قال المهندس زياد عبد التواب، خبير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إن القضايا الخاصة بشبكات التواصل الاجتماعي لها أكثر من شق؛ الشق الأول، وهو الأهم والأخطر، يتعلق بالأطفال وعلاقتهم بشبكات التواصل الاجتماعي، وما تسببه لهم من إدمان الاستخدام لفترات طويلة، وهو ما يؤثر في تحصيلهم الدراسي وعلاقاتهم الاجتماعية، ويجعلهم أكثر اندماجًا مع الأجهزة، فضلًا عن تعرضهم لمحتوى قد يكون غير مناسب، أو للابتزاز الإلكتروني، أو التهديد الإلكتروني، أو التحرش الإلكتروني من قبل الكبار، أو تعرضهم لعادات وتقاليد وثقافات مغايرة لعاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا وهويتنا المصرية والعربية.
وأكد عبد التواب، في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، أن هذا الشق يمثل درجة كبيرة من الخطورة، والعالم كله بدأ يتحرك في هذا الاتجاه، وأصبح يؤمن بأن شبكات التواصل الاجتماعي يجب أن تُحجب عن الأطفال دون سن الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، بحسب كل دولة.
وأشار إلى أن أول دولة بدأت هذا الأمر كانت أستراليا عندما أصدرت أول قانون يمنع استخدام شبكات التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة من العمر، وتضمن القانون إجراءات تنفيذية واتفاقات ثنائية بين الحكومة الأسترالية وشركات التواصل الاجتماعي المالكة للتطبيقات، بحيث تُغلق حسابات الأطفال دون السادسة عشرة، وتُمنع إنشاء حسابات جديدة لهم حتى يبلغوا هذه السن.
وأوضح أنه بالفعل، أُغلِق أكثر من أربعة ملايين ونصف المليون حساب للأطفال في أستراليا خلال هذه الفترة، ولم تنجح التجربة بالقدر المتوقع بسبب بعض المعوقات الفنية، إلا أنه يجري حاليًا تداركها لضمان المنع الكامل لدخول الأطفال إلى هذه الشبكات.
وتابع: بعد أستراليا، بدأت دول عديدة تتحرك في هذا الإطار، كما جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال الاحتفال بعيد الشرطة في 25 يناير الماضي، للحكومة بدراسة تطبيق الأمر نفسه، ومن هنا بدأ مجلس النواب عقد جلسات استماع مع جميع الأطراف المعنية، مثل وزارة الاتصالات، والمجلس القومي للأمومة والطفولة، ووزارة الشباب، ووزارة التضامن، ووزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني، وشركات التكنولوجيا، وخبراء التربية وعلم النفس، من أجل الوصول إلى صيغة لقانون مصري يحمي الأطفال من هذه المخاطر.
وفي الفترة نفسها، دولًا كثيرة بدأت بالفعل تطبيق هذه الإجراءات، مع اختلاف السن بين الخامسة عشرة والسادسة عشرة، مثل إسبانيا، وأستراليا، وإيطاليا، والمملكة المتحدة، والإمارات العربية المتحدة، وفرنسا، وإندونيسيا، وعدد من دول الشرق الأقصى، التي اتفقت جميعها على ضرورة حجب شبكات التواصل الاجتماعي عمن هم دون السادسة عشرة، بسبب المخاطر الكثيرة الموجودة فيها.
وشدد خبير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه على أنه يجب توفير بدائل للأطفال، من خلال تشجيع القراءة، والرياضة، والهوايات، والتواصل الاجتماعي الحقيقي مع أقرانهم.
وفي هذا الصدد أشار إلى أنه لا يمكن أن نغفل أيضًا المبادرة المصرية «يوم بلا شاشات»، التي أطلقتها الدكتورة منى الحديدي، أستاذة الإعلام وعضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وعضو المجلس الأعلى للثقافة، وهي مبادرة تدعو إلى التوقف عن استخدام الشاشات ليوم واحد أو أقل، والعودة إلى الأنشطة التقليدية، لمعرفة مدى قدرتنا على الابتعاد عن الشاشات، وكانت موجهة للصغار والكبار على حد سواء.
الكبار ليسوا في مأمن
أما الشق الثاني، فهو متعلق بالكبار، وما يقومون به على شبكات التواصل الاجتماعي، وما يتعرضون له أيضًا من خلالها.
وقال عبد التواب إن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت بيئة خصبة للأخبار الكاذبة والمغلوطة والشائعات، ولقضايا لا وجود لها في الأساس، وإنما تُستخدم لشغل الرأي العام، أو لشحن الناس ضد الدولة، أو التأثير في حالتهم النفسية والمعنوية، وإفقادهم الأمل أو التفكير الإيجابي في المستقبل.
ولفت إلى أن هناك جانبًا آخر يتعلق بالسعي وراء «الترند» و«الريتش» وتحقيق المكاسب المادية، ما يدفع بعض من يُطلق عليهم «المؤثرون» إلى تقديم محتوى هابط أو غير مناسب أو غير أخلاقي، أو حتى تقديم محتوى مفيد لكنه غير موثق بما يكفي، فيقعون في أخطاء.
كذلك لفت إلى أن هناك أيضًا مشكلة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، الذي دخل بقوة خلال السنوات الأربع الأخيرة، وغيّر شكل شبكات التواصل الاجتماعي بصورة كبيرة، إذ أصبح عدد كبير من المستخدمين ليسوا أشخاصًا حقيقيين، وإنما برامج أو نماذج ذكاء اصطناعي تنشئ حسابات، وتتواصل مع الناس، وتنشر صورًا تبدو حقيقية، وتكوّن صداقات معهم، وتتفاعل معهم صوتًا وصورة، بينما هي في الحقيقة مجرد روبوتات أو «بوتات» وليست أشخاصًا حقيقيين.
وأكمل: كما أن الذكاء الاصطناعي أتاح إنتاج المحتوى غير المناسب، والشائعات، وتقنيات التزييف العميق، سواء في الصوت أو الصورة أو الفيديو، وقد شاهدنا خلال الفترة الأخيرة مقاطع كثيرة مفبركة بالكامل، وهو ما يسبب حالة من البلبلة، ويؤدي إلى تغيير القناعات وإعادة النظر في مفاهيم كانت مستقرة، وهو أمر بالغ الخطورة.
لذلك، فإن شبكات التواصل الاجتماعي تحتاج إلى تنظيم، سواء فيما يتعلق بالأطفال أو بالكبار، حسبما يؤكد.
ويعتقد أن هناك جهودًا كبيرة تُبذل حاليًا؛ فوزارة الداخلية تتابع الانتهاكات التي تحدث عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ومن يتابع صفحاتها الرسمية يجد أنها تعلن باستمرار عن ضبط أشخاص ثبت أن ما كانوا ينشرونه غير صحيح، ويُحالون إلى العدالة.
وأضاف: كما يتابع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ما يُنشر على شبكات التواصل الاجتماعي، ويتلقى شكاوى تتعلق بما يقدمه الإعلاميون أو القنوات المختلفة عبر منصاتهم الرقمية.
وأشار إلى أن هناك جانبًا ثالثًا يتعلق بالسب والقذف، إذ نشهد باستمرار قضايا يرفعها أشخاص ضد آخرين بسبب ما يُنشر عنهم على شبكات التواصل الاجتماعي، وهو ما رفع مستوى الوعي بأن كل ما يُنشر على هذه المنصات يخضع للمساءلة القانونية، سواء وفق قانون العقوبات، أو قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، أو قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، أو غيرها من القوانين المنظمة للفضاء الإلكتروني، وأصبح الجميع مطالبًا بإدراك أن ما ينشره على شبكات التواصل الاجتماعي يتحمل مسؤوليته الكاملة، تمامًا كما يتحمل مسؤولية أفعاله وأقواله في الواقع.
تقوية حضور الإعلام
وفي الإطار ذاته، أكد أن الإعلام يجب أن يكون حضوره على منصات التواصل الاجتماعي أكثر كثافة مما هو عليه الآن، فقد كنا نتحدث سابقًا عن الإعلام التقليدي، أما اليوم فهناك الإعلام الجديد، وهو الإعلام الرقمي الموجود على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.
لذلك، يجب أن يكون للصحف والمجلات والدوريات، والإذاعات، والمحطات الإذاعية، والقنوات الفضائية، حضور قوي في العالم الرقمي، من خلال تقديم مقتطفات من برامجها وصياغتها بالشكل المناسب للأجيال الجديدة، مثل جيل «زد» وجيل «ألفا» والأجيال التالية، حتى نملأ الفراغ الموجود في العالم الرقمي بمحتوى إعلامي هادف، يخضع للإعداد الجيد والمراجعة، وفق ما يقول.
وفي الوقت نفسه، يرى أنه ينبغي تشجيع الإعلام الرقمي الهادف، مثل البودكاست، والمجلات الإلكترونية، والكتب الإلكترونية، والبرامج الرقمية، والمنصات الإعلامية الإلكترونية.
وأكد أن الجانب الإعلامي يجب أن يكون حاضرًا بقوة في العالم الرقمي، وحتى الدراما ينبغي أن تتطور، ويكون لدينا ما يُعرف بـ«المايكرو دراما»، وهي الدراما القصيرة جدًا المناسبة للعصر ولمنصات التواصل الاجتماعي.
وتابع: يجب أن تكون لدينا منتجات رقمية، ومجلات رقمية، وكتب إلكترونية، حتى لا نترك فراغًا في العالم الرقمي تملؤه الأمور التافهة أو المحتوى غير المناسب.
ولذلك، ينبغي أن تقتنع جميع المؤسسات الإعلامية بأن انتشارها في العالم الرقمي أصبح مهمًا، بل ربما أكثر أهمية من انتشارها التقليدي، لأن نسبة كبيرة جدًا من الأجيال الجديدة أصبح توجهها نحو العالم الرقمي أكثر من العالم التقليدي، بل إن العالم الافتراضي أصبح بالنسبة إليهم هو العالم الواقعي، بينما أصبح العالم الواقعي الذي نعيشه يبدو لهم وكأنه العالم الافتراضي، كما يختتم.