دخل التصعيد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران مرحلة شديدة الخطورة، في ظل استمرار تبادل الضربات العسكرية ومحاولات كل طرف تحقيق أكبر مكاسب لإجبار الآخر على القبول بشروطه، حيث أكد خبراء سياسيون أن الحرب الراهنة تنذر بسيناريوهات متعددة أخطرها أن تتحول إلى حرب شاملة في المنطقة في ظل توسيع رقعة الصراع، إلا أن هذا الأمر له تكلفته ومخاطره في الوقت الراهن، مع احتمال الاتجاه إلى حل مؤقت بين احتواء تفاوضي ووقف لإطلاق النار تجنبا لاحتمال توسع الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع.
ويقترب التصعيد العسكري من إكمال أسبوعه الثاني منذ انهيار اتفاق وقف إطلاق النار، حيث استهدفت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" في ضربات فجر اليوم على إيران مراكز قيادة عسكرية إيرانية، وقدرات بحرية، ومواقع لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأنظمة دفاع جوي، بهدف إضعاف قدرة إيران على مواصلة مهاجمة السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز، فيما ردت طهران بالاعتداء على عدد من الأهداف في الكويت والبحرين.
3 سيناريوهات محتملة للتصعيد الأمريكي الإيراني
ويقول الدكتور محمد عبد العظيم الشيمي، أستاذ العلوم السياسية أن عمليات التصعيد الأمريكية الإيرانية لا تزال مستمرة، وأن استمرار المناوشات يمثل الآلية التي تتبعها السياسة الخارجية الأمريكية في كيفية إدارة المفاوضات أثناء الضغط أو تحت وجود ضغوط عسكرية، موضحًا أن استمرار العمليات العسكرية آلية تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل عدم إفضاء المفاوضات إلى أي نتائج إيجابية بسبب افتقاد الطرفين لأرضية للثقة المتبادلة، إلى جانب ارتفاع المطالب أثناء التفاوض، بما يجعل العملية التفاوضية تفتقر إلى محددات أو سقف واضح وإلى المرونة اللازمة.
وأضاف في تصريح لبوابة "دار الهلال" أن المرحلة الحالية تشهد نوعًا من الابتزاز الأمريكي، في ظل محاولات الولايات المتحدة ممارسة الضغط العسكري عبر حصار بحري محكم على الجانب الإيراني، بينما تحاول إيران، من جانبها، الدخول في مرحلة من حرب الاستنزاف للجانب الأمريكي، مشيرًا إلى أن رضوخ أحد الطرفين هو الذي سيحدد أمد المواجهات العسكرية والتصعيد القائم حاليًا، في ظل تمسك كل من الجانبين الأمريكي والإيراني بشروطه الخاصة في العملية التفاوضية.
وأشار إلى أنه مع وجود رغبة لدى الطرفين في الدخول في مفاوضات، فإن توافر حد مناسب من المرونة من شأنه أن يوقف العمليات العسكرية ويعيد المفاوضات بشكل إيجابي، موضحا أن المفاوضات في الوقت الحالي لا تُجرى بصورة مباشرة، وإنما تتم عبر وسطاء وبتدخلات مختلفة، حيث يتحدث البعض عن استمرار الوساطة الباكستانية، بينما يشير آخرون إلى أن قطر وسلطنة عمان لا تزالان تشكلان أطرافًا يتم من خلالها التوسط مع الجانب الإيراني للوصول إلى نقاط تفاوضية.
وأكد أن سيناريوهات الوضع القادم تتمثل، أولًا، في استمرار المواجهات العسكرية، بما يبقي احتمالات التصعيد قائمة بين الطرفين، وقد يدفع ذلك أحد الأطراف إلى إدراك أهمية الدخول في مفاوضات في ظل صعوبة تحقيق مكاسب حقيقية، أما السيناريو الأكثر كارثية فيتمثل في تمدد حجم الصراع مع تدخل أطراف أخرى، وهو ما قد يتجسد في استمرار تحركات أذرع إيران أو حلفائها في المنطقة، وفي مقدمتهم الحوثيون، الذين قد يسعون إلى إحداث شلل أكبر في حركة التجارة العالمية عبر ضربات في مضيق باب المندب، بما يؤدي إلى اتساع رقعة الصراع وارتفاع حجم الخسائر.
وأشار إلى وجود سيناريو ثالث يتمثل في إمكانية توجه الطرفين، خلال فترة قريبة، نحو حالة من التوافق، في ظل وجود مجموعة من الأطراف التي يمكن أن تؤدي دورًا في عملية الوساطة، ومن بينها الصين التي أطلقت مبادرة للتوسط، إلى جانب أطراف أخرى، مؤكدًا أن هذا السيناريو لا يزال مفتوحًا حتى الآن.
تقوية فرص التفاوض وتكبيد الطرف الآخر خسائر أكبر
ومن جانبه، قال الدكتور علاء السعيد، خبير الشأن الإيراني، إن التصعيد الراهن بين واشنطن وطهران دخل مرحلة شديدة الخطورة، لكنه لم يصل حتى الآن إلى نقطة "لا عودة"، مشيرًا إلى أن الطرفين أمام مواجهة مفتوحة عسكريًا، تتبادل فيها الولايات المتحدة الأمريكية وإيران الضربات، ويحاول كل طرف رفع كلفة المواجهة على الطرف الآخر، وتحسين موقعه قبل العودة إلى طاولة المفاوضات.
