في مشهد إنساني ونسمات إيمانية مؤثرة، وصلت بعثة أسر شهداء الشرطة إلى مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة، لآداء مناسك الحج، وسط مشاعر متباينة امتزجت فيها دموع الفقد بفرحة الوصول إلى بيت الله الحرام.
وجوه أنهكها الغياب، وقلوب ما زالت تنبض بذكرى الابن والزوج والأب والشقيق، لكن في المقابل، بدا واضحًا شعور الفخر والاعتزاز بما قدمه الشهداء من تضحيات عظيمة دفاعًا عن الوطن.
ولم تكن لحظة الوصول مجرد انتقال إلى الأراضي المقدسة، بل كانت لحظة وفاء تحمل الكثير من المعاني؛ فكل دمعة سالت من أم أو زوجة أو ابن أو ابنة شهيد، كانت تحكي قصة بطل رحل بجسده، وبقي اسمه وسيرته وموقفه، خالدين في وجدان الوطن.
تكريم الدولة لأسر الشهداء.. رسالة وفاء لا تنقطع
وكان في استقبال بعثة أسر شهداء الشرطة بمطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة، اللواء مساعد وزير الداخلية لقطاع الشئون الإدارية رئيس الجهاز التنفيذي للجنة الوزارية للحج، والسفير أحمد عبدالمجيد قنصل مصر العام بجدة، وهو ما يؤكد أن الدولة المصرية لا تنسى أبناءها الشهداء، وأن تكريم أسرهم ليس إجراءً بروتوكوليًا، بل نهج ثابت ورسالة مستمرة عنوانها الوفاء.
وقد عبّرت أسر الشهداء عن امتنانها العميق للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، مؤكدين أن هذا التكريم يجسد حرص القيادة السياسية على رعاية أسر الأبطال الذين بذلوا أرواحهم فداءً لمصر.
كما شددت الأسر على أن وزارة الداخلية لا تدخر جهدًا في رعايتهم على مدار العام، وأن ما يلمسونه من اهتمام ودعم يتجاوز حدود المناسبات، ليؤكد أن دماء الشهداء محل تقدير دائم، وأن أسرهم تحظى بعناية مستمرة.
مشاعر جياشة ودموع تروي حكايات البطولة
وعلى أرض مطار جدة الدولي، كانت المشاعر حاضرة بقوة، دموع امتزجت بالدعاء، وعبارات الشكر اختلطت بذكرى الفقد، ومشاهد الأمهات والزوجات وهنّ يستعدن تفاصيل لحظات الاستشهاد، بدت كأنها تلخص حجم التضحية التي قدمها رجال الشرطة في سبيل أمن الوطن واستقراره.
الفرحة بالحج كانت كبيرة، لكنها لم تُلغِ الحزن، بل سارت معه جنبًا إلى جنب، فرحة بأن الله أكرمهم بزيارة بيته الحرام، وحزن لأن هذه الرحلة جاءت تكريمًا لمن رحلوا وتركوا في القلوب فراغًا لا يُملأ.
شهادات من قلب بعثة الحج
وتحدثت النائبة بمجلس الشيوخ مروة توفيق، زوجة الشهيد البطل المقدم رامي أحمد هلال، الضابط بقطاع الأمن الوطني، الذي استشهد بعد أن انقذ القاهرة من انفجار ضخم في حادث الدرب الأحمر الإرهابي، الذي وقع في فبراير 2019، بفخر عن زوجها البطل، مؤكدة شعورها بالفخر كونها أرملة بطل من أبطال مصر، ضحى بحياته من أجل إنقاذ أرواح الأبرياء، وتحقيق أمن واستقرار الوطن.
وشددت على أن الإرهاب الأسود لم ولن يستطع النيل من أمن واستقرار أرض الكنانة، طالما هناك قيادة سياسية مخلصة ومحبة لتراب هذا الوطن تتمثل في السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، وأبطال على استعداد دائم للتضحية بأرواحهم من أجل رسالتهم النبيلة في حفظ الأمن والأمان. وشعب واعي وملتف حول قيادته السياسية.
