سلط تقرير أصدره حديثاً برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الضوء على أهمية المراعي والتي توجد في جميع القارات باستثناء القارة القطبية الجنوبية، وتشمل الأراضي العشبية وتلك التي تغطيها الشجيرات والمناطق الجافة التي لا تُزرع بالطرق التقليدية، لكنها مع ذلك تشكل جزءا أساسيا من النظام الغذائي العالمي.
وبحسب مركز إعلام الأمم المتحدة، كشف التقرير أن أهمية المراعي ترجع إلى أن مليارا نسمة يعتمدون عليها للحصول على الغذاء والماشية وسبل العيش. وأنها أي المراعي، توفر ما يقرب من 70 في المئة من غذاء الماشية في العالم. وأن ما يصل إلى 40 في المئة منها متدهور أو معرض لخطر الاختفاء، بسبب الجفاف والرعي الجائر وسنوات من الإهمال.
ووفقاً للأمم المتحدة من المقرر أن يناقش مؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة التصحر والتي بدأت أعمال في "أولان باتور"، منغوليا، ابتداء من 17 أغسطس الجاري، التحديات التي تواجهها المراعي والتي عندما تتدهور، فإن الأمر لا يتعلق بخسارة بيئية، بل يعني قطيعا تملكه أسرة لا يجد ما يأكله، وسوقا تقل فيه أعداد الحيوانات المعروضة للبيع، وتفكك الأمن الغذائي للمجتمعات.
ذكر التقرير أن المراعي تغطي جزءا كبيرا من بتسوانا ذاك البلد الواقع في جنوب أفريقيا، وتشكل مصدرا أساسيا لاقتصاده، من صادرات اللحوم إلى سياحة "السفاري". ورغم ذلك كشفت نتائج التقييمات البيئية أن الأراضي العشبية تتقلص مع انتشار النباتات الدخيلة واشتداد موجات الجفاف، مما يترك وقتا أقل للتعافي. كما أظهر التقييم أن المراعي تكون قادرة على الصمود عندما تكون أنظمة إدارة الأراضي التقليدية التي تقودها المجتمعات المحلية قوية، ما يؤكد بأن المعرفة المحلية تمثل موردا حقيقيا، وليست مجرد هامش ثانوي.
ووفقاً لتقرير الأمم المتحدة الإنمائي، وفي كازاخستان، كانت بحيرة آرال في آسيا الوسطى رابع أكبر بحيرة في العالم، لكنها اختفت إلى حد كبير، مخلفة وراءها صحراء تمتد على مساحة 5.4 مليون هكتار. وفي منطقة كيزيلوردا المجاورة، أصبحت أكثر من 80 في المئة من المراعي متدهورة، وتحمل العواصف الترابية السامة الملح لمسافات تصل إلى آلاف الكيلومترات.
يعد هذا مثال صارخ على الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها كارثة بيئية في مكان واحد إلى الإضرار بالأراضي وسبل العيش في مناطق بعيدة عن حدودها.
كما تعد مقاطعة مارسابيت في شمال كينيا موطنا لصحراء تشالبي. وتظهر سجلات الأقمار الصناعية التي يعود تاريخها إلى عام 1990 تحول الأراضي العشبية تدريجيا إلى أراض قاحلة، مع توقعات بأن تتضاعف مساحة الصحراء خلال العقود المقبلة إذا لم يحدث أي تغيير، لتختفي المراعي التي اعتمدت عليها أجيال.
ويطرح البرنامج الإنمائي تساؤلات عدة حول ما الذي يتم فعله حيال ذلك؟ ويؤكد أنه في البلدان الثلاثة، تتبع الاستجابة نمطا متشابها ومبعثا للأمل: الجمع بين البيانات والمعرفة التي يمتلكها الذين يعيشون على هذه الأراضي.
ففي بوتسوانا أعدت تقييمها الوطني للنظم البيئية بمشاركة أكثر من 2,000 مساهم، من بينهم جهات حكومية وباحثون وحاملو المعرفة التقليدية، بما أدى إلى إنشاء قاعدة من الأدلة لتوجيه السياسات في المستقبل.
وفي كازاخستان كلفت بإجراء دراسة مفصلة حول الروابط بين المناخ والأراضي والمياه، تسهم في وضع خطط لاستعادة المراعي والري، بالتوازي مع برنامج لإعادة زراعة أشجار الساكسول في قاع بحر آرال الجاف. وقد غطى البرنامج 337 ألف هكتار، ويهدف إلى الوصول إلى 1.1 مليون هكتار بحلول عام 2030.
وفي كينيا: جمعت بين 33 عاما من بيانات الأقمار الصناعية وذكريات السكان الأصليين الذين يتذكرون كيف كانت الأراضي، مما ساعد في تطوير حلول عملية، من بينها منشأة لتحويل مسار مياه الفيضانات في كالاشا، وقطع تجريبية لإعادة إنماء الغطاء النباتي، