الأربعاء 22 يوليو 2026

مقالات

23 يوليو.. عندما أصبحت الدولة صانعة للاقتصاد الوطني


  • 22-7-2026 | 20:52

د. علي الدكروري

طباعة
  • د. علي الدكروري

ليست كل الثورات تُقاس بعدد السنوات التي مرّت عليها، بل بما تركته من أثر في تشكيل مستقبل الأوطان، وتبقى ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 واحدة من المحطات المفصلية في التاريخ المصري الحديث، لأنها لم تغيّر نظام الحكم فحسب، بل أعادت صياغة دور الدولة في الاقتصاد والتنمية، وأسست لفلسفة وطنية ما زالت بعض مبادئها حاضرة، رغم اختلاف الظروف وتطور الأدوات.

ولعل القيمة الحقيقية لأي تجربة تاريخية لا تكمن في الاكتفاء بتمجيدها أو الانشغال بإدانتها، وإنما في قراءتها داخل سياقها الزمني، وفهم التحديات التي واجهتها، واستخلاص الدروس التي تساعدنا على بناء الحاضر والاستعداد للمستقبل.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن ثورة يوليو ليس مجرد استدعاء للماضي، بل هو محاولة لفهم جذور الاقتصاد المصري الحديث، وكيف تحولت الدولة في مرحلة دقيقة من تاريخ الوطن إلى قائد لعملية التنمية وصانع لمشروع اقتصادي واجتماعي واسع.

اقتصاد يمتلك المقومات ويفتقد العدالة

عندما قامت الثورة، كانت مصر تمتلك مقومات اقتصادية مهمة، لكنها كانت تعاني اختلالًا واضحًا في توزيع الثروة وهيكل الإنتاج.

كان الاقتصاد يعتمد بصورة أساسية على الزراعة، في حين ظل التصنيع محدودًا، وتركزت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في أيدي عدد محدود من الملاك، كما سيطرت رؤوس الأموال الأجنبية على عدد من القطاعات والأصول المؤثرة في الاقتصاد الوطني.

كان هناك نشاط اقتصادي ونمو في بعض المجالات، لكن ثماره لم تكن تصل إلى قطاعات واسعة من المصريين، وكانت التنمية تتحرك بوتيرة أبطأ من طموحات شعب يتطلع إلى الاستقلال الكامل والعدالة الاجتماعية وتحسين مستوى المعيشة.

ومن هنا انطلقت رؤية يوليو من قناعة أساسية مفادها أن الاستقلال السياسي لا يكتمل دون استقلال اقتصادي، وأن الدولة لا تستطيع حماية قرارها الوطني إذا ظلت مواردها وأصولها الاستراتيجية بعيدة عن إرادتها، أو إذا بقي اقتصادها معتمدًا بصورة كبيرة على الخارج.

الإصلاح الزراعي وتوسيع قاعدة الملكية

لم يكن الإصلاح الزراعي مجرد قانون يعيد تنظيم ملكية الأراضي، بل كان إعلانًا عن ميلاد فلسفة اجتماعية واقتصادية جديدة، ترى أن التنمية لا يمكن أن تستمر إذا ظلت الثروة مركزة في أيدي قلة، وأن توسيع قاعدة الملكية يساهم في خلق مجتمع أكثر استقرارًا وقدرة على الإنتاج.

ومع ما صاحب هذه التجربة من تحديات في التطبيق، فإنها عكست توجهًا واضحًا نحو إدماج قطاعات أوسع من المصريين في الحياة الاقتصادية، وربط العدالة الاجتماعية بمفهوم التنمية الوطنية.

فالدولة القوية ليست فقط الدولة التي تحقق النمو، بل التي تعمل كذلك على توسيع قاعدة المستفيدين منه، وتحقيق قدر مناسب من التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

الصناعة طريق الاستقلال الاقتصادي

كان الرهان الأكبر لثورة يوليو على الصناعة.

فقد أدركت الدولة مبكرًا أن الاقتصادات التي تكتفي بتصدير المواد الخام تظل محدودة القدرة على النمو والمنافسة، بينما تتولد القيمة الحقيقية داخل المصانع، عندما تتحول الموارد إلى منتجات، وتُخلق فرص العمل، وتتراكم الخبرات، وتتسع قاعدة الطبقة الوسطى التي تمثل العمود الفقري لأي اقتصاد حديث.

ومن هنا انطلقت واحدة من أكبر موجات التصنيع في تاريخ مصر، فظهرت صناعات الحديد والصلب، والألومنيوم، والغزل والنسيج، والصناعات الهندسية والكيماوية وغيرها، في محاولة لبناء قاعدة إنتاجية تمنح الاقتصاد المصري قدرًا أكبر من الاكتفاء والقدرة على اتخاذ القرار.

وقد كانت تلك المرحلة تأكيدًا لحقيقة ما زالت صالحة حتى اليوم، وهي أن الدول لا تبني قوتها الاقتصادية بالاستهلاك، بل بالإنتاج، ولا تحمي عملتها بالشعارات، بل بالصناعة والتصدير وزيادة القيمة المضافة.

قناة السويس… السيادة على الأصل الاقتصادي

جاء قرار تأميم قناة السويس ليمنح مشروع يوليو بعدًا سياديًا واقتصاديًا بالغ الأهمية.

فلم يكن القرار مجرد نقل ملكية شركة إلى الدولة المصرية، بل كان استردادًا لحق مصر في إدارة واحد من أهم أصولها الاستراتيجية، واستخدام موارده في دعم مشروع التنمية الوطني.

وقد أكدت التجربة أن امتلاك الدولة لمواردها وأصولها الحيوية ليس مجرد شعار سياسي، بل عنصر أساسي في حماية الأمن القومي الاقتصادي.

فالدول التي لا تملك أدواتها الاقتصادية الأساسية يصعب عليها أن تحافظ بصورة كاملة على استقلال قرارها السياسي، خاصة في عالم تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع حسابات النفوذ والقوة.

واليوم، تواصل قناة السويس أداء دور محوري في الاقتصاد المصري وحركة التجارة الدولية، بما يعكس عمق الرؤية التي ربطت بين السيادة الوطنية والقدرة الاقتصادية.

السد العالي… استثمار في المستقبل

ثم جاء السد العالي ليترجم مفهوم التنمية طويلة الأجل إلى واقع ملموس.

فالمشروع لم يكن مجرد سد لحجز المياه أو توليد الكهرباء، بل كان استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل الاقتصاد المصري، ساهم في تنظيم منظومة الري، وحماية البلاد من مخاطر الفيضانات والجفاف، وتوفير الطاقة اللازمة للتوسع الصناعي، ودعم التنمية الزراعية.

لقد جسّد السد العالي قدرة الدولة المصرية على تبني المشروعات الكبرى التي تتجاوز نتائجها حدود اللحظة، وتمتد آثارها إلى أجيال متعاقبة.

وتلك هي طبيعة المشروعات القومية الحقيقية؛ فقد تكون تكلفتها كبيرة، وقد تواجه تساؤلات وتحديات في بدايتها، لكن قيمتها تُقاس بقدرتها على تغيير شكل الاقتصاد والمجتمع على المدى الطويل.

الاستثمار في الإنسان

لم يقتصر مشروع يوليو على الصناعة والزراعة والبنية الأساسية، بل امتد إلى الاستثمار في الإنسان المصري.

فكان التوسع في التعليم، وإتاحة الفرصة أمام أبناء الطبقات البسيطة للوصول إلى المدارس والجامعات، وتحسين الخدمات الصحية والاجتماعية، خطوات أساسية في بناء رأس المال البشري.

ولم يكن الإنفاق على التعليم والصحة مجرد إنفاق اجتماعي، بل كان استثمارًا في أهم ثروات الدولة وأكثرها استدامة.

فالمصانع قد تتوقف، والموارد الطبيعية قد تنضب، لكن الإنسان المتعلم والقادر على الإبداع والعمل يظل المصدر الحقيقي لقوة الدول وتقدمها.

التجربة وتحدياتها

بطبيعة الحال، لم تخلُ تجربة يوليو الاقتصادية من التحديات.

فمع اتساع دور الدولة وتزايد المؤسسات العامة، برزت مع مرور الوقت مشكلات تتعلق بكفاءة الإدارة، وتضخم بعض الهياكل الإدارية، وتراجع القدرة التنافسية لعدد من المؤسسات.

كما أصبح من الضروري، مع تغير الظروف الاقتصادية محليًا وعالميًا، إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والسوق، ومنح القطاع الخاص مساحة أكبر للمشاركة في الإنتاج والاستثمار وتوفير فرص العمل.

وهذا لا يقلل من القيمة التاريخية للتجربة، بل يؤكد أن النماذج الاقتصادية ليست جامدة، وأن السياسات الناجحة هي التي تتطور مع الزمن وتتعلم من نتائجها.

فالدولة لا تتخلى عن مسؤوليتها عندما توسع دور القطاع الخاص، بل تنتقل من القيام بكل شيء بنفسها إلى وضع الرؤية، وتهيئة المناخ، وتنظيم السوق، وحماية المنافسة، وضمان عدم الإضرار بالمصلحة الوطنية.

من يوليو إلى الجمهورية الجديدة

بعد أكثر من سبعين عامًا على ثورة يوليو، تبدو مصر أمام مرحلة جديدة تختلف في أدواتها، لكنها تتقاطع معها في الهدف الوطني المتمثل في بناء دولة قوية تمتلك بنية أساسية متطورة، واقتصادًا منتجًا، وقدرة على حماية قرارها.

لقد قامت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة بدور كبير في إعادة بناء البنية الأساسية، وتطوير شبكات الطرق والموانئ والمطارات، وإنشاء المدن الجديدة، وتحديث العشوائيات والمناطق غير الآمنة، والتوسع في مشروعات الطاقة والزراعة والنقل، إلى جانب تنفيذ عدد من المشروعات القومية التي أعادت رسم الخريطة التنموية للبلاد.

ولم تكن هذه المشروعات مجرد أعمال إنشائية، بل تأسيسًا لقاعدة يحتاج إليها أي اقتصاد يسعى إلى جذب الاستثمار، وتوسيع الإنتاج، وربط مناطق الجمهورية، وخلق مجتمعات عمرانية واقتصادية جديدة.

كما بذلت الدولة جهودًا واضحة في تطوير حياة المواطنين من خلال المبادرات الاجتماعية والصحية، وفي مقدمتها مشروع «حياة كريمة» الذي يمثل أحد أكبر برامج التنمية الريفية وتحسين الخدمات، إلى جانب المبادرات الصحية الواسعة وتطوير منظومة التأمين الصحي في عدد من المحافظات.

ويُضاف إلى ذلك الاهتمام المتزايد بتوطين الصناعة، وتعميق المكون المحلي، ودعم الصادرات، وتشجيع الاستثمار الخاص، وتوسيع دور القطاع الخاص باعتباره شريكًا أساسيًا في التنمية.

فالدور الفعال للدولة لا يعني أن تزاحم المستثمر، وإنما أن تبني له الطريق، وتوفر البنية الأساسية، وتضع القواعد الواضحة، وتحمي المنافسة، وتتدخل في المجالات الاستراتيجية التي لا يستطيع السوق وحده تحمل تكلفتها أو مخاطرها.

معادلة التنمية في عالم جديد

يكمن الفارق الجوهري بين خمسينيات القرن الماضي وعالم اليوم في طبيعة الاقتصاد الدولي.

فالعالم لم يعد يعيش عصر الاقتصادات المغلقة، بل عصر سلاسل الإمداد العالمية، والمنافسة المفتوحة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والاستثمارات العابرة للحدود.

ولهذا أصبحت التنمية الناجحة تقوم على معادلة أكثر توازنًا؛ دولة قوية تخطط وتنظم وتحمي الأمن القومي الاقتصادي، وقطاع خاص قوي ينتج ويستثمر ويبتكر وينافس، ومؤسسات قادرة على تنفيذ السياسات بكفاءة، ومواطن مؤهل للتعامل مع اقتصاد المستقبل.

كما أن جذب الاستثمار لم يعد يعتمد فقط على توفير الأراضي أو الحوافز، بل يحتاج إلى وضوح الإجراءات، وسرعة إصدار التراخيص، واستقرار السياسات، وتكافؤ الفرص، وسهولة دخول المستثمر إلى السوق وخروجه منها.

وهنا تأتي أهمية الإصلاح الاقتصادي والمؤسسي، ليس باعتباره استجابة مؤقتة للضغوط، وإنما باعتباره عملية مستمرة تضمن قدرة الاقتصاد على النمو والتكيف والمنافسة.

دروس يوليو للمستقبل

أكبر درس يمكن استخلاصه من ثورة يوليو هو أن الاقتصاد لا يُبنى بالشعارات، بل بالرؤية طويلة المدى، والإنتاج، والاستثمار في الإنسان، وتطوير البنية الأساسية، والقدرة على اتخاذ القرارات الكبرى في اللحظات الحاسمة.

والدرس الثاني هو أن الاستقلال الوطني لا ينفصل عن قوة الاقتصاد؛ فكلما كانت الدولة أكثر إنتاجًا وقدرة على توفير احتياجاتها وتنويع مواردها، أصبحت أكثر قدرة على حماية قرارها ومصالحها.

أما الدرس الثالث، فهو أن العدالة الاجتماعية ليست عائقًا أمام النمو، بشرط أن تُدار من خلال سياسات فعالة تشجع العمل والإنتاج، وتوجه الدعم إلى مستحقيه، وتمنح المواطنين فرصًا حقيقية للتعليم والتقدم والمشاركة الاقتصادية.

والدرس الأخير هو أن الدولة الناجحة لا تتوقف عند نموذج واحد، بل تطور أدواتها باستمرار، وتفتح المجال أمام القطاع الخاص، وتستفيد من التكنولوجيا والاستثمار الدولي، دون أن تتخلى عن مسؤوليتها في حماية المجتمع والمصلحة الوطنية.

ذكرى لا تتوقف عند الماضي

إن قراءة ثورة 23 يوليو اليوم لا ينبغي أن تكون قراءة للماضي فقط، بل قراءة لمسار دولة ما زالت تخوض معركة التنمية بأدوات مختلفة وفي عالم أكثر تعقيدًا.

لقد تغيرت التحديات وتطورت وسائل التعامل معها، لكن الحقيقة التي أكدت عليها التجربة المصرية بقيت ثابتة: لا استقلال سياسي كامل من دون اقتصاد قوي، ولا اقتصاد قوي من دون إنتاج وبنية أساسية ورأس مال بشري قادر على الابتكار والعمل.

ولهذا، فإن ذكرى يوليو ليست مجرد محطة تاريخية نستعيدها كل عام، بل فرصة متجددة للتأمل في كيفية بناء اقتصاد أكثر قوة وعدالة وتنافسية، وكيفية تحويل ما أنجزته الدولة المصرية من بنية أساسية ومشروعات قومية إلى طاقات إنتاجية وصناعية وتصديرية تحقق عائدًا مستدامًا للمواطن والاقتصاد.

فالأوطان التي تقرأ تاريخها بوعي لا تعيش أسيرة للماضي، بل تستفيد منه في صناعة المستقبل.

خلاصة الدكروري

لم تكن ثورة 23 يوليو مجرد تغيير سياسي، بل كانت لحظة أعادت تعريف وظيفة الدولة المصرية، ورسخت أن الاستقلال الوطني يبدأ من امتلاك القرار الاقتصادي، وأن الصناعة والإنتاج والاستثمار في الإنسان هي الركائز الحقيقية لبناء الدول.

واليوم، تؤدي الدولة المصرية دورًا مهمًا في تأسيس الجمهورية الجديدة، من خلال بنية أساسية غير مسبوقة، ومدن ومشروعات قومية، وتوسع زراعي وصناعي، وبرامج اجتماعية تسعى إلى تحسين حياة المواطنين.

ويبقى التحدي في المرحلة المقبلة هو تعظيم العائد الاقتصادي من هذه الإنجازات، وزيادة الإنتاج والصادرات، وتمكين القطاع الخاص الجاد، وتحويل البنية الأساسية التي تم إنشاؤها إلى قوة تشغيل واستثمار مستدامة.

فالدولة القوية هي التي تبني الطريق، والاقتصاد القوي هو الذي يحول هذا الطريق إلى إنتاج وفرص عمل ومستقبل أفضل.

د. علي الدكروري

رجل أعمال ومستثمر دولي وخبير اقتصادي ومؤلف

أخبار الساعة

الاكثر قراءة