في قراءة لفكر جماعة الإخوان الإرهابية، عبر تاريخها انتهجت الجماعة سلوكًا سياسيًا، اتسم بالانتهازية منذ تأسيسها، فعقدت تحالفات متغيرة وفقًا لمصالح التنظيم، من الحقبة الملكية إلى التطورات الإقليمية الراهنة، كان شعارها مصلحة الجماعة قبل أي شيء.
انتهازية على مر العصور
قال طارق البشبيشي، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، إن من أراد التعرف على حقيقة جماعة الإخوان الإرهابية، فما عليه إلا أن يطالع تاريخها، إذ انتهجت الجماعة نهجًا قائمًا على الانتهازية منذ نشأتها، موضحا أنها دعمت الملك فؤاد ثم الملك فاروق في مواجهة حزب الوفد، بهدف الحصول على مساحة أكبر للحركة والانتشار والدعم من القصر الملكي.
وأوضح "البشبيشي"، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن الجماعة الإرهابية ساندت إسماعيل صدقي باشا، الذي كان يُعرف بمعارضته للحركة الوطنية، في وقت خرج فيه المصريون احتجاجًا على إلغاء دستور 1923، وكانت الجماعة، في ذلك الوقت، الجهة الوحيدة التي أيدت إسماعيل صدقي، ومنحت موقفها غطاءً دينيًا باستشهادها بالآية الكريمة: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾، وهي الآية الواردة في سياق الحديث عن نبي الله إسماعيل عليه السلام.
وأضاف أن الجماعة الإرهابية خانت ثورة يوليو 1952، وكانت تسعى عبر العقود المتتالية في تاريخ مصر لتحقيق مصالحها دون أي مبدأ، حتى أصبحت جزءًا مما يُعرف بمشروع «الفوضى الخلاقة» في المنطقة ككل، مستشهدًا بما جرى في سوريا، إذ تحالفت مع إسرائيل والولايات المتحدة للإطاحة بنظام بشار الأسد، بما أتاح تعزيز النفوذ الإسرائيلي والأمريكي داخل سوريا.
وفيما يتعلق بحرب غزة، قال إن الجماعة الإرهابية اتخذت مواقف تصب في مصلحة إسرائيل، مشيرًا إلى وقفات احتجاجية أمام السفارة المصرية في تل أبيب كان الهدف منها الضغط على مصر لفتح معبر رفح بما يؤدي إلى تهجير الفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطينية.
واعتبر أن الجماعة تتسم بانتهازية شديدة، وأنها لا تتردد في اتخاذ أي موقف يخدم بقاء التنظيم، واستشهد بزيارة وفد من الجماعة الإرهابية إلى الكونجرس الأمريكي عقب ثورة 30 يونيو 2013، لافتًا إلى أن أحد أعضاء الوفد كان يرتدي ربطة عنق تحمل ألوان العلم الأمريكي، كمحاولة للضغط على مصر وتحريض الإدارة الأمريكية ضدها.
وشدد على أن تاريخ الجماعة الإرهابية مليء بالانتهازية والخيانة، مضيفًا أنها ترفع شعارات تتناقض، بحسب رأيه، مع مواقفها العملية.
وأكد أن هدف الجماعة الإرهابية البقاء في السلطة وتشويه كل من يخالفها، معتبرًا أن الشعب المصري أدرك حقيقتها، وهو ما تجسد في خروجه ضدها وإسقاط حكمها.
وأضاف أنه رغم مرور ما يقرب من ثلاثة عشر عامًا على ذلك، واستمرار محاولات التحريض وإنفاق أموال طائلة، فإنها لم تحقق النتائج التي كانت تسعى إليها، حتى لجأت في الفترة الأخيرة إلى الاستعانة بشخصيات مشبوهة، وهو ما اعتبره دليلًا على حجم الأزمة والانحدار الذي وصلت إليه.
التنظيم أولا ومن بعده الطوفان
ومن ناحيته، قال ثروت الخرباوي، عضو مجلس الشيوخ، إن تاريخ جماعة الإخوان الإرهابية قائم على فكرة أساسية واحدة هي التنظيم أولا ومن بعده الطوفان، الوطن لا يهم وكل شيء من اجل التنظيم مستباح، موضحا أن هذه الجماعة لا تعرف شيئا اسمه مبادئ أو خطوط حمراء، وهدفها الوحيد هو البقاء والوصول للحكم بأي ثمن، ولذلك ليس غريبا أن تتحالف مع الشيطان أو تتاجر بأي قيمة لتحقيق مصالحها.
وأوضح في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن الجماعة الإرهابية لا تؤمن بوطن بالمعنى الحقيقي، بل يرون في الدول مجرد محطات للسيطرة، ومن هنا يصبح طبيعيا أن يتنازلوا عن أي معيار أخلاقي أو وطني متى شعروا أن ذلك يخدم هدفهم.
وأضاف أن هذا المنطق المصلحي النفعي يفسر لجوءهم الدائم للركوب على أي موجة هدم وتشويه، واهتمامهم المفاجئ بنماذج التافهة والضحلة، موضحا أن الجماعة الإرهابية تدرك أنها فقدت أي ظهير شعبي أو حقيقي، وأن خطابها الديني والسياسي المستهلك أصبح مرفوضا، لذلك لم يعد أمامها سوى الرهان على الأنقاض.
وأكد أنهم يبحثون عن كل من يمتلك الاستعداد للابتذال أو إلقاء الشتائم، ليحولوه إلى أداة هدم وتخريب في الفضاء العام، وهدفهم ليس تقديم بديل وطني أو فكر محترم، بل إشاعة الفوضى، وتسطيح عقول الناس، وكسر هيبة الدولة، والإيحاء بأن المجتمع كله غارق في العشوائية والضحالة.
وتابع: "بالنسبة لهم، كل صوت هابط أو تافه هو مسمار جديد يحاولون دقه في جدار الاستقرار، وكلما زاد مستوى الابتذال ركضوا خلفه وصفقوا له طالما أنه يحقق غرضهم الأوحد في المكايدة وهدم الوعي."
وأضاف: "على صعيد العلاقة مع اليسار والشيوعيين، شاهدنا تاريخيا محطات كثيرة قامت فيها الجماعة الإرهابية بالتقارب والتحالف معهم في مواجهة السلطة، مستخدمة قاعدة "نتفق فيما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه"، وهي قاعدة لم تكن سوى غطاء لابتلاع الحلفاء أو استخدامهم كدروع سياسية، لتنقلب عليهم بمجرد تحقيق الغرض أو تغير موازين القوى".
وأكد أن التاريخ السياسي للجماعة الإرهابية يؤكد أنها كانت مستعدة دائماً لغض الطرف عن أي خلاف عقائدي أو استراتيجي، بل وتقديم التنازلات، طالما أن ذلك يضمن لها حليفا إقليميا يوفر لها الملاذ أو الدعم أو ورقة ضغط في صراعها على السلطة، لتتأكد القاعدة بأنه لا مبادئ ثابتة، بل مصالح تنظيمية متغيرة تتلون حسب الاحتياج.