الأربعاء 1 يوليو 2026

مقالات

أسطورة ماعت و30 يونيو.. كيف استعادت القاهرة دورها التاريخي حارسًا للشرق؟


  • 30-6-2026 | 15:15

محمد برطش

طباعة
  • محمد برطش

أثناء التحضير لمعرضي الأخير حول الأساطير المصرية وعلاقتها بالكون، قضيت شهورًا طويلة أتأمل الرموز التي تركها المصري القديم على جدران المعابد وفي صفحات التاريخ. لم أكن أبحث عن الماضي بقدر ما كنت أبحث عن فكرة، فكرة استطاعت أن تعيش آلاف السنين دون أن تفقد معناها. كلما تعمقت في الأساطير المصرية، اكتشفت أنها لم تكن مجرد حكايات عن آلهة وقوى خفية، بل كانت محاولة مبكرة لفهم العالم. كان المصري القديم يرى أن الكون يقوم على توازن دقيق، وأن أي اختلال في هذا التوازن يهدد الحياة نفسها. ولهذا ظهرت "ماعت" رمزًا للحق والنظام والانسجام، في مواجهة قوى الفوضى والاضطراب.

وأنا أتأمل هذه الفكرة، وجدت نفسي أفكر في مصر المعاصرة، ليس في السياسة بمعناها الضيق، وإنما في شيء أعمق. كيف استطاعت هذه الدولة أن تستمر كل هذا الزمن؟ وكيف نجحت في تجاوز لحظات بدا فيها وكأنها تقف على حافة المجهول؟

لهذا أرى أن ما جرى في 30 يونيو لا يمكن اختزاله في كونه مجرد حدث سياسي أو انتقالًا للسلطة. بالنسبة لي، كان ذلك فصلًا جديدًا من قصة أقدم بكثير؛ قصة الدولة المصرية نفسها. فمصر ليست دولة عادية في التاريخ. فقبل أن تعرف البشرية أشكال الدولة الحديثة بآلاف السنين، كان المصريون قد أسسوا واحدة من أقدم الدول المركزية في العالم. وعلى ضفاف النيل تعلموا أن البقاء يحتاج إلى تنظيم، وأن العمران يحتاج إلى إدارة، وأن الفوضى ليست طريقًا إلى الحرية، بل طريقًا إلى الانهيار.

لهذا ارتبطت فكرة الدولة في الوجدان المصري بمعنى الاستمرار نفسه. فالدولة هنا ليست مجرد مؤسسات أو قوانين، بل إطار يحفظ المجتمع ويضمن بقاءه. وربما لهذا السبب ظلت مصر، رغم كل ما مرت به من غزوات وأزمات وتحولات، قادرة على النهوض من جديد.

وقد فهم المفكر الراحل جمال حمدان هذه الحقيقة عندما تحدث عن "شخصية مصر". فمصر ليست مجرد مساحة جغرافية على الخريطة، بل كيان حضاري تشكل عبر آلاف السنين. وموقعها في قلب العالم القديم، وإشرافها على طرق التجارة، وتأثيرها الثقافي الممتد، كلها عوامل جعلتها أكثر من مجرد دولة إقليمية. ولذلك أيضًا كانت القاهرة دائمًا أكثر من مجرد عاصمة. كانت مركزًا للحركة الثقافية العربية، ومنارة للفكر والفنون، ومدينة تلتقي فيها الأفكار قبل أن تنتقل إلى بقية المنطقة. وحين كانت مصر قوية، كان تأثيرها يتجاوز حدودها، وحين كانت تنشغل بأزماتها، كانت المنطقة كلها تشعر بالارتباك.

عندما وصلت جماعة الإخوان الإرهابية إلى السلطة بعد أحداث يناير، لم يكن ذلك نتيجة قوة التنظيم وحده. كانت هناك ظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية معقدة ساهمت في هذا الصعود. فسنوات طويلة من الأزمات والإحباطات فتحت المجال أمام كثير من المصريين للبحث عن بديل يعتقدون أنه قادر على تقديم حلول مختلفة.

لكن المشكلة لم تكن في الوصول إلى السلطة، بل في طبيعة الرؤية التي حملتها الجماعة للدولة والمجتمع. وهنا ظهر التناقض الأساسي، فمصر ليست صفحة بيضاء يمكن إعادة رسمها من البداية. إنها دولة ذات ذاكرة حضارية طويلة، وهوية تشكلت عبر قرون ممتدة. ولهذا شعر كثير من المصريين أن الخلاف لم يعد يدور حول سياسات أو قرارات حكومية، بل حول طبيعة الدولة نفسها، وحول العلاقة بين الوطن والتنظيم، وبين الهوية الوطنية والمشروع الأيديولوجي.

ومن هنا جاءت لحظة 30 يونيو. لم يكن المشهد بالنسبة لملايين المصريين مجرد احتجاج سياسي، بل كان تعبيرًا عن خوف عميق على الدولة، وعن رغبة في الحفاظ على توازن اعتبروا أنه يتعرض للخطر. وربما لهذا خرج الناس من خلفيات سياسية واجتماعية مختلفة، لكنهم التقوا عند نقطة واحدة: حماية مصر من الانقسام والفوضى. لقد تعلم المصريون من تاريخهم الطويل أن سقوط الدولة لا يصنع مستقبلًا أفضل، بل يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، وأن بناء الأوطان يحتاج إلى مؤسسات مستقرة بقدر ما يحتاج إلى أحلام كبيرة.

ومن هنا جاءت المرحلة التالية، مرحلة لم يكن عنوانها فقط تجاوز الأزمة، بل بناء ما بعدها. وعندما نتحدث اليوم عن الطرق الجديدة أو المدن الحديثة أو مشروعات البنية التحتية والطاقة، فإن قيمتها الحقيقية لا تكمن في الخرسانة أو الأرقام فقط، بل في الفلسفة التي تقف وراءها. فكل حضارة عظيمة في التاريخ تركت أثرها من خلال ما بنته. والمصري القديم نفسه لم يُخلَّد لأنه خاض المعارك فحسب، بل لأنه ترك معابد ومدنًا وأعمالًا ما زالت تتحدث عنه بعد آلاف السنين.

إن التعمير في جوهره فعل حضاري، وإعلان عن الثقة بالمستقبل، ورسالة تقول إن الدولة لا تكتفي بالنجاة من الخطر، بل تسعى إلى صناعة الغد. واليوم، وسط منطقة تموج بالصراعات والأزمات، تبدو القاهرة مرة أخرى أحد أهم مراكز التوازن في الشرق الأوسط، ليس لأن أحدًا منحها هذا الدور، بل لأن التاريخ والجغرافيا والثقافة جعلت منها عنصرًا أساسيًا في معادلات المنطقة.

ولهذا فإن ذكرى 30 يونيو، في تقديري، ليست مجرد مناسبة سياسية، إنها فرصة للتأمل في معنى الدولة المصرية، وفي قدرة هذا الوطن على استعادة توازنه كلما تعرض للاهتزاز.

من ماعت التي جسدت النظام والانسجام في خيال المصري القديم، إلى المصريين الذين خرجوا دفاعًا عن دولتهم في العصر الحديث، يمتد خيط واحد يصعب تجاهله، خيط يؤكد أن مصر لم تكن يومًا مجرد أرض أو سلطة أو حدود، بل فكرة حضارية كبرى.

وربما كانت هذه هي أعظم أسرارها: أنها تتغير كثيرًا، لكنها لا تفقد نفسها أبدًا.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة