الأحد 5 ابريل 2026

مقالات

انسداد معوي

  • 4-4-2026 | 11:23
طباعة

لم أكن أتخيل يوما أن تتحول نعمة بسيطة "الأكل" إلى حلم بعيد المنال، الطعام الذي نمر عليه يوميا دون تفكير، نكتئب نأكل، نبتهج نأكل، نتناوب العزومات لنأكل، نسافر بصحبة الأصدقاء لنأكل، حتى أعيادنا جميعها مرتبطة بالأكل، حتى بلدنا تشتهر بالاكلات الشعبية الحرشة، الأكل حب عمر المصريين،  فكيف يمكن أن يصبح فجأة أمنية لا تشترى ولا تعوض؟!

أتذكر حينما كنت أشاهد فيلم حتى لا يطير الدخان للفنان عادل إمام، في المشهد الذي لم يكن يستطيع فيه تناول الطعام، فيجمع أصدقاءه ليأكلوا أمامه ما حرم منه، كنت أرى المشهد حينها بنوع من السذاجة الدرامية غير مدرك أن الحياة قد تعيد تقديمه لي ولكن بصورة أشد قسوة ووجعًا.

مرض السرطان لم يكن مجرد تشخيص، بل رحلة متصاعدة من الألم، أشبه بلعبة فيديو، كل مرحلة فيها أصعب من سابقتها، لكنك مجبر على الاستمرار بلا خيار للانسحاب.

وفي مرحلة متقدمة فوجئت بإصابتي بالتصاق معوي نتيجة، لتضخم حجم الورم، حسبما رجح الأطباء حتى صار مرور الطعام أشبه بعبور داخل خنادق ضيقة.

كان القرار صادمًا لا طعام صلب بعد الآن فقط سوائل، شوربة وعصائر، وكل ما يمكن أن يمر دون ألم، لكن الصدمة الأكبر كانت حين تطور الأمر إلى انسداد معوي كامل، أصبح لزاما  الذهاب أسبوعيًا إلى العناية لإجراء عملية "تسليك" للأمعاء، دون تخدير  أنا والألم في مواجهة مباشرة.

تغيرت حياتي بالكامل أصبحت أشتري الطعام لأسرتي لا لأشاركهم فيه بل لأكتفي بالنظر إليه، أنا الذي كنت معروفا بنهمي للطعام، وعشقي للأسماك والمشويات، أصبحت وجباتي الآن لا تتجاوز الماء والشوربة!

وفي لحظات التأمل أتذكر حكايات النجوم، مثل الفنان أنور وجدي، الذي رغم شهرته وثروته منع من الطعام، وكان يتمنى في أيامه الأخيرة أن يتناول طبق فول من عربة بسيطة في الشارع.

حينها أدركت أن النعم لا تقاس بقيمتها المادية، بل بقدرتنا على الاستمتاع بها، هناك من يختار الحرمان بإرادته، كمن يتبع حمية غذائية أو يجري جراحة لإنقاص الوزن،
وهناك من يفرض عليه الحرمان فرضًا وأنا منهم.

أصبحت "زيتونة" واحدة أمنية وإصبع الكفتة أقسمه على تسع مرات، وكأنني أتعلم الأكل من جديد، ثم جاءت المرحلة الأقسى، حين منعت من عشرات الأصناف، المحاشي، اللحوم، المعجنات، العيش البلدي، قائمة طويلة من الممنوعات تختصرها كلمة واحدة الحرمان.

لم يعد الطعام بالنسبة لي مجرد وجبة بل ذكرى، ولم يعد الشبع غاية بل حلم بعيد المنال.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة