عقب إعلان نتائج جوائز الدولة، والتي جاءت لتتوّج مسيرة نخبة من المبدعين والرواد في مختلف المجالات، سادت حالة من الاحتفاء في المشهد الثقافي. وفي هذا السياق، شهدت رواية الواقع المعاصر تكريمًا استثنائيًا بفوز الناقد والروائي عبد الرحيم عبد الكريم الحجراوي بجائزة الدولة التشجيعية، لتكون بمثابة محطة فارقة تتوج سنوات من العمل الدؤوب والمغامرة السردية.
عبد الرحيم الحجراوي : عبد الرحيم عبد الكريم الحجراوي: حين أعلنت النتيجة أول ما جاء في ذهني السنوات الطويلة التي سبقت هذه اللحظة
وفي حديثه عن دلالة هذا التتويج وشعوره لحظة إعلان النتيجة، قال عبد الرحيم عبد الكريم الحجراوي في تصريح خاص لبوابة دار الهلال :«حين أعلنت النتيجة أول ما جاء في ذهني السنوات الطويلة التي سبقت هذه اللحظة، و شعرت أن كل ما صاحب كتابته من تردد وإعادة كتابة مرارًا وتكرارًا، وجد أخيرًا ما يبرره. لذلك اكتسبت الجائزة بالنسبة إليّ معنى يتجاوز قيمتها المادية أو الإعلامية، لأنها اعتراف يأتي من الدولة المصرية، واحدة من أرفع الجوائز التي تمنحها للمبدعين. ولا أظن أن هناك ما يوازي أن يحظى الكاتب بالتقدير من وطنه خاصة إذا كان هذا الوطن هو مصر».
وحول الفلسفة الفنية والروح المغامرة التي أُسست عليها الرواية، أضاف: «لم أكتب هذه الرواية بحثًا عن جائزة، لكن محاولة لإجابة عن سؤال فني ظل يشغلني طويلًا: إلى أي مدى يمكن للرواية أن تعيد ابتكار شكلها دون أن تفقد قدرتها على التواصل مع القارئ؟ لذلك سعيت إلى بناء عمل يغامر في شكله السردي، ويمنح القارئ دورًا يتجاوز التلقي إلى المشاركة في إنتاج المعنى. وقد أسعدني كثيرًا أن يصفها الروائي اليمني الكبير أحمد زين بأنها «عمل جريء ومغامر على كل المستويات... يقوم على تخطيط هندسي دقيق، لا مجال فيه للصدفة أو الارتجال...»».
وعن البناء الهندسي والتفاصيل الإنسانية والديمغرافية التي احتضنها العمل، أوضح:
«تدور الرواية خلال أربع وعشرين ساعة فقط داخل قرية في جنوب مصر، قسمت الزمن إلى ثلاثة أقسام، يبدأ السرد من القسم الأوسط، ثم ينتقل إلى الأخير، قبل أن يعود إلى البداية، بحيث يملك القارئ حرية إعادة ترتيب الأحداث وبناء الصورة الكاملة بنفسه. أردت أن يكون فعل القراءة جزءًا من بناء الرواية، فهي رواية يمكن قراءتها من أي جزء أو أي ساعة لأنها عمل يملك حبكته الخاصة به.
كما تضم الرواية أكثر من مائتين وخمسين شخصية، لأن اهتمامي انصرف إلى التفاصيل اليومية الصغيرة لكنها في الحقيقة تصنع حياة الناس وذاكرتهم وهي التفاصيل التي كثيرًا ما تغيب عن السرد التاريخي أو الدراسات الاجتماعية. واعتمدت في بناء الرواية على منطق قريب من كتابة الحوليات؛ جاء تنظيم الوقائع وفق تعاقب الزمن لا وفق الموضوعات، فأصبح الزمن هو الهيكل الذي ينتظم داخله العالم الروائي كله».
أما عن المفارقة بين مسيرته كـ ناقد مسرحي بارز وتجربته الروائية، فكشف قائلًا:
«ولعل أكثر ما منح هذا الفوز دلالته بالنسبة إلي أنه جاء عن الرواية. فعلى مدار سنوات نشرت ثمانية كتب في النقد المسرحي، بينما لم أنشر في مجال الإبداع سوى رواية واحدة ومجموعة قصصية. وربما يكشف ذلك عن مفارقة شخصية، فقد كنت أكثر جرأة في نشر ما أكتبه ناقدًا، وأكثر ترددًا في نشر ما أكتبه مبدعًا، رغم أن لدي روايتين وثلاث مجموعات قصصية ومسرحيتين في درج مكتبي».
عبد الكريم الحجراوي : استغرقت كتابة الرواية أكثر من خمس سنوات
وعن رحلة الصبر في الكتابة وما تمثله الجائزة للمستقبل، اختتم حديثه موضحًا:«استغرقت كتابة الرواية أكثر من خمس سنوات، وخلال هذه الفترة أعدت بناءها مرات عديدة، وراجعت تفاصيلها بلا توقف كما ذكرت حتى وصلت إلى الصيغة التي شعرت أنها الأقرب إلى ما كنت أطمح إليه.
أنظر إلى هذه الجائزة بوصفها بداية مرحلة جديدة أكثر من كونها تتويجًا لما مضى، فهي تحملني مسؤولية مضاعفة، وتمنحني ثقة أكبر في مشروعي الإبداعي، وتمنحني يقينًا أكبر بأن الكتابة الجادة لا تضيع وتجد دائمًا من يقدرها».