ومن جانبه.. أعرب والد الشهيد النقيب محمود أحمد عبدالصبور، عن فخره اليوم بنجله الشهيد، الذي كرمه في حياته بسيرته الطيبة بين كل من تعرف عليه، وكذلك في مماته بعد أن نال الشهادة التي كان يتمناها دائمًا، أثناء مشاركته في تنفيذ مأمورية لتنفيذ أحكام قضائية صادرة ضد أحد العناصر الإجرامية شديدة الخطورة بالأقصر.
وأكدت والدة الشهيد الحاجة زينب أن رحلة الحج، منحة عظيمة من المولى عز وجل، وتكريم كبير من الدولة لدماء ابنها الشهيد البطل، لافتة في الوقت نفسه إلى أن وزارة الداخلية لم تتركهم أبدًا، وتوفر لهم كل سبل الراحة والرعاية.
وبدورها.. قالت مدام هالة والدة الشهيد البطل النقيب أدهم بلبل، والذي استشهد أثناء مشاركته في مطاردة لضبط أحد العناصر الإجرامية الخطرة بمركز أطفيح بالجيزة، إن أول دعوة لها أمام الكعبة المشرفة، ستكون لابنها بالرحمة والمغفرة، ولمصر بالحفظ، وللجيش والشرطة والرئيس وكل شعب مصر بالأمن والسلامة، مشددة على أن تواجدها في الأراضي المقدسة اليوم، يؤكد أن الدولة لا تنسى تضحيات أبنائها.
وقالت الدكتورة نسرين زوجة اللواء حازم مشعل، الذي استشهد أثناء آدائه لواجبه في أحد الأكمنة المرورية بطريق العلمين،"الفراق صعب، والقلب مازال موجوع ومنفطر على فقد أغلى الناس، لكن الله سبحانه وتعالى سخر لنا الرئيس عبدالفتاح السيسي ليجبر بخاطر كل أم وأب وزوجة وشقيقة ونحل ونجلة شهيد، ولذلك أود أن أبلغه إننا كأسر شهداء ممتنون لهذا التكريم الإيماني العظيم، الذي يكرس قيم الولاء والانتماء في صفوف المصريين، ويؤكد أن مصر لا تنسى من ضحى من أجل ترابها.
وتحدثت حمدية رمضان عبد الرازق من محافظة الدقهلية، زوجة الشهيد السيد السعيد، بنبرة مؤثرة أكدت فيها اعتزازها الكبير بكونها زوجة شهيد، لافتة إلى أن اختيارها ضمن بعثة الحج، كان مصدر سعادة عظيمة لها، وإن هذه الكرامة جاءت بفضل زوجها الشهيد، موجهة الشكر للرئيس عبد الفتاح السيسي ولوزارة الداخلية على حسن الاستقبال والرعاية الكاملة.
واستعادت زوجة الشهيد تفاصيل استشهاده، موضحة أنه كان في مأمورية عمل لمواجهة عصابة لتجارة المخدرات، وخلال تبادل إطلاق النار من سلاح آلي، استشهد في الحال، بينما استشهد زميله في اليوم التالي متأثرًا بإصابته، مؤكدة أن زوجها ضحى بروحه في سبيل الله والوطن، وأنه قدّم حياته دفاعًا عن بلده، وكشفت أن أول دعاء ستدعو به أمام الكعبة المشرفة، سيكون لزوجها الشهيد بالرحمة والمغفرة.
كما تحدثت عن ابنها الصغير "السعيد" البالغ من العمر ست سنوات، مؤكدة أن ألم الفراق شديد، لكن عزاءها أن والد الطفل في منزلة عظيمة عند الله، وان نجلها سيكون امتداداً لوالده البطل في خدمة الوطن.
وبدورها، عبّرت السيدة السيد الخولي، والدة الشهيد حافظ سليمان السعدني، عن مشاعر صادقة جمعت بين الفرحة والبكاء، مشيرة إلى أن خبر اختيارها ضمن بعثة الحج أسعدها كثيرًا، لكنها ما إن تذكرت ابنها حتى غلبتها الدموع، في مشهد يلخص حال كثير من أمهات الشهداء اللواتي يحملن الفقد في القلب، والرضا في الروح.
حكاية استشهاد الابن
وأوضحت أن نجلها استشهد بعدما أطلق عليه تجار المخدرات النار من سلاح آلي، أثناء أداء واجبه، وبينما كانت تتحدث عن ابنها، بدا واضحًا أن صورته ما زالت حية في وجدانها، وأن لحظة الفقد لا تزال حاضرة بكل تفاصيلها.
وأكدت والدة الشهيد أن الاستقبال والتنظيم والرعاية كلها كانت على أعلى مستوى قائلة: "إن القائمين على البعثة "أناس كرام وطيبون جدًا" وقاموا بواجب كبير معهم في كل شيء.
كما وجهت الشكر للرئيس عبدالفتاح السيسي، معبرة عن امتنانها لهذا التكريم الذي أعاد إلى قلبها شيئًا من السكينة.
ومن محافظة مطروح، تحدثت منى محمد قبيصي، زوجة الشهيد كريم أحمد خليفة، عن إحساسها وهي على أرض الحجاز، مؤكدة أن ما تشعر به لا يوصف.. وقالت إن هذه الرحلة منحة عظيمة من الله، وجبر خاطر بعد صبر طويل على الفقد، كما أنها رسالة واضحة بأن الدولة تتذكرهم ولا تتركهم.
وروت زوجة الشهيد أن زوجها خرج في حملة لإلقاء القبض على أحد تجار المخدرات، برفقة مجموعة من زملائه، قبل أن يتعرضوا لإطلاق نار، فأصيب بطلق ناري في جانبه، ونُقل إلى المستشفى، إلا أنه استشهد متأثراً باصابته.
وأشارت إلى أن الشهيد ترك ولدًا وابنتين، الابنة الكبرى في الصف الثالث الثانوي، والابن في الصف الثالث الإعدادي، والابنة الصغرى في الصف الرابع الابتدائي.
وأكدت أن ابنها يتمنى أن يصبح أمين شرطة مثل والده، فيما تحلم ابنتها الكبرى بأن تصبح محامية، في دلالة على أن سيرة الشهيد لا تزال حاضرة في وعي أبنائه ومستقبلهم.
وقالت باكيةً إن أول دعوة ستتوجه بها أمام الكعبة المشرفة، هي أن يجمعها الله بزوجها الشهيد في الفردوس الأعلى، في مشهد حمل كل معاني الوفاء والحب والصبر.
الرئيس السيسي في كلمات أسر الشهداء
وفي كلمات الأمهات والزوجات، تكرر الشكر للرئيس عبد الفتاح السيسي، باعتباره راعيًا لهذا التكريم الإنساني والمعنوي الكبير.
وقد رأت أسر الشهداء في هذه اللفتة تقديرًا حقيقيًا لتضحيات أبنائهم، ورسالة صادقة بأن الدولة المصرية لا تنسى من قدموا أرواحهم في سبيل بقائها وأمنها.
وزارة الداخلية.. رعاية مستمرة على مدار العام
وأكدت شهادات أسر الشهداء أن وزارة الداخلية لا تدخر جهدًا في رعايتهم، ليس فقط خلال موسم الحج، بل على مدار العام.
وقد بدا واضحًا من كلماتهم أن الرعاية تشمل الدعم المعنوي والإنساني، والمتابعة الدائمة، وتوفير كل أوجه الاهتمام التي تخفف عنهم وطأة الغياب.
وهكذا وصلت بعثة أسر شهداء الشرطة إلى جدة، في رحلة تحمل بين تفاصيلها الكثير من الرسائل النبيلة؛ رسالة وفاء من الدولة المصرية لأرواح الشهداء، ورسالة تقدير لأسر دفعت ثمن البطولة من قلوبها وأعمارها.
رحلة اختلطت فيها الدموع بالدعاء، وامتزج فيها وجع الفراق بطمأنينة التكريم، لتؤكد في النهاية أن من ضحى بحياته دفاعًا عن الوطن، لا يغيب أبدًا عن ذاكرة وطنه.
وفي كل كلمة نطقت بها أم أو زوجة شهيد، بدا المعنى واضحًا: "أن الشهداء باقون في القلب، وأن الدولة المصرية لا تنسى أبناءها الأوفياء، وأن أسرهم ستظل دائمًا محل رعاية وتقدير ووفاء".