيء اللافت في الرواية هو قدرتها على تحويل الفقد والهجرة إلى تجربة وجودية؛ فالمكان لا يُقاس فقط بالخرائط، بل بالمسافات النفسية التي يقطعها الإنسان بين ما فقده وما يسعى للحفاظ عليه، هنا، يصبح المنفى حالة داخلية، والذاكرة التي يجمعها يحيى هي الوطن الذي يمكن أن يسكنه الإنسان رغم كل ما يفصله عن جذوره.
الحرب، كما تصورها الرواية، ليست مجرد أحداث عنف، بل نسق متشابك من التفاصيل الصغيرة التي تُعيد تعريف الحياة والموت، من مشهد طفل يتشبث بيد أمّه إلى برميل يحمل سمًا مخفيًا، تتأرجح الرواية بين الخيال والواقع، بين ما يُرى وما يُختزن في الذاكرة، الكاميرا، في يد يحيى، ليست أداة فنية فقط، بل وسيلة للتصدي للصمت والظلم، وعين أخلاقية ترفض التواطؤ مع القهر.
ما يجعل «العلبة» مختلفة عن الكثير من الروايات التي تتناول الحروب واللجوء هو التركيز على البطل الأخلاقي؛ شخصية تتفاعل مع الواقع الإنساني، ولا تكتفي بتسجيله، بل تسعى لتغييره بالوعي والفعل، حتى لو كان مجرد توثيق لحظة قد تبدو صغيرة، لكنها تحمل عبء العالم بأسره.
رواية شادن دياب هي ملحمة إنسانية عن الحرب واللجوء، ودراسة في الذاكرة والفن والإنسانية، حيث تصبح الصورة ليس فقط ما نراه، بل ما يمكن أن يحفظه الزمن ويعيده إلى الحياة مرة أخرى، يحيى، الكاميرا، والعلبة، كلهم رموز لمقاومة النسيان، وتجربة إنسانية تتحدى الفقد والخراب، وتجعل القارئ يكتشف أن حتى أصغر التفاصيل يمكن أن تحمل معنىً عميقًا لا يزول.
الدكتورة شادن دياب مهندسة كيمياء وحاصلة على دكتوراه في علوم البيئة، وخبيرة دولية في قضايا التغير المناخي والعدالة البيئية، وقد نالت جوائز عالمية تقديرا لإسهاماتها العلمية والثقافية، إلى جانب مسيرتها العلمية الحافلة، هي كاتبة وشاعرة صدرت لها عدة مؤلفات باللغتين العربية والفرنسية، من بينها «عازف الروح» و"وجوه لا مرئية"، بالإضافة إلى رواية «فرصة مع العالم» التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة أبو القاسم الشابي.