السبت 28 مارس 2026

بورتريه الهلال

أحمد زكي.. الإمبراطور الذي خشى الجميع موهبته

  • 27-3-2026 | 22:58

أحمد زكي

طباعة

أسطورة فنية لم يعود علينا الزمان حتى الآن بنصفها، موهبة خارقة، خلقت من عمق الوجع، وتحولت بإرادة نادرة من مواقف محطمه، لأسطورة تمشي على الأرض، ليست مجرد ذكرى وفاة فنان لتكفي سطور معدودة عن  أعماله وميلاده وفاته وجوائز حصل عليها ، بل حالة فريدة لم تتكرر، أحنا في حضرة أحمد زكي، البواب ، السواق، الأب المكلوم البسيط في أضحك الصورة تطلع حلوة ، الوزير، ضابط الشرطة، الرئيس في ناصر والسادات، المغني في العندليب،  الدجال في البيضة والحجر، الطبال في الراقصة والطبال، جسد كل المهن، أبدع في نسج كل طبقات المجتمع من البواب لرئيس الجمهورية.

 

اليتيم الذي عشقه الجميع

حياته كانت صعبة جافة، يتيم فقد السند الأب والأم، فصنع لنفسه مكانة فاقت الجميع، هناك مقولة تقول في فنان شاطر  وفي على قده، وفي أحمد زكي ليس بموهبته فقط بل بصدقه ذلك الصدق الذي كان يخترق  القلب مباشرة.

أحمد زكي لم يمثل الفقير بل كان هو الفقير لم يقلد البسطاء بل كان واحدا منهم، وحين وقف أمام الكاميرا في أفلام  البريء وضد الحكومة، لم يكن يؤدي دورا بل  فضح واقعا وقتها، وصرخ بصوت ملايين لا يسمع لهم صوت.

كان بإمكانه أن يختار الطريق السهل أن يكرر نفسه أن يركن إلى نجوميته، ولكنه اختار التعب، اختار أن يغامر وأن يرهق ليمنحنا لحظة صدق خالصة، لذلك رأيناه يتحول إلى جمال عبد الناصر في ناصر 56، وإلى أنور السادات في أيام السادات لم يكن تقليدا بل كان بعثا حيا للتاريخ .

حياته لم تكن سهلة، ولا نهايته كانت رحيمة المرض التهمه ببطء، لكنه ظل يقاوم بنفس عناده القديم، كأنه يرفض أن يسقط إلا واقفا، حتى وهو على فراش المرض كان حضوره طاغيا، كأن الفن الذي سكنه رفض أن يغادر.

في ذكرى رحيله، لا نبكي أحمد زكي لأن من يشبهه لا يموت هو ببساطة تغير مكانه من الشاشة إلى الذاكرة، من الجسد إلى الضمير، هو الإمبراطور،  ليس فقط لأنه أحد أفلامه بل لأنه حكم قلوبنا بموهبة لا تتكرر وبإنسانية نادرة.

 

اختبار المعهد

في صباح باكر ذهب شاب بسيط وهو يرتدي ملابس فقيرة وصندل مصنوع من البلاستيك، شعره مجعد، بشرته سمراء، وتبدو على كفوف الأيد علامات الشقى، الجميع يرتدي أفخم ما لديه ينتظر دوره أمام لجنة  اختبارات التمثيل بمعهد الفنون المسرحية، الجميع ينظر له باندهاش، حتى وقف هو أمام اللجنة فكانت المفاجاة تصفيق حاد يخترق غرفة الامتحان وشاب يمنح العلامة الكاملة في الاختبار.

 

هوس العندليب

أحمد زكي  كان مهوسا بحب العندليب عبد الحليم حافظ، الأمر الذي دفعة لتجسيد قصة حياته  وهو على  فراش المرض، خشى أن يموت دون أن يجسد سيرته الذاتية، حتى تدهورت حالته بسبب الإجهاد، هم متشابهان في الموهبة وظروف  القدر كلاهما عانى من اليتم  في الصغر، وكلاهما خرج من نفس نبت  الأرض الطيبة الشرقية والاثنان أصبحا من الأساطير.

مدرسة المشاغبين

من الحكايات التي لا يعلمها كثيرون والتي  جاءت على لسان الراحل الكوميديان الفنان عبد المنعم مدبولي، كانت لحظة مشاهدة العندليب للمسرحية، وكان زكي يجسد دور ثانوي لا يذكر، حضر العندليب، وبعد انتهاء  العرض،  والجميع ينتظر اللقاء و السلام،  لكن وسط الزحمة،  وبعد عناء من زحام الجماهير غادر عبد الحليم حافظ  بعد السلام على عدد كبير من أبطال العرض، " ومشي العندليب من غير ما يقابل أحمد زكي أو يشوفه" فبكى أحمد زكي لعدم مصافحة قدوته، رغم دوره الصغير كان يتنمى إشادة من العندليب، فحكي مدبولي للعندليب وفي اليوم الثاني حدث ما لم يتوقعه أحد!