وأضاف "السعيد"، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن هذا التصعيد لا يعني بالضرورة الذهاب إلى حرب شاملة، مؤكدًا أن مثل هذه الحرب ستكون بلا سقف وبلا نهاية معروفة، موضحا أن المشهد الحالي يؤكد أن الخيار العسكري وحده لم ينجح في حسم الصراع، لأن الضربات الأمريكية المتتالية ألحقت أضرارًا بالبنية العسكرية الإيرانية وبعض المنشآت الحيوية والمنشآت النووية، لكنها لم تجبر إيران على التراجع أو القبول بالشروط الأمريكية، وذلك لأسباب متعددة، منها العنجهية الإيرانية، أو محاولة حفظ ماء الوجه أمام الحلفاء والميليشيات الخاصة بإيران في المنطقة.
وأوضح أن الهجمات الإيرانية على المصالح والقواعد الأمريكية، وعلى الدول العربية، وعلى حركة الملاحة في مضيق هرمز، لم تدفع واشنطن إلى وقف عملياتها، بل زادت من رغبتها في توسيع الضغط العسكري والاقتصادي، مضيفا أن استمرار سقوط الضحايا الأمريكيين، إلى جانب تهديد الطاقة والتجارة الدولية، جعل الأزمة أكثر تعقيدًا، وأن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى توسيع دائرة الحرب في الإقليم بشكل عام.
وحول السيناريوهات المحتملة، أشار إلى أن السيناريو الأول، وهو الأخطر، يتمثل في توسيع المواجهة لتشمل بصورة أكبر القواعد الأمريكية في الخليج، والمنشآت النفطية، والطرق والجسور، وحركة السفن في مضيق هرمز، مع احتمال دخول أطراف إقليمية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، موضحا أن هذا السيناريو قد يتحقق حال وقوع ضربة كبيرة تسفر عن أعداد مرتفعة من القتلى الأمريكيين، أو استهداف منشآت حيوية في دول المنطقة أو الخليج، أو توجيه واشنطن ضربات تمس القيادة السياسية الإيرانية أو البنية التحتية بشكل أكبر، مثل محطات الطاقة وآبار البترول، وهو ما قد يجعل قدرة الطرفين على ضبط الردود صعبة، ويحّول المواجهة من حرب محسوبة إلى صراع إقليمي وحرب شاملة يصعب احتواؤها.
وأشار إلى أن السيناريو الثاني، الذي يرجحه أكثر، يتمثل في استمرار التصعيد لفترة محدودة، مع وجود مفاوضات خلفية تقودها دول إقليمية ووسطاء دوليون، وصولًا في النهاية إلى هدنة مؤقتة أو تفاهم مرحلي، موضحا أن وجود مقترحات لوقف إطلاق النار لمدة 10 أيام بهدف إحياء التفاهمات، كما تحدث الوسطاء، يؤكد أن قنوات الاتصال لم تُغلق بصورة كاملة، وأن الطرفين يبحثان عن مخرج يحفظ ماء وجه الطرفين، دون استسلام طرف على حساب الآخر.
وأوضح أن إيران تدرك أن الدخول في حرب استنزاف طويلة مع الولايات المتحدة سيضاعف الضغوط الاقتصادية والعسكرية عليها، في حين تدرك واشنطن أن القوة الجوية وحدها لا يمكن أن تفرض تسوية سياسية مستقرة أو تغييرًا نهائيًا في السلوك الإيراني، مضيفا أن استمرار الضربات قد يكون وسيلة لتحسين شروط التفاوض أكثر من كونه مقدمة لاحتلال أو حرب برية شاملة، خاصة أن أي تدخل بري أمريكي ستكون كلفته السياسية والعسكرية والاقتصادية مرتفعة جدًا.
ولفت إلى وجود سيناريو ثالث يتمثل في الوصول إلى حالة "لا حرب ولا سلم"، بحيث تتراجع الضربات المباشرة تدريجيًا، مع استمرار المواجهة من خلال فرض العقوبات، والعمليات السيبرانية، والتهديدات البحرية، والهجمات المحدودة في ساحات إقليمية مختلفة، مثل الهجمات على دول عربية أو تحركات الميليشيات الإيرانية.
وأكد أن هذا السيناريو قد يؤجل الانفجار والوصول إلى حرب شاملة، لكنه لا يعالج جذور الأزمة المرتبطة بالبرنامج النووي، ومضيق هرمز، والعقوبات الأمريكية، ومستقبل التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة، وأمن الملاحة في الخليج.
وشدد على أن واشنطن وطهران لا تريدان حربًا مفتوحة، وأن الطرفين يمارسان سياسة السير على حافة الهاوية، حيث يعتقد كل طرف أن المزيد من الضغط سيدفع الطرف الآخر إلى تقديم تنازلات، موضحا أن الحروب الكبيرة لا تبدأ دائمًا بقرار سياسي واضح، وإنما قد تبدأ نتيجة ضربة خاطئة، أو تقدير غير دقيق، أو رد يتجاوز السقف المتفق عليه ضمنيًا وحدود الاشتباك القائمة.
ولفت إلى أن الفترة المقبلة ستظل تحمل احتمالين رئيسيين؛ الأول هو احتواء تفاوضي تسبقه جولة إضافية من التصعيد، والثاني هو توسع خطير حال فشل المفاوضات والوسطاء الإقليميين، وسقوط عدد كبير من الضحايا الأمريكيين بشكل خاص، مشيرا إلى إمكانية الوصول إلى تفاهم مؤقت وليس اتفاقًا شاملًا، لأن الظروف الحالية قد تسمح بوقف إطلاق النار، لكنها غير كافية لحل الخلافات الاستراتيجية العميقة بين إيران والولايات المتحدة.