الأحد 5 ابريل 2026

مقالات

صلاح الدين الأيوبي.. في التراث المصري من خلال سيرته لابن شداد

  • 4-4-2026 | 10:58
طباعة

عمد بعض المتجنين على التاريخ العربي الإسلامي إلى تشويه صورة قائد النصر العظيم على الصليبيين في موقعة “حطين”؛ بطل العروبة والإسلام، ومحرر المسجد الأقصى من براثن الصليبيين، “صلاح الدين الأيوبي”. وأشكال التنطع والاجتراء على حقائق التاريخ بالزور والبهتان، أو بالجهل والتجاهل، لا تستند إلى حقائق علمية، بل تكشف عن سوء طوية، وعمد إلى طمس المعالم التاريخية الكبرى التي أقرها المنصفون لشخصية صلاح الدين الأيوبي حتى من جانب أعدائه. وأقرب الوثائق التاريخية التي تشهد لبطولة صلاح الدين الأيوبي هي سيرته التي سطرها من رآه عيانًا، وهو القاضي بهاء الدين المعروف بابن شداد المتوفى سنة 632هـ.

وقد كان عنوان سيرة صلاح الدين الأيوبي لابن شداد هو "النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية"، نسبة إلى صلاح الدين الأيوبي يوسف بن أيوب. وقد وصفه سارد السيرة بأنه صلاح الدنيا والدين، وقال: "ورأيت بالعيان من الصبر على المكاره في ذات الله ما قوى به الإيمان"، فقد حقق كاتب السيرة ما رآه عيانًا، وليس الخبر كالمعاينة".
وقد ذكر جمال الدين الشيال، محقق سيرة صلاح الدين لابن شداد، أن هذه السيرة أوثق المراجع للتأريخ لحياة البطل صلاح الدين.
كان صلاح الدين مشهودًا له بحسن الخلق والتعظيم لشعائر الدين، وتحري العلم ومشاورة العلماء وإجلالهم. كان مواظبًا على الصلاة، ومات ولم يترك مالًا لأنه كان يتصدق به، وقضى حياته جهادًا في سبيل الله، وكان يحب سماع القرآن الكريم.
ويصفه ابن شداد برقة القلب والعدل، وكان صلاح الدين محبًّا لسماع الحديث الشريف وقراءته، والسعي إلى علمائه وتعليمه لأولاده.
ويحكي ابن شداد بعض الأحداث المؤكدة لحسن ظن صلاح الدين بالله، والاعتماد عليه.
كما يورد مواقف كثيرة لإنصاف صلاح الدين للمظلوم دون محاباة لأحد، حتى لو كان من المقربين له، انقيادًا إلى الحق. وينتقل "ابن شداد" إلى خصلة أخرى من الخصال الحميدة لصلاح الدين الأيوبي، وهي كرمه؛ فقد ملك ما ملك ومات وقد أنفق ما يملك تكرمًا، إذ كان يعطي أكثر مما يتمنى سائله.
يقول ابن شداد في شجاعة صلاح الدين: "ولقد كان -رحمه الله تعالى- من عظماء الشجعان، قوي النفس، شديد البأس".
ويروي "ابن شداد" كثيرًا من بطولات صلاح الدين الأيوبي في مواجهة جيوش الصليبيين، وتحقيقه النصر لصبره وشدته في الحرب، ونصر الله له على آلاف الأعداء.
كان صلاح الدين شديد المواظبة على الجهاد، وكان الشغف به "قد استولى على قلبه.. ولقد هجر في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسكنه وسائر ملاذه، وقنع من الدنيا بالسكون في ظل خيمة تهب بها الرياح يمنة ويسرة".
وقد ألف "ابن شداد" وغيره كتبًا عن جهاد صلاح الدين الأيوبي ودوره التاريخي في نصر حطين المجيد.
ويورد "ابن شداد" بعض وقائع شجاعة صلاح الدين وبطولته في مواجهة الصليبيين دون خوف من الموت برًّا أو بحرًا.
كذلك كان صلاح الدين الأيوبي يتحامل على نفسه ويقاتل عندما أصابه المرض دون أن يُظهر ذلك.
وقد وردت الخصال الشخصية الكريمة لصلاح الدين الأيوبي، والبسالة الحربية من فروسية وجسارة وشجاعة في سيرة ابن شداد لصلاح الدين الأيوبي، وقد رآها عيانًا مما يؤكد صحتها تاريخيًا.
كان صلاح الدين يصبر على فراق أولاده مع حبه لهم لانشغاله بالجهاد في سبيل الله، وكان حليمًا، قليل الغضب، متواضعًا، محسنًا، مغيثًا للمظلوم، شيمته العفو والصفح ترفّعًا عن الصغائر.
يقول ابن شداد: "كان السلطان  -صلاح الدين الأيوبي- كثير المروءة، نديّ اليد، كثير الحياء، مبسوط الوجه لمن يرد عليه من الضيوف".
وتمضي سيرة صلاح الدين الأيوبي إلى ذكر فتوحاته مبتدئًا بقدومه إلى مصر في صحبة عمه "أسد الدين شيركوه" لإقرار الأمن في مصر، وإنقاذها من تدخل الإفرنج في الصراع بين وزيريها "شاور" و"ضرغام" طمعًا في الاستيلاء على مصر.
ومنذ ذلك التاريخ إلى نصر حطين ووفاة قائدها يعد كتاب سيرة صلاح الدين لابن شداد سجلًا حافلًا لوقائع المواجهات التي جسدت بطولة صلاح الدين الأيوبي، وسطرها جهاده في سبيل الله بحروف من نور أشرق بها تاريخ الدولة العربية الإسلامية.
لم يكن نصر حطين حدثًا تاريخيًا عاديًا، بل كان نصرًا مظفرًا قائمًا على أسس الإيمان العميق بنصر الله، والإعداد له بخطة محكمة. يقول ابن شداد: "وكانت وقعة حطين في يوم السبت الرابع والعشرين من ربيع الآخر من شهور سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وذلك أن السلطان -أي صلاح الدين الأيوبي- رأى أن نعمة الله عليه باستقرار قدمه في المُلك وتمكين الله إياه في البلاد، وانقياد الناس لطاعته، ولزومهم قانون خدمته، ليس لها شكر سوى الاشتغال ببذل الجهد والاجتهاد في إقامة قانون الجهاد".
فنصر حطين مبني على قرار مكين أدى إلى هذا النصر العظيم. وتتجلى الاستراتيجية العسكرية البارعة لصلاح الدين في نصر حطين من خلال سرد "ابن شداد" لوقائعها. ويشهد المنصفون لتاريخ صلاح الدين شرقًا وغربًا بهذه القدرة الاستراتيجية الفائقة له.
أما فتح صلاح الدين للقدس فوافق ليلة الإسراء والمعراج، وهذه "علامة قبول هذه الطاعة من الله تعالى، وكان فتوحًا عظيمًا شهده من أهل العلم خلق عظيم". عمّت الفرحة، وارتفعت الأصوات بالضجيج والدعاء والتهليل والتكبير".
كذلك شهد المتصوفة هذا الفتح المبين للقدس، ولهذا دلالته على تبجيل صلاح الدين لهم، والتبرك بهم، وبناء الزوايا لهم ورعايتهم، وقد قال: إنما نُصرت بضعفائكم، يعني المتصوفة.
كذلك كانت رعاية صلاح الدين للعلماء وتقديره لهم دليلًا على عظمة شخصيته عندما خاطب جنوده بقوله: "لا تظنوا أنني فتحت البلاد بسيوفكم، وإنما فتحتها بقلم القاضي الفاضل".
وكان القاضي الفاضل أكبر أدباء عصره وزيرًا لصلاح الدين الذي أكبر العلماء وعيَّنهم في مناصب رفيعة.
وقد سجل الأدب المصري بطولات صلاح الدين الأيوبي في ديوان شعري ونثري هو ديوان "القدسيات".
ولابن سناء الملك، شاعر العصر الأيوبي، قصيدة في تهنئة صلاح الدين بنصر "حطين" مطلعها:
لستُ أدري بأي فتح تُهَنَّا
يا منيلَ الإسلام ما تمنى
وكان صلاح الدين وفيًّا للعهود والمواثيق التي أبرمها في الحرب والسلام، وكان -رحمه الله- متى طُلب منه الأمان لا يبخل به".
وقد وصف ابن شداد الوقائع الحربية العظيمة التي خاضها صلاح الدين الأيوبي جهادًا في سبيل الله ونصرة الإسلام، مذكِّرًا إياه بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم:
"عينان لا تمسهما النار: عين باتت تحرس في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله".
وسيرة صلاح الدين حافلة بالسرد وقصص الفتوحات التي مكنه الله من النصر فيها.
وفي كل موقعة مظفرة كان صلاح الدين يستشير جنده وأصحاب الرأي عنده، ولا يستأثر برأيه، وتلك سِمَا القواد الذين هداهم الله لسبل التوفيق والرشاد.
وفي معركة تحرير "عكا" من الإفرنج كان صلاح الدين الأيوبي يشرف على مجرياتها كعادته في كل موقعة، "لا يتخلف عن مقام من ... المقامات"، شدة حرص ووفور همة.
وفي هذه الموقعة يصيح صلاح الدين في جنده: "يا للإسلام" فيحملون على العدو وينتصرون بعد أن تعسر على جنود صلاح الدين التغلب عليهم.
وكل معركة موصوفة في مسيرة البطل صلاح الدين الأيوبي تعد مثالًا للاستراتيجية العسكرية الناجحة في صنع الانتصارات، وإن كانت صعبة المنال بفضل جنود وهبوا أنفسهم لنصرة دين الله، و"باعوا أنفسهم بالجنة".
ومن أبطال سيرة صلاح الدين "عيسى العوام" الذي كان يقوم بتوصيل الأموال والرسائل للجنود على غفلة من العدو عبر السباحة في البحر، وقد استشهد وهو يقوم بهذا الواجب.
وقامت معارك بحرية كثيرة بين الصليبيين وصلاح الدين، ومع أن العرب لم يكونوا معتادين على المعارك البحرية فقد حققوا انتصارات كثيرة في تلك المعارك.
وقد ذكرت سيرة صلاح الدين أن "الأسطول الإسلامي استولى على مركب مشهور للفرنج به أكثر من خمسمائة قُتل منهم خلق عظيم".
وكانت وفاة صلاح الدين سنة (589هـ) شديدة الوقع على الناس، وصفها ابن شداد بقوله:
"وكان يومًا لم يُصب المسلمون والإسلام بمثله منذ فُقد الخلفاء الراشدون"، متمثلًا بقول الشاعر:
ثم انقضت تلك السنون وأهلها
فكأنها وكأنهم أحلام

الاكثر قراءة