لعل من مجالات الوعي الحيوي التي ينبغي التركيز عليها، والاهتمام بها، وبثها في آفاق الفكر والثقافة - ومن قبلهما التعليم - كيفيةُ مقاربة التاريخ، وقراءة مصادره، والاستنباط منه، وتحليل وقائعه، ودواعي استدعاء وقائعه، ومحالِّ الاستشهاد بها، ومواطنه، وموارده، ومضاربه. لماذا؟
لأن الاجتزاء من وقائع التاريخ، أو محاكمتها بمعايير الحاضر، أو تأويلها بما يصادف هوى فكريًّا أو مذهبيًّا أو حزبيًّا أو سياسيًّا أو دينيًّا، إلخ، قد أضحى - لكل ذي عينين - واقعًا مريرًا، ربما يعلو فيه صوت اللاعلم على العلم، وصوت الإغراض على صوت النزاهة العلمية.
ويقينًا، لدينا من البرامج الجامعية والدراسية، ومن النظريات والتطبيقات، والخبراء والعلماء في التاريخ ومجالات دراسته، ما يؤدي هذه المهمة؛ بيد أن المُراد هو النزول بهذا العلم بصورة مبسطة إلى وعي الفئات العمرية التي باتت لا تصدق أنه منذ أعوام قليلة لم يوجد اتصال بالإنترنت عريض النطاق، أو لا تصدق أن الحياة كانت، قبل عقدين من الزمن أو نحوهما، خاليةً من الهواتف المحمولة.
أبتدئ هذه الأكتوبة بهذه الخاطرة، لما لمسته من تناول غير علمي لسير أعلام وعلماء وإسهامات فكرية وعلمية في العلوم الشرعية والعربية وغيرها، في الفترة التي واكبت الانتشار الكاسح لوسائل الإعلام الحديثة، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، بما كفل لكل راغب، ومحب، وكاره، وزاعق، وناعق، ومتعلم، ومتعالم، وعالم، «قناةً، بل قنوات» فضائيةً شخصيةً يبث فيها ما يعنُّ له بغير سابق فهم وافٍ أو كافٍ.
وينسحب هذا على وقائع التاريخ الحديث والقديم، والوطني والإنساني، والديني وما سواه، إلخ.
وإذا كان هذا الشكل من أشكال المقاربة اللاعلمية للتاريخ، أو لبعض شخصياته، أو علومه، أو مراحله، يشكل خطرًا على سلامة التكوين الفكري، والمواقف من الشخصيات والإسهامات التاريخية، فإنه أوجع ما يكون بالنسبة لبلد مثل مصر؛ كونه صاحب أشكال متنوعة من القوة، أبرزها، وأدومها، وأقدرها على التأثير، هي «القوة الناعمة».
والقوة الناعمة يدخل فيها - بالأساس - التأثير العلمي؛ كيف لا، وقد جعل للأزهر الشريف شأنًا عظيمًا بين الأمم، ولمخرجاته من علماء وعلوم واجتهاد وانتشار - بالاستقدام من الخارج، وبالإيفاد إلى الخارج - تأثيرًا معلومًا هو حريٌّ بالمضاعفة في زمن يكثر فيه التضليل.
وقد رأينا في حاضرنا كيفية التناول اللاعلمي لحقب تاريخية؛ فبعض لصوص الحضارة يسعون كل السعي إلى انتحال الحضارة المصرية القديمة لمصلحة ضلال المركزية الإفريقية، ورأينا من ينفي كل خيرية عن دخول العرب والإسلام إلى مصر، ورأينا من يجبُّ أي حقبة مسيحية أو مصرية قديمة لمصر، ورأينا من يهيل التراب على الأزهر الشريف وإسهاماته، ورأينا من ينفي كل خير عن الحقبة الملكية أو بدايات العهد الجمهوري؛ إلى غير ذلك من صور الإغراض والتضليل التي تنبني - أول ما تنبني - على هوى لا يليق بالعلم، وغرض هو أقرب إلى المرض، وعلى أحكام إطلاقية تعميمية... ومن فقه علم أن «آفة النقد في التعميم»، وأن «الأحكام الإطلاقية ظلم وظلام».
ولعل ما طال «صحيح البخاري» من تشويه وتشويش، من منطلقات غير علمية، من الشواهد الكثيرة على اختلال المنهج العلمي عند الناقدين؛ أما النقد في حد ذاته فهو مطلوب - بل واجب - لتحقيق ما يلزم من تحليل، واستفادة، وتصحيح مسار، ونجاح في المستقبل.
والمهم أن يكون نقدًا علميًّا حقيقيًّا: يتقن العلوم التي أخرجت ما يود الناقد نقده، ويتقن الحقبة التاريخية التي أنتجت ما يود الناقد التصدي لنقده، ويُلم بما كان من «دراسات سابقة» وفق المنهج العلمي المتبع في تسطير الأطروحات العلمية الرصينة، مع الخلو من الهوى والذاتية... فإذا تحقق هذا، فلينطق الناقد بنقده.
ولست بصدد الدفاع عن الإمام البخاري أو عن إنتاجه العلمي، فهذا لا يدخل في تخصصي العلمي؛ ولو فعلت لخالفت ما سطرته في الفقرة السابقة مباشرة!
غير أني أود التطرق إلى ملمح آخر من ملامح الوفاء العلمي التاريخي الإنساني لمن اجتهد فأعطى، وابتدأ فرسم مسارًا أمكن الإضافة إليه والبناء عليه من علماء آخرين لاحقين.
وقد وجدت ذلك الوفاء العلمي في زيارة الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري - وزير الأوقاف - إلى جمهورية أوزبكستان الصديقة، للمشاركة في المنتدى الدولي الأول للحضارة الإسلامية، الذي عقد برعاية كريمة من الرئيس شوكت مرضيائيف، رئيس جمهورية أوزبكستان.
وعقب انتهاء المنتدى، الذي عقدت فعالياته في ثلاث مدن متباعدة: طشقند (العاصمة)، وسمرقند، وترمذ، حرص الوزير على أداء صلاة الجمعة في مسجد الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (رضي الله عنه)، وهو مسجد عظيم البناء، جميل الزخرف، بديع الهندسة، ثم توجه، ومعه عدد من العلماء من دول شتى، يرافقهم طلاب العلم وأبناء سمرقند، إلى مرقد الإمام البخاري، الذي شهد هو ومحيطه أعمال تطوير ضخمة تكللت بالافتتاح أمام السياحة الدينية المحلية والعالمية العام الماضي.
ومن باب التوقير للعلماء - سواء أكانوا أحياءً بأجسامهم أم بعطائهم - افترش الوزير والعلماء أرض المرقد أمام مشهد الإمام البخاري، وشكَّل العلماء وطلاب العلم والزائرون حلقةً توسطها الوزير؛ فقاد الجميع في تلاوة جماعية لسورة الإخلاص ثلاث مرات، ثم الفلق والناس، ثم الفاتحة؛ تلاها إقراء وسماع وإجازة للحاضرين عن أحاديث من صحيح الجامع للإمام البخاري.
وقد طلب الوزير من السادة العلماء المجازين تلاوة جانب من أسانيدهم، وإجازة الحاضرين فيها إجازةً عامةً وخاصةً، فبدأ الإجازة الدكتور علي العلايمي، أستاذ الحديث والسيرة بجامعة الزيتونة، أعقبه السيد محمود جان عبيد الله السمرقندي، ثم الدكتور أحمد إبراهيم الحسنات، ثم الدكتور عبد الحكيم أبو بكر الأزهري الماليبالي الهندي، ثم الدكتور نور الدين حميد الإدريسي، الأستاذ بجامعة القاضي عياض، ثم الدكتور محمد بن ناصري، ثم الدكتور سيف علي العصري، ثم الدكتور بوشتي بن محمد الزفزوفي، أستاذ الحديث بجامعة القرويين بمدينة فاس، ثم الشيخ عبد الحميد الخيالي، ثم الشيخ أحمد صنوبر، أستاذ الحديث في قطر وتركيا، ثم الشيخ عبد الحميد العشاق، أستاذ الحديث في دار الحديث الحسنية بالمغرب.
وأعقب ذلك تلاوة الوزير سند إجازاته، مشرقًا ومغربًا، في صحيح البخاري؛ ثم وقف الجميع، وتوجهوا بالدعاء للإمام البخاري، ولأصحاب الأسانيد، وجميع العلماء، وولاة الأمر، وعموم الناس، وأهدوا ثواب المجلس العلمي إلى روح الإمام، وجميع الأئمة، وأصحاب الفضل والعلم.
وجدد الوزير تأكيده أن هذه الجلسة ومثيلاتها تأتي إحياءً لسنة علمية رعاها العلماء وطلاب العلم على مر العصور، بقراءة كتب العلماء الراحلين بصورة راتبة، ومنح الإجازات العلمية عنها بجوار مراقدهم؛ عرفانًا بقدرهم، وتكريمًا لعطائهم العلمي الممتد عبر الأجيال، لتكون تلك الجلسات امتدادًا علميًّا، ووصالًا يهتدي بمعاني الرحمة والعرفان والإكبار لأصحاب الإسهام العلمي في تاريخ الإنسانية، وحاضرها، ومستقبلها.
أفهم هذا من منطلق الوفاء العلمي، وإحياء السنن العلمية المتبعة، وترسيخ معاني العرفان والشكر لكل من بذل، وتقديم القدوة الحسنة للأجيال الناشئة، واستدامة مسار فكري ارتضيناه على خطى أكابر علماء الأمة، جيلًا بعد جيل، وقرنًا بعد قرن، في مواجهة تيارات لا تبغي إلا القطيعة مع الماضي، سواء على أساس ديني أو لاديني، فضلًا عن بث روح التجديد المطلوبة في أوصال الأجيال الناشئة؛ فالإمام البخاري جاء بجديد في عصره بما يوحي بالتجديد، والمطلوب منا استدامة روح التجديد، والإتيان بالجديد؛ فالمتدين إنسان باحث عن خير نفسه، وأسرته، ووطنه، والإنسانية جمعاء؛ يتدين فيتميز، ويبتكر، ويخترع في كل مجالات العلوم النافعة بلا استثناء، فتدينه خير في ذاته ولغيره. وهذا عين التجديد.
لمثل هذا جُعل الوفاء العلمي، والنقد العلمي، والاجتهاد العلمي، لمن وعى.
د. أسامة رسلان
المتحدث الرسمي باسم وزارة الأوقاف