في مايو 2023 بدأ تطبيق قانون الأسواق الرقمية (Digital Markets Act - DMA)، الذي أصدره الاتحاد الأوروبي بهدف ضمان مستوى أعلى من المنافسة في الأسواق الرقمية الأوروبية، ومنع الشركات الكبرى من استغلال هيمنتها السوقية، وإتاحة فرص أوسع لدخول لاعبين جدد إلى السوق. وبما أن هذه الشركات تقدم خدماتها لملايين المستخدمين حول العالم، فقد أصبح تنظيم عملها ضرورة لضمان المنافسة العادلة، والحد من الممارسات الاحتكارية، وحماية البيانات الشخصية، ومنع استخدام الخوارزميات بصورة قد تؤثر في الشفافية والنزاهة وحياد المنافسة، وهي من أهم القضايا التي يسعى القانون إلى تنظيمها.
لذلك، قد يكون من المفيد النظر إلى أهم بنود القانون لفهم أهميته والنتائج المتوقعة منه، وهي:
1. منع تفضيل الخدمات الذاتية: لا يجوز للشركة أن تمنح خدماتها أولوية غير عادلة على خدمات المنافسين.
2. حرية الاختيار: يجب أن يتمكن المستخدم من تغيير التطبيقات الافتراضية واختيار محرك البحث أو المتصفح الذي يفضله.
3. السماح بالتوافق: إلزام بعض خدمات المراسلة بإتاحة قدر من التشغيل البيني مع الخدمات المنافسة.
4. حرية تنزيل التطبيقات: توفير بدائل أوسع لمتاجر التطبيقات وطرق الدفع، وفق ضوابط محددة.
5. حماية بيانات المستخدمين: تقييد دمج البيانات الشخصية بين الخدمات المختلفة دون موافقة واضحة.
6. منع الاحتكار داخل المنصات: عدم إجبار الشركات أو المطورين على استخدام خدمات معينة تابعة للمنصة.
7. الرقابة والعقوبات: فرض غرامات كبيرة على الشركات المخالفة، وقد تصل الإجراءات إلى تدابير أكثر صرامة عند تكرار المخالفات.
والنقطة الخامسة غاية في الأهمية؛ فهي تشدد على تقييد دمج الشركات لبيانات المستخدمين بين خدماتها المختلفة، إلا وفق ضوابط وموافقات محددة. فربما لا يرغب المستخدم في ذلك، ويفضل أن تكون بياناته في كل تطبيق منفصلة عن الأخرى، لسبب أو لآخر يخصه، ولا ينبغي إجباره على هذا الدمج.
كما ينظم القانون بصورة أساسية ثماني مجالات مرتبطة بالأسواق الرقمية، وهي: محركات البحث عبر الإنترنت، وخدمات الوساطة مثل متاجر التطبيقات، وشبكات التواصل الاجتماعي، ومنصات مشاركة الفيديو، وخدمات الاتصال مثل الرسائل والبريد الإلكتروني، وخدمات الإعلانات، وأنظمة تشغيل الأجهزة والهواتف، وخدمات الحوسبة السحابية.
وإذا، ودون الدخول في تفاصيل تقنية أو تسويقية، فإن القانون بصفة عامة مهم جدًا، ويأتي نتيجة للكثير من الشكاوى بشأن الممارسات غير السليمة التي قامت بها بعض تلك الشركات، سواء بسوء نية، أو حتى كنتيجة طبيعية لتغولها وتضخم حجم أنشطتها وأعداد المستفيدين من خدماتها، من مقدمي الخدمات والمستهلكين على حد سواء.
والآن، وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على بدء تطبيق القانون، يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي نجح في كسر فكرة أن عمالقة التكنولوجيا قوة لا تُنظَّم ولا يمكن السيطرة عليها، كما تحاول تلك الشركات أن تبدو. فقد أتاح القانون للمستخدمين خيارات أوسع، وفتح بعض الأنظمة المغلقة أمام المنافسين، ومنح الشركات الصغيرة فرصًا كانت محدودة من قبل.
ولكن، على الرغم من ذلك، ما زالت بعض الشركات تبحث عن مسارات للالتفاف على الالتزامات، بينما تواجه قابلية التشغيل البيني عقبات تقنية تحد من الأثر الفعلي للقانون. وهذا أمر طبيعي يتطلب المراقبة والمتابعة والتحديث المستمر لبنود القانون وآليات تنفيذه.