لم يعد التسول قاصرًا على الشوارع والميادين، بل انتقل خلال السنوات الأخيرة إلى العالم الافتراضي، لتظهر صورة جديدة تعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المحادثات في استدرار أموال المواطنين، من خلال نشر استغاثات وطلبات مساعدة أو عرض قصص إنسانية قد تكون حقيقية في بعض الحالات، بينما قد تكون مختلقة في حالات أخرى بهدف الحصول على الأموال دون وجه حق. ويأخذ التسول الإلكتروني صورًا متعددة، من بينها إنشاء حسابات وصفحات لنشر طلبات التبرع، أو بث مقاطع مباشرة لاستعطاف المتابعين، أو استخدام صور وبيانات أشخاص آخرين، أو اختلاق حالات مرضية وأزمات مالية بهدف دفع المستخدمين إلى تحويل الأموال. وتزداد خطورة الظاهرة عندما يتحول طلب المساعدة إلى وسيلة للاحتيال، خاصة إذا تعمد الشخص تقديم معلومات كاذبة أو انتحال صفة أو اختلاق واقعة غير حقيقية للاستيلاء على أموال الغير. ماذا يقول القانون؟ لا يضع القانون المصري عقوبة واحدة تحت مسمى «التسول الإلكتروني»، وإنما تختلف العقوبة بحسب طبيعة الفعل المرتكب. فإذا توافرت أركان جريمة النصب، فقد تنطبق أحكام المادة 336 من قانون العقوبات، التي تعاقب على الاستيلاء على أموال الغير باستخدام طرق احتيالية، ومن بينها إيهام الناس بوجود مشروع كاذب أو واقعة مزورة أو اتخاذ اسم أو صفة غير صحيحة. كما يمكن أن تنطبق أحكام قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 على بعض الأفعال المرتكبة باستخدام وسائل أو حسابات إلكترونية، بحسب طبيعة الواقعة والمواد القانونية المنطبقة عليها. وقد وضع القانون إطارًا لمواجهة الجرائم التي ترتكب باستخدام تكنولوجيا المعلومات وشبكات الاتصالات. ومن صور المخالفات التي قد تدخل في نطاق المسؤولية القانونية أيضًا استخدام بيانات أو صور الغير دون وجه حق، أو نشر محتوى ينتهك الخصوصية أو القيم الأسرية، بحسب ظروف كل واقعة وتوافر أركان الجريمة المنصوص عليها قانونًا. وتبرز خطورة التسول الإلكتروني في سهولة انتشار المنشورات ووصولها إلى آلاف المستخدمين خلال دقائق، وهو ما يمنح أصحاب الحسابات الوهمية قدرة أكبر على استغلال التعاطف وجمع الأموال، خاصة مع انتشار وسائل الدفع والتحويل الإلكتروني. وفي المقابل، فإن وجود طلب للمساعدة عبر الإنترنت لا يعني تلقائيًا أن صاحبه يرتكب جريمة، فقد تكون هناك حالات إنسانية حقيقية تحتاج إلى الدعم. ويظل الفارق الأساسي هو مدى صدق البيانات والهدف من جمع الأموال وطريقة استخدامها، وما إذا كان هناك احتيال أو انتحال أو أي فعل مجرم قانونًا. وينصح بعدم تحويل الأموال إلى حسابات مجهولة بناءً على منشورات غير موثقة، وعدم مشاركة البيانات البنكية أو الشخصية مع أشخاص غير معروفين، مع ضرورة الإبلاغ عن الحسابات أو الصفحات التي يشتبه في استخدامها للاحتيال أو الاستيلاء على أموال المواطنين. وتظل مواجهة التسول الإلكتروني مسؤولية مشتركة بين الجهات المختصة والمجتمع، فالتعامل الواعي مع طلبات المساعدة على الإنترنت يمكن أن يحد من استغلال المشاعر الإنسانية، بينما يظل تطبيق القانون رادعًا لكل من يحول الفضاء الإلكتروني إلى وسيلة للنصب والاستيلاء على أموال الآخرين.