أكد البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد "أفريكسيم بنك" أن أسعار القطن العالمية شهدت انتعاشاً ملحوظاً خلال النصف الأول من عام 2026، مما يمثل تحولاً هاماً بعد دورة هبوطية طويلة بدأت عام 2023 واستمرت حتى الربع الأول من العام الجاري.
وأكد البنك - في تقرير بحثي جديد صدر اليوم - أن هذا الانتعاش يفتح فرصة استراتيجية أمام الدول الأفريقية المنتجة للقطن للانتقال من تصدير الألياف الخام إلى التصنيع المحلي ذي القيمة المضافة العالية.
ويستشهد التقرير بنموذج منطقة "جلو دجيغبي" الصناعية في بنين، حيث يمكن للقطن الذي كان يحقق نحو 40 مليون دولار من تصدير الألياف الخام أن يحقق ما يصل إلى 800 مليون دولار عند تحويله إلى ملابس جاهزة.
وأكد البنك أن تعميم هذا النموذج على مستوى القارة سيمكن أفريقيا من التحول إلى قوة عالمية في صناعة المنسوجات والملابس، وتعزيز التصنيع وزيادة الصادرات والتجارة البينية في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCAFTA).
ووفقاً للتقرير، ارتفعت العقود الآجلة للقطن رقم 2 على بورصة إنتركونتيننتال (ICE) بنحو 35% من أدنى مستوياتها المسجلة في فبراير 2026، لتصل حالياً إلى حوالي 80.5 سنتاً أمريكياً للرطل. ورغم أن الأسعار لا تزال أقل من المستويات التاريخية التي بلغتها خلال دورة السلع بعد جائحة كورونا، إلا أن الأساسيات السوقية تحسنت بشكل جوهري.
وأوضح التقرير أن الانتعاش جاء مدفوعاً بمجموعة من العوامل أهمها تراجع الإنتاج العالمي المتوقع إلى 116 مليون بالة في موسم 2026/27، بانخفاض نحو 5.5% عن الموسم السابق، مقابل ارتفاع الاستهلاك العالمي في المصانع إلى حوالي 122 مليون بالة، وانخفاض مخزونات القطن العالمية إلى أدنى مستوياتها منذ موسم 2018/19، مع تراجع نسبة المخزون إلى الاستخدام من 63.8% إلى 58.4%.
كما يأتي ضمن هذه العوامل تحول استراتيجي في الصين نحو تعزيز الاستهلاك المحلي كأولوية اقتصادية لعام 2026، مدعوماً بسياسات دعم الدخل ودعم قطاع المنسوجات المنزلية وإعادة بناء مخزونات الخيوط والأقمشة، حيث تظل الصين أكبر مستهلك للألياف في العالم، وتستحوذ على أكثر من ثلث الاستهلاك العالمي.
وضمن العوامل أيضا ارتفاع أسعار النفط الخام نتيجة التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز، مما يرفع تكاليف إنتاج الألياف الصناعية (البوليستر) ويقلص ميزتها السعرية النسبية أمام القطن، فضلا عن التحديات المناخية التي أثرت على الإنتاج في الولايات المتحدة ومناطق أخرى، في حين تواصل البرازيل تعزيز مكانتها كأكبر مصدر عالمي للقطن بفضل الحجم والكفاءة اللوجستية.
وعلى الصعيد الأفريقي؛ أشار التقرير إلى أن ارتفاع الأسعار وتضييق العرض العالمي يوفران فرصة مهمة للمصدرين الأفارقة، خاصة أن القطن غرب أفريقيا يحظى بتقدير كبير لدى مصانع الغزل الآسيوية لجودته وانخفاض نسبة التلوث فيه.
غير أن التقرير حذر من أن القدرة على الاستفادة من هذه الفرصة محدودة حالياً بسبب تراجع الإنتاج في دول رئيسية مثل تشاد والكاميرون ومالي، نتيجة الظروف المناخية وارتفاع تكاليف المدخلات وضعف الإنتاجية.
وأكد "أفريكسم بنك" أن القدرة التنافسية طويلة الأجل للقارة تتطلب تسريع الاستثمار في رفع الإنتاجية وتحسين سلاسل التوريد، والأهم من ذلك التحول من تصدير الألياف الخام إلى الغزل والنسيج وتصنيع الملابس.
وفي هذا الإطار، يعمل البنك على برنامج تصنيع القطن الذي يشمل إنشاء مناطق اقتصادية خاصة لمعالجة القطن في الكاميرون وتشاد ومالي، ومبادرات مماثلة في كينيا ورواندا ونيجيريا.
كما التزم البنك بتخصيص ما يصل إلى ملياري دولار لدعم تحول قطاع القطن والمنسوجات في نيجيريا.
وفيما يتعلق بالتوقعات؛ يرى التقرير أن الآفاق تبدو إيجابية لبقية عام 2026، مدعومة بتضييق العرض وانخفاض المخزونات والتعافي التدريجي في الطلب الآسيوي، شريطة استمرار المخاطر المناخية ومرونة النمو الاقتصادي العالمي.
غير أنه حذر من مخاطر هبوطية محتملة تشمل تباطؤاً أعمق في الإنفاق الاستهلاكي العالمي، أو انخفاض أسعار الطاقة، أو محاصيل أفضل من المتوقع في الولايات المتحدة أو البرازيل، أو عودة أوسع نحو الألياف الصناعية.
ويأتي هذا التقرير ضمن جهود "أفريكسيم بنك" المستمرة لدعم التحول الهيكلي في الاقتصادات الأفريقية وتعزيز القيمة المضافة في القطاعات الاستراتيجية.