حذر خبراء من أنه حتى في حالة الاتفاق على وقف إطلاق نار دائم بين الولايات المتحدة وإيران وانخفاض أسعار النفط عالميًا، فإن المسافرين الذين يأملون في الحصول على تذاكر طيران أرخص عليهم سيواجهون مزيد من الاضطرابات، مع توقع استمرار ارتفاع أسعار السفر الجوي لأسباب أخرى بجانب تقلب أسعار الوقود.
وترتفع أسعار تذاكر الرحلات الجوية المحلية في الولايات المتحدة حاليًا بنسبة 26.5% مقارنة بالعام الماضي، وفقًا لبيانات مؤشر أسعار المستهلك لشهر يونيو، بينما يقول محللون إن الأسعار ارتفعت عالميًا بنسبة تتراوح بين 25% و30% مقارنة بعام 2025.
وأدى الطلب القوي على السفر وانخفاض الطاقة العالمية لتكرير النفط إلى ارتفاع حاد في أسعار وقود الطائرات خلال الأسابيع الأولى من الحرب مع إيران، ورغم تراجع الأسعار عن أعلى مستوياتها، فإنها لا تزال مرتفعة، بحسب تقرير لصحيفة "الجارديان" البريطانية.
وبلغ سعر وقود الطائرات نحو 149 دولارًا للبرميل في 4 أغسطس، مقارنة مع 90 دولارًا في بداية عام 2026، بزيادة قدرها 65%، كما ارتفعت أسعار النفط الخام بنحو 30% منذ يناير، لتتداول عند نحو 76 دولارًا للبرميل.
وترتفع تكاليف وقود الطائرات بمعدل أعلى قليلًا من أسعار النفط، لأن نحو 10% فقط من النفط المكرر يمكن تحويله في المتوسط إلى وقود للطائرات.
وقالت لويز بيرك، الرئيسة العالمية لقطاع الطيران في شركة "أرجوس ميديا"، المتخصصة في توفير بيانات السلع، إن "كلما كان المنتج أكثر محدودية، زادت قابليته للتأثر بصدَمات الإمدادات"، مشيرة إلى حدوث "عدد كبير" من عمليات إغلاق المصافي، وهو عامل رئيسي وراء ارتفاع أسعار وقود الطائرات بمستويات تفوق بكثير أسعار النفط الخام التقليدي.
وساعدت مصفاة جديدة في غرب إفريقيا على زيادة الإمدادات، كما يجري العاملون في قطاع التكرير تعديلات لرفع الإنتاج إلى نحو 12% و14% للاستفادة من ارتفاع أسعار وقود الطائرات، وهو ما ساعد في تخفيف بعض حالات النقص.
وقال جون جرانت، كبير المحللين في شركة "أو إيه جي" المتخصصة في بيانات الطيران، إن أسعار وقود الطائرات تمثل أكبر تكلفة تشغيلية لشركات الطيران وأصعبها من حيث القدرة على التحكم فيها، إذ يمكن أن تتراوح تكلفتها بين 30% و35%.
ولا تملك شركات الطيران مساحة كبيرة للتحكم في تأثير ارتفاع أسعار وقود الطائرات. وقد تلجأ بعض شركات الطيران إلى التحوط من تكاليف الوقود للحد من الخسائر، بينما تشتري شركات أخرى الوقود من السوق الفورية شديدة التقلب، ولكل شركة طيران استراتيجية للتحكم في التكاليف، مثل طريقة استخدام الطائرات أو تقليص بعض المسارات.
لكن ارتفاع أسعار وقود الطائرات ليس سوى جزء من أسباب ارتفاع أسعار تذاكر السفر، حيث أدت القيود على الطاقة الإنتاجية لدى شركتي "بوينج" الأمريكية و"إيرباص" الأوروبية إلى تأخير تسليم بعض الطائرات، بينما أدت مشكلات التوظيف المستمرة لدى إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية إلى انخفاض عدد الرحلات من بعض أكبر المطارات.
ويمنح الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإيران شركات الطيران مجالًا لتحميل المسافرين المزيد من التكاليف، وقال جرانت: "بالنسبة لشركات الطيران، لا يوجد وقت أفضل للقيام بذلك، عندما تكون هناك حرب، يكون لديها عذر قوي".
كما استمر الطلب على السفر الجوي رغم ارتفاع أسعار التذاكر، ما منح شركات الطيران مساحة أكبر لمواصلة فرض أسعار مرتفعة، وقالت بيرك إن الطلب على وقود الطائرات قد يكون وصل إلى ذروته مع اقتراب انتهاء موسم السفر الصيفي، وإن التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم قد يؤدي إلى بدء عودة الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية.
لكن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة الذي أعقب الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022 أظهر أن عودة الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية قد تستغرق نحو عام أو نحو ذلك، وأضافت بيرك أن الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإيران قد يسير بشكل مختلف، نظرًا لوجود تقلبات أكبر بكثير، مشيرة إلى أن مخزونات وقود الطائرات في الولايات المتحدة تقع عند الطرف الأدنى من متوسط السنوات الخمس الماضية.
وقالت شركات الطيران التقليدية، مثل الخطوط الجوية الأمريكية، والخطوط الجوية المتحدة، وشركة دلتا للطيران، خلال مكالمات إعلان نتائجها المالية الأخيرة، إن ارتفاع أسعار تذاكر الطيران ساعد في تعويض جزء من ارتفاع تكاليف الوقود، إلا أن تقلب الأسعار يجعل من الصعب توقع آثارها، وفقًا لتقرير لوكالة رويترز.
ورغم تحقيق بعض شركات الطيران أرباحًا، فإن العديد منها لا يحقق أرباحًا، وقال جرانت إن أفضل الحالات تحقق فيها شركات الطيران هوامش ربح تبلغ نحو 15%، وأضاف أن هناك نحو 50 شركة طيران حول العالم تحقق أرباحًا كبيرة جدًا، لكن العديد من الشركات الأخرى "تعيش على التدفقات النقدية والإيرادات التي تحققها".
ولهذا السبب، لا يتوقع جرانت أي انخفاض كبير في أسعار تذاكر الطيران خلال العام المقبل، موضحًا: "لا توجد طاقة استيعابية كافية يمكن أن تعود إلى النظام لتخلق أي نوع من حرب الأسعار أو الخصومات".