الإثنين 17 اغسطس 2026

بورتريه الهلال

بديع خيري.. كشكول المواهب

  • 17-8-2026 | 15:09

بديع خيري

طباعة
  • همت مصطفى

في حي المغربلين الشعبي بقلب القاهرة، حيث تتزاحم الأصوات وتتقاطع حكايات البسطاء، وُلد طفل لم يكن يعلم أحد أنه سيصبح أحد أعمدة المسرح المصري في القرن العشرين،  لم يتجاوز الثالثة عشر من عمره حين حمل قلمه لأول مرة، لكنه آثر أن يختبئ خلف اسم مستعار: «ابن النيل» وكأن النيل نفسه بجريانه الدؤوب وعطائه المتجدد كان أصدق تعبير عن مسيرة ستمتد لعقود، حافلة بالزجل والمسرح والسينما والتلحين والتمثيل، ولم يكن اسمه الحقيقي مجرد اسم، بل توصيفًا دقيقًا لشخصيته الفنية: «بديع الروح» في تعامله مع من حوله، و«كشكول المواهب» في تنوّع إبداعه.. إنه بديع خيري.

كان فنانًا لا يعرف حدود موهبته، كتب حين أراد الآخرون أن يمثّلوه، ولحّن حين استعصت عليه خشبة المسرح، وصنع من فشله في اختبارات التمثيل بداية لتأسيس فرقته الخاصة. ثم جاءت اللحظة الفارقة، حين التقى بصديق عمره وشريك رحلته الفنية، ليُشكّلا معًا واحدًا من أشهر الثنائيات في تاريخ المسرح العربي، ثنائي ظل لعقدين كاملين يُضحك الجماهير ويُبكيها في آن واحد.

كتب للسينما المصرية قبل أن يكتب لها أحد، صامتة كانت أم ناطقة، وترك للزجل المصري نَفَسًا جديدًا، إذ جمع في القصيدة الواحدة بحورًا شعرية متعددة، خارجًا بذلك عن المألوف الذي اعتاده الزجّالون من قبله.

بداية الرحلة.. ابن النيل

ولد بديع خيري بتاريخ 17 أغسطس 1893 م في حي المغربلين أحد أشهر الأحياء الشعبية بالقاهرة، ودخل الكتاب وحفظ القرآن الكريم وكتب الزجل في سن مبكر من عمره ثم أنهى دراسته بإحدى المدارس الأميرية بالحي، عندما تخرج «بديع» عام 1905م في معهد المعلمين، عُيّن مدرسًا لمادتي الجغرافيا واللغة الإنجليزية.

كتب «بديع» أول قصيدة له باللغة العامية في عمر الثالثة عشرة، وكتبها تحت اسم مستعار اختاره لنفسه هو «ابن النيل»، واستمر «بديع» في كتابة القصائد بعدها في صحف «الأفكار» و«المؤيد» و«الوطن» و«مصر»، و عمل في أول حياته بهيئة التليفونات المصرية، لإجادته العربية والإنجليزية، وذلك بعد تخرجه من «مدرسة المعلمين العليا»،  وكان «بديع» يريد أن يكون ممثلًا ولكنه لم ينجح في اختبارات الأداء، فأسس فرقة اسمها «المصري للتمثيل العصري».

البداية مؤلفًا لفن المونولوج

بدأ بديع خيري، رحلته الفنية في كتابة المونولوج، ثم أخذته نداهة المسرح، فقرر البدء بكتابة المسرحيات، وقدم أولى مسرحياته تحت عنوان «أما حتة ورطة»، وبعدها انضم إلى جمعية التمثيل العصري، التي كانت تقام فيها الندوات حول المسرح الفرنسي، وفي عام 1912م،و تعرف «بديع» على فنان الشعب  المتفرد سيد درويش، ثم بدأ في تأسيس فن الأوبريت الراقص في مصر، وكان  الأوبريت الأول له باسم «الجنيه المصري».

وفي عام 1917، قام بديع خيري بتأسيس المسرح الأدبي، بالإضافة لتأليف بعض المسرحيات لفرقة عكاشة، ثم بدأ في الكتابة للسينما المصرية، فكان أول من كتب لها، سواء في السينما الصامتة أو الناطقة، من خلال تأليفه للحوار والقصة والأغاني، وكان أول أفلامه الصامتة هو «المندوبان»، بينما كانت أبرز بداياته في السينما الناطقة في أفلام «العزيمة» و«انتصار الشباب».

