كثفت حركة طالبان في أفغانستان تحركاتها الدبلوماسية لإنهاء عزلتها الدولية، في وقت تبدي فيه قوى إقليمية ودولية رئيسية استعدادا متزايدا للتعامل مع الحركة، رغم استمرار انتهاكاتها المنهجية لحقوق الإنسان.
وبعد مرور خمس سنوات على استيلاء طالبان على السلطة، بدأت دول عدة في تجديد علاقاتها أو تكثيف اتصالاتها الدبلوماسية مع الحركة التي سيطرت على كابول عام 2021، عقب 20 عاما من القتال المسلح - وذلك وفق ما نقلته صحيفة الجارديان البريطانية اليوم السبت.
وتشمل هذه الدول الهند وقطر والصين وإيران وعددا من دول آسيا الوسطى، فيما أبرمت روسيا الشهر الماضي اتفاقا للتعاون العسكري مع طالبان، بعد اعترافها رسميا بحكومتها قبل أكثر من عام.
وأجرت المفوضية الأوروبية في يونيو الماضي محادثات مع مسؤولين من طالبان في بروكسل بشأن إعادة طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم، في أول لقاء رسمي من نوعه منذ عام 2021. وبينما وصفت المفوضية المحادثات بأنها «فنية» وتركز على ملف إعادة المهاجرين، اعتبرت طالبان الزيارة خطوة تاريخية نحو تطبيع العلاقات القنصلية مع دول الاتحاد الأوروبي.
وأثارت هذه الاتصالات مخاوف منظمات حقوق الإنسان من أن يؤدي التواصل المنفرد بين الدول والحركة إلى إضعاف موقف دولي موحد يربط أي تنازلات دبلوماسية بإحراز تقدم في مجال حقوق الإنسان.
وقالت فرشته عباسي، الباحثة في الشأن الأفغاني، إن المنظمة لا تعارض التواصل مع طالبان، خصوصا لتسهيل عمل وكالات الإغاثة والتعامل مع الأزمة الإنسانية، لكنها أعربت عن القلق بشأن الهدف النهائي من هذه الاتصالات.
وأضافت أن المجتمع الدولي يجب أن يوجه «رسالة متسقة وموحدة» إلى طالبان مفادها أنها لن تحصل على علاقات دولية طبيعية ما لم تحقق تقدما حقيقيا في حقوق المرأة وحقوق الإنسان، معتبرة أن ذلك «لا يحدث».
وتشمل الاتصالات المتزايدة أيضا دول آسيا الوسطى، إذ زار مسؤولون من طاجيكستان وتركمانستان وقيرغيزستان وأوزبكستان وكازاخستان كابول أو مدنا أفغانية أخرى هذا العام، سعيا إلى فتح طرق تجارية وإبرام اتفاقات لخطوط أنابيب تتيح لهذه الدول الحبيسة الوصول إلى الموانئ البحرية أو دول أخرى.
كما تحركت الهند لتعزيز علاقاتها مع طالبان، مستفيدة من التوترات المتزايدة بين الحركة وباكستان، فيما دعا مبعوثها لدى الأمم المتحدة في يونيو إلى إعادة النظر في العقوبات المفروضة على مسؤولين من طالبان، بما في ذلك حظر السفر وتجميد الأصول وحظر الأسلحة.
وقال المتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد إن «الإمارة الإسلامية في أفغانستان تسعى إلى إقامة علاقات مع جميع الدول»، لكنه أشار إلى أهمية خاصة لدول المنطقة والدول المجاورة بسبب ترابط المصالح والعلاقات الاقتصادية.
وفي المقابل، لا تزال دول غربية تتعامل بحذر مع الحركة. وقالت بريطانيا إنها تتبع سياسة «محدودة وبراجماتية» في التواصل مع مسؤولي طالبان، إلى حد كبير عبر بعثتها الخاصة بأفغانستان الموجودة في السفارة البريطانية لدى قطر، بينما عقدت دول غربية أخرى اجتماعات غير معلنة مع ممثلي الحركة في قطر.
ويرى محللون أن دوافع الانفتاح على طالبان تشمل المخاوف الأمنية الإقليمية، والرغبة الغربية في الحد من الهجرة غير الشرعية، إلى جانب إدراك متزايد بأن الحركة من غير المرجح أن تفقد السلطة في المستقبل المنظور.
وتسعى طالبان بدورها إلى استثمار الانفتاح الدبلوماسي في دعم اقتصاد أفغانستان الهش، من خلال مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود وتوسيع قطاع التعدين، الذي جذب شركات من الصين ودول مجاورة أخرى.
ورغم الانقسامات داخل طالبان بشأن عدد من القضايا، من بينها حظر تعليم النساء، لا تزال الحركة خاضعة بدرجة كبيرة لسيطرة الفصائل الأكثر محافظة. كما عززت قوانين حديثة القيود المفروضة على الحريات، بما في ذلك استهداف أقليات دينية وفرض عقوبات صارمة على المعارضة، فضلا عن تشديد القيود على النساء والفتيات.
ولا يتوقع محللون أن تغير طالبان موقفها في المستقبل القريب، في ظل استمرار نفوذ زعيمها هبة الله أخوند زاده، الذي يوصف بأنه رجل دين متشدد وسلطوي. ويرى باحثون في الشأن الأفغاني أن الأولوية الأساسية للحركة لا تزال تتمثل في تنفيذ أجندتها الداخلية.