عبد الحليم حافظ رجع مخصوص المسرح، ووسط الكواليس  دخل وطرق على باب غرفة أحمد زكي وقال جميله التي لا تنسى  في ذاكرة من حضر في الكواليس "تسمحلي أخد من وقتك دقيقتين أنا جاي مخصوص للنجم أحمد زكي" فبكي مرة ثانية ولكن تلك المرة في حضن العندليب.

 

هالة فؤاد

الجانب الإنساني في حياة الإمبراطور كثير أهمه حبه الصادق، للفنانة هالة فؤاد أم ابنه الوحيد هيثم،  لم تكن مجرد علاقة عاطفية عابرة، بل واحدة من أكثر الحكايات وجعا وتعقيدا في حياته، هالة لم تكن فقط زوجة، بل كانت نسمة باردة  دخلت عالمه اليتيم ، كانت من عائلة مستقرة تحمل هدوءا لم يعرفه هو في طفولته،  في حضورها لمس لأول مرة معنى الأمان الذي افتقده منذ رحيل أمه المبكر ووالده، ذلك الغياب الذي ترك داخله فجوة لم تملأ أبدا، لكن الحقيقة المؤلمة أن هذا الفقد نفسه كان سببا في خسارتها.

أحمد زكي، الذي كبر وهو يحمل داخله جرح اليتم، لم يتصالح مع فكرة الاستقرار، كان دائم القلق، شديد الحساسية، يخاف الفقد لدرجة أنه أحيانا كان يدفعه بيده دون أن يدري، علاقته بهالة تأثرت بتلك التعقيدات النفسية الغيرة، التوتر، والصراع الداخلي بين رغبته في الاحتفاظ بها وخوفه الدائم من أن تسلب منه كما سلبت أمه، هالة فؤاد من جانبها حاولت لكنها لم تستطع أن تنتصر على معركة تدور داخل رجل لم يشف بعد فانتهت العلاقة، وانفصلا وبقيت هي الحكاية التي لم تكتمل.

ورغم الانفصال لم تخرج هالة من قلبه ظلت حب حياته كما كان يردد المقربون، وخصوصا بعد رحيلها المبكر، ورغم أنها تزوجت وانجبت من بعد الانفصال  إلا أن وفاتها كانت الفاجعة الأكبر في حياته، يوم   وفاتها كان هو بالاستوديو، في تصوير أحد اعماله ارتبك الاستوديو بالكامل الجميع يخشى أن يصل الخبر لأحمد زكي، حتى علم الخبر،  انهار تماما صارخاً  هالة  ماتت!.

 

 أنا  بيه

من منا ينسى إبداعه في الغناء والاستعراض، هل من أحد لم يرن بأذنه الآن صوته وهو يردد " ياست إلهام هانم"،

للإمبراطور  حكاية شهيرة أثناء تصوير فيلم البيه البواب، ففي وقت راحة وهو يجلس على أريكة خشبية  أمام عمارة بالشارع بملابس  شخصية عبد السميع البواب،  الجلابية، الهيئة، مر أحد سكان العمارة  المجاورة، شافه وافتكره فعلا بواب جديد، الراجل ناداه بكل عفوية، وطلب منه يغسل العربية، وأحمد زكي لم يتردد " ومقلش ولا كلمة"  وغسل العربية بالفعل، والراجل اعطى له جنيها له وغادر، فوضعه أحمد زكي ضمن  الجوائز التي حصل عليها، واعتبرها أهم جاهزة فهي إشادة بمصدقيته.

 

 هو وهي 

كان مسلسل هو وهي مع السندريلا سعاد حسني،  لحظة مهمة في مسيرة أحمد زكي، لأنه أظهر جانب مختلف من موهبته، بعيد عن أدوار الدراما الثقيلة، المسلسل كان حلقات منفصلة متصلة، استطاع  أحمد زكي يبرز خفة دم طبيعية، وموهبة  يضحك ويبكي في نفس الوقت،  وتنقل بين كل طبقات المشاعر الإنسانية ببراعة، حتى في أصغر التفاصيل.

الأيام

مسلسل الأيام لعميد الأدب العربي  طه حسين،  كان علامة فارقة في مسيرة أحمد زكي،  أظهر قدرته الخارقة، تصدق أنه خلق كفيف، لم يكن تقليد،  لدرجة أن المشاهد شعر بنفس الألم الذى  عاشه طه حسين،  من خلال حركة العين، نظرة الغياب، طريقة الكلام،  وعبقرية الأداء .

آخر ماتبقى

كان هيثم أحمد زكي أخر ما تبقى لما من ريحة أحمد زكي، وكان  فصل آخر من فصول الوجع في سيرة أحمد زكي، ولله الحمد إنه لم يعش حتى لحظة وفاة ابنه الوحيد فكان مهوسا به، وفي صباح يوم حزين جاءت صدمة رحيل هيثم أحمد زكي بشكل مفاجئ شابا وفي عز عمره ليغلق أخى سطر في حكاية الإمبراطور.

الاكثر قراءة