لقاء صديقي الرحلة.. الثنائي الأشهر

 التقى بديع خيري، في عام 1918م، قبل شهور من قيام ثورة 1919م، لأول مرة مع صديقه الفني وصديق رحلته بالحياة نجيب الريحاني، حيث كانت أول تجربة فنية جمعتهما في رواية «على كيفك»، وكتب خيري للسينما الصامتة فيلمه الأول بعنوان «المانجبان» ثم الفيلم الناطق «العزيمة».

كوَن بديع خيري فرقة مسرحية مع سيد درويش في عام 1922م، وأنتجت الفرقة بمسرحية تحت عنوان «الطاحونة الحمراء» من تأليفه، لكنه اضطر إلى العودة لمواصلة مسيرته مع رفيقه نجيب الريحاني، و بعد عودته من رحلة إلى الشام، قدما معًا أوبريت «الليالي الملاح» في مارس عام 1923م، وأوبريت «الشاطر حسن»، وبعد عودة سعد زغلول وإفراج البريطانيين عنه، قدّم بديع خيري أوبريت «البرنسيس».

 عرضت «فرقة الريحاني»  في عام 1924م،  من تأليف بديع خيري أوبريت «أيام العز» و«الفلوس» و«مجلس الأنس» و«لو كنت ملك»، وفي العام نفسه كتب بديع خيري مسرحيته التاريخية «محمد علي وفتح السودان»، وحصل بها على الجائزة الثانية من وزارة الأشغال.

مع علي الكسار ومنيرة المهدية

سافر نجيب الريحاني وفرقته في جولة فنية إلى البرازيل عام 1924م، فاتجه «خيري» إلى كتابة المسرحيات للفنان علي الكسار، حيث كتب له مسرحية «الغول»، وبعد إعادة منيرة المهدية تكوين فرقتها، كتب لها بديع خيري أوبريت «الغندورة» الذي عرض في بدايات عام 1925م، أدى نجاح الأوبريت إلى استمرار خيري في الكتابة لها، فكتب لها أوبريت «قمر الزمان»، ثم أوبريتات «حورية هانم» و«الحيلة».

أسلوب « البديع»

وُصف خيري بأنه «صانع ثورة في عالم الزجل»، حيث كتب في القصيدة الواحدة عدة بحور شعرية بدلًا من النظام التقليدي الذي كان سائدًا وهو نظم الرجل على بحر شعري واحد،  ويرى حسن درويش في كتابه «بديع خيري، الأزجال البديعية والألحان الريحانية: دراسة فنية سياسية اجتماعية» أن أزجال بديع خيري كانت «تأريخًا واقعيًا دون تزييف للحقبة الزمنية التي عاصرها بما تخللها من أحداث»، كما قال خيري شلبي أن «بديع خيري هو الند الوحيد لبيرم التونسي في كتابة الزجل بنكهة مصرية أصيلة حريقة».

مؤلف في السينما 

وقام بديع خيري بكتابة الحوار، للعديد من الأفلام للسينما منها: «امتثال»،« بحبح باشا»،« سلامة في خير»،«دلع البنات»، «30 يوم في السجن»، «العائلة الكريمة»،« مليش غيرك»، «الحب كده»، «هدى»، «التضحية الكبرى»، «ياقوت»، «سي عمر»، «أبو حلموس»، «ليلة الجمعة»، «العزيمة»، «الباشمقاول، «أنشودة الراديو»، «انتصار الشباب»، «جمال ودلال»، «ما أقدرش»،«ورد الغرام»،«لهاليبو»، « أحمر شفايف».

مؤلفات بديع خيري مسرح

ألف بديع خيري للمسرح المصري العديد من المسرحيات الخالدة منها : «الدنيا لما تضحك»، «الدلوعة، «السكرتير الفني»، «إلا خمسة»، «حكاية كل يوم»، «الشايب لما يدلع»، «لو كنت حليوة»، «الستات ميعرفوش يكدبوا».

الحياة الشخصية

تزوج بديع خيري من سيدة من خارج الوسط الفني توفيت قبله وأنجب منها أبنائه الثلاثة الأكبر «مبدع» وهو محامي، «نبيل» الأصغر تخرج في معهد السينما، وابنه الثالث عادل خيري الذي أصبح ممثلًا.

رحيل وأثر باق

ورحل البديع متعدد المواهب الفنان بديع خيري عن عالمنا في 3 فبراير 1966م، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا يمتد من الزجل إلى المسرح والسينما  لكنه سيظل باقيًا في عقول ووجدان الجماهير المصرية والعربية التي تعلقت بكلماته أمام الشاشات ولا تزال تشاهد أعماله الفنية المبدعة والمتيزة بمحبة كبيرة  وتستمتع بها. ورغم غيابه، ظلت كلماته حاضرة على الشاشات، وظل لقبه «كشكول المواهب» أصدق وصف لفنان لم تُحدّه موهبة واحدة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة