نحتفل في 31 مايو من كل عام، بيوم الاذاعة المصرية، والتي انطلقت رسميا في مساء 31 مايو 1934، عبر الأثير لتصبح جزءًا من الذاكرة التاريخية للجميع، وفي صدد الاحتفال بالذكرى الـ92 على انطلاقها، نستعرض : كيف استطاعت الإذاعة أن تبني هذا التأثير العميق؟ وهل ما زالت تحتفظ بمكانتها في عصر الإعلام الرقمي؟
ومن جهتها، أوضحت الدكتورة نجلاء محمد حسنين، مدرس الإعلام بكلية البنات بجامعة عين شمس، في تصريح خاص لبوابة "دار الهلال"، أن يوم الاذاعة المصرية يمثل مناسبة مهمة لاستعادة دور هذه الوسيلة التي ارتبطت بتاريخ الشعوب وذاكرتها الجمعية، فهي ليست مجرد وسيلة إعلامية، بل ذاكرة وطن وشريك أساسي في تشكيل الثقافة والوعي، حيث أنه لم يخل منزل في مصر من تأثيرها، سواء عبر البرامج الاجتماعية والتوعوية أو الأعمال الإذاعية الخالدة مثل برنامج "كلمتين وبس" للمبدع فؤاد المهندس، وبرنامج "إلى ربات البيوت" للإذاعية صفية المهندس، وصولا إلى تطور الإذاعات الحديثة عبر موجات الـ FM.
وأضافت، أن الإذاعة لعبت دورا محوريا في تشكيل وعي المرأة عبر العقود، حيث كانت في منتصف القرن العشرين الوسيلة الأكثر قدرة على الوصول إلى النساء في ظل ارتفاع معدلات الأمية، خاصة في المجتمعات العربية، فقد كانت الصحافة المكتوبة محدودة التأثير، بينما جاءت الإذاعة كوسيلة شفاهية تصل مباشرة إلى المرأة داخل بيتها أثناء قيامها بمهامها اليومية، ومع تطور المحتوى الإذاعي، لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبحت أداة تثقيف وتوعية تناولت موضوعات أساسية مثل تنظيم الأسرة، والصحة الإنجابية، والتعليم، كما لعبت برامج مثل "إلى ربات البيوت" دورا مهما في تمرير رسائل اجتماعية وقانونية وصحية بلغة مبسطة وسهلة الوصول.
وأشارت، إلى أن الدراما الإذاعية شكلت نقلة نوعية في هذا التأثير، حيث اعتمدت على قوة الخيال لدى المستمع، ما جعلها قادرة على خلق صور ذهنية أكثر تأثيرا من الواقع أحيانا، وقد تناولت هذه الأعمال قضايا اجتماعية متعددة مثل حقوق الميراث، والتعليم، وتربية الأبناء، والمشكلات الأسرية، إلى جانب أعمال تاريخية وثقت لفترات مهمة من التاريخ، كما أن المسلسلات الإذاعية التوعوية ساهمت تاريخيا في تحريك الرأي العام، وإثارة النقاش حول قضايا كانت تمس المجتمع بشكل مباشر، ولا تزال صالحة للتناول حتى اليوم.
وأكملت أن القول بأن الإذاعة فقدت دورها غير دقيق من الناحية العلمية، فالمشهد الإعلامي لا يشهد اختفاء تلك الوسيلة الإعلامية بل تحولا في شكلها ضمن ما يعرف باندماج الوسائط الإعلامية، حيث أعادت تشكيل أدواتها وتكيفت مع التطور التكنولوجي، خاصة مع ظهور البودكاست كأحد أشكال التطور الطبيعي للمحتوى الصوتي، فهو لم يلغ الإذاعة، بل نقلها من البث اللحظي إلى نموذج المحتوى وفقا للطلب.
وأكدت أن الدراسات الإعلامية تشير إلى أن النساء، وخاصة الفئات الشابة، من أكثر الفئات استهلاكا وإنتاجا للبودكاست عالميا، حيث أصبح مساحة أكثر حرية لطرح قضايا كانت تعتبر حساسة أو محدودة النقاش في الإعلام التقليدي، مثل الصحة النفسية، وتجارب الأمومة، وتحديات العمل والحياة، كما أن الصوت ما زال يحتفظ بقوته في العصر الرقمي، لأنه الوسيلة الأكثر ملاءمة لتعدد المهام اليومية، حيث يمكن الاستماع إليه أثناء القيادة أو العمل أو الطبخ أو ممارسة الرياضة، وهو ما يمنحه ميزة تنافسية أمام المحتوى البصري الذي يتطلب تركيزا كاملا.
وأشادت إلى ما يمكن وصفه بديمقراطية الإنتاج الإعلامي، حيث لم يعد الوصول إلى المنصات الصوتية حكرا على المؤسسات، بل أصبح متاحا لأي امرأة تمتلك هاتفها الذكي، ما نقلها من موقع المتلقي إلى موقع صانع المحتوى وصاحبة الصوت المؤثر في الفضاء العام.