الثلاثاء 30 يونيو 2026

مقالات

قراءة في جدارية الثلاثين من يونيو حين تلتقي المصالح الوطنية بالمقاصد الشرعية


  • 30-6-2026 | 15:27

د. أحمد عادل عبد المولى

طباعة
  • د. أحمد عادل عبد المولى

التاريخ لا يحابي أحدًا، والسنن الصارمة التي تحكم حركة البشر تخبرنا بوضوح: كلما تحوَّل الخطاب القيمي والعقائدي إلى مجرد أداة براغماتية لجمع المكتسبات السياسية الضيقة، كانت النتيجة الحتمية هي السقوط المدوي مجتمعيًا وتاريخيًا. الدين أسمى من أن يُبتذل كحصان طروادة للوصول إلى غايات دنيوية نفعية. ولعل هذا التلازم الدقيق بين صدق الممارسة ونبل الغاية هو ما جعل علماء الأمة يضعون حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في صدارة مصنفاتهم وأمهات كتب السنة النبوية؛ فهو ليس مجرد توجيه أخلاقي عابر، بل قاعدة تأسيسية صلبة تقاس عليها فلسفة التشريع والأخلاق برمتها:

“حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ.”

تكمن العبقرية الدلالية في التعبير النبوي "لدنيا يصيبها" في تعريته الفاضحة لتلك اللحظة؛ لحظة الانحراف الوظيفي، حيث تتراجع الغايات العليا، وتطغى الأنانية الأيديولوجية الرامية للهيمنة وإقصاء الصالح العام. ومن هذا المخاض بالذات، وُلدت شرعية التغيير في الثلاثين من يونيو لعام 2013؛ فلم تكن مجرد حراك سياسي عابر، بل ضرورة وطنية ملحة لإعادة قطار الدولة إلى مساره المؤسسي الصحيح.

لقد عاش المجتمع المصري عامًا كاملًا تحت وطأة احتقان مكتوم واستقطاب حاد كاد يعصف بسلامه الأهلي؛ إذ كانت الفجوة تتسع يوميًا بين وعود براقة تدّعي التمسك بمرجعية الكتاب والسنة، وبين ممارسات واقعية تضيق بالآخر وتتعالى عليه. راقب الشارع بذكائه الفطري تحوُّل الشعار الديني إلى آلية تمكين حزبي بحت، واكتشف الناس بأعينهم كيف تُنطق كلمة الحق لخدمة باطل السلطة وهوس الحكم عبر شعار "الإسلام هو الحل".

بميزان التاريخ، لم تكن هذه الفظائع التي ارتكبتها جماعة الإخوان الإرهابية مجرد زلات سياسية أو تعثر لحكومة ناشئة، بل كانت تعبيرًا عن صدام بنيوي وعميق بين مفهوم "الدولة الوطنية" وفكرة "التنظيم الأممي".

ومن هنا تحديدًا، ندرك لماذا لم تكن ثورة الثلاثين من يونيو ترفًا أو خيارًا يحتمل التأجيل، بل كانت حركة دفاع غريزية قادها مجتمع بأكمله لإنقاذ هويته ودمائه ومستقبله من مقصلة الفوضى الشاملة، ومحاولة لرأب الشروخ والصدع الذي حدث في جدار الوطن.

وفي تلك اللحظة الحرجة التي وقفت فيها البلاد على حافة الهاوية، تلاقت الإرادة الشعبية مع مسئولية المؤسسة العسكرية؛ النواة الصلبة والعمود الفقري للأمن القومي المصري. هذا الدور الوجودي لحماية الدولة لم يكن وليد الصدفة، بل هو امتداد لخصوصية استراتيجية باركتها الأدبيات النبوية والتاريخية، كما جاء في الأثر المروي عن عمرو بن العاص -رضي الله عنه-: حدثني عمر -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إذا فتح الله عليكم مصر بعدي، فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض". فقال له أبو بكر: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: "لأنهم في رباط إلى يوم القيامة".

ومثله ما تتابع في الروايات المتممة لهذا السياق، كقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا فتح الله عليكم مصر، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإنه فيها خير جند الله"، وصولًا إلى الحديث الآخر: "إن جند مصر من خير أجناد الأرض؛ لأنهم وأهلهم في رباط إلى يوم القيامة".

حين نقرأ هذه النصوص بعين ناقدة، ندرك أن صفة "الرباط" الممتد ليست مجرد مديح شرفي، بل هي مسئولية أمنية واجتماعية وثيقة تربط هذا الجيش بأهله عبر وشائج النسب والصهر والذمة؛ وهي حقائق تاريخية مستقرة لدى المحققين والمؤرخين عبر العصور. ورغم المحاولات المتهافتة للتشكيك في أسانيدها، فإن دار الإفتاء المصرية حسمت المسألة علميًا بتأكيدها أن الروايات يشد بعضها بعضًا، وتلقاها العلماء بالقبول والاحتجاج في فضائل مصر دون نكير معتبر.

هكذا، هيأ القدر لهذا الوطن جيشًا وطنيًا يدرك حدود مسئوليته، فتحرك ليحمي عرين الدولة ويذود عن أمنها القومي ضد مخاطر التشرذم والتفتت المؤسسي، فكان التوفيق حليف هذا الاصطفاف.

ومن المثير للاستغراب، في باب التحليل السياسي، كيف حاول بعض من أعمتهم الأيديولوجيا تصوير هذه الحركة التصحيحية الكبرى كمعركة ضد الدين نفسه! يا لها من قراءة قاصرة ومضللة؛ فالدين السامي أرسخ من أن يهتز، وهو ركيزة الهوية وعصمة الأمر. ثم إن هناك فارقًا بنيويًا بين ما حدث هنا وما جرى في ثورة 23 يوليو عام 1952؛ فالأخيرة انطلقت من قادة الضباط الأحرار ثم ساندها الشعب، بينما في 30 يونيو انطلقت الشرارة من ملايين المواطنين في الشوارع، فما كان من الجيش إلا أن لبّى نداء الاستغاثة. والسنة الكونية تخبرنا بأنه لو كان في منهجية هؤلاء ذرة خير أو مشروع حقيقي لبناء الدولة لمكَّن الله لهم، لكنهم اختاروا أدوات الهدم والإقصاء، فارتدت أعمالهم عليهم خذلانًا.

وعند إعادة قراءة الوثائق الرسمية لتلك المرحلة، وتحديدًا البيان الصادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية في الأول من يوليو 2013، يتجلى بوضوح حجم الحكمة والاستيعاب الاستراتيجي لتجنب الصدام الأهلي حتى الرمق الأخير قبل إعلان خارطة الطريق.

وإذا فككنا هذا البيان بعين المقاصد الشرعية، لوجدناه ينتصر بامتياز للكليات الخمس التي اتفقت عليها الشرائع والقوانين: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض. ونضيف إليها بوعي سياسي معاصر ركيزة صلبة: حفظ الوطن والدولة الوطنية؛ إذ لا يمكن لإنسان أن يحمي دينه أو ماله أو عرضه في وطن ممزق يفتقد للأمن والسيادة.

البيان صرخ محذرًا من التفتت والانقسام، وهو المحذور ذاته الذي طالما نبهت منه الأدبيات النبوية لمنع سقوط الدول في فخ الفوضى والغثائية، كما جاء في مسند الإمام أحمد، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، تُنْتَزَعُ الْمَهَابَةُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيُجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنُ، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ".

هذا التحلل لا يحدث إلا عندما تتفتت البنية المجتمعية وتتحول إلى جماعات تنظيمية متناحرة تتصارع على مفاصل السيادة، وتفتقد للولاء الوطني. وهو بالضبط ما تلمسه الصحابي الجليل سيدنا حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- في حواره الاستشرافي الشهير المتفق عليه:

"... حدثني أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ، أَي فساد واختلاف، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، فَقَالَ: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا. قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ".

التوجيه النبوي الصارم هنا بـ"اعتزال تلك الفرق كلها" يضع النقاط على الحروف؛ فالكيانات الموازية للدولة التي تقسم المجتمع وتنزع أمان الناس، حتى وإن تدثرت برداء الدعوة، لا تقود في النهاية إلا إلى مهاوي الفتنة والضياع.

البيان في جوهره يحمل نَفَسًا إنسانيًا وأخلاقيًا ينحاز لمعاناة شعب عانى طويلًا، ولم يجد من يترفق به، فكان لزامًا على المؤسسة العسكرية أن تحتضن مطالب هذه الملايين وتلبي نداءها.

ومع إصرار النخبة الحاكمة آنذاك على العناد السياسي، وتجاهل مهلة الـ48 ساعة، تبخرت كل الوعود والشعارات البراقة التي ترفع راية نصرة الدين، وظهر الوجه الحقيقي لإيثار المصلحة التنظيمية على مصلحة الوطن.

هنا، لم يكن أمام القيادة العامة مفر من التدخل لحماية سفينة الوطن من الغرق، فأصدرت بيان حسم المسار وصياغة المرحلة الانتقالية، والذي تلاه وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد الفتاح السيسي في الثالث من يوليو 2013.

لم يكن هذا البيان مجرد إعلان سياسي لإدارة مرحلة انتقالية، بل كان بمثابة حجر الأساس لشهادة ميلاد جديدة لدولة استعادت أركانها السيادية من حافة السقوط والضياع. واليوم، ونحن نقف على مسافة تزيد على العقد من الزمان، يتحدث الواقع عن نفسه بلسان الإنجازات الملموسة والتعمير الشامل الذي طال كل الأصعدة: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والصحية. لقد تحولت مصر من مربع الدفاع عن الوجود ومواجهة شبح التفتت إلى ورشة عمل كبرى للبناء المستدام، بفضل رؤية سياسية صلبة وحريصة تفضل مصالح البلاد، تساندها بطانة وطنية مخلصة تؤمن بأن رفعة الأوطان تكون بالعمل والإصلاح لا بالشعارات الزائفة.

ونختتم هذه القراءة التحليلية بالوقوف أمام المرآة القرآنية الإعجازية التي لخصت هذا التباين الصارخ بين زيف خطابات المتاجرة بالقيم، وصدق التضحية من أجل البناء واستقرار المجتمعات:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (سورة البقرة: 204 – 207).

صدق الله العظيم.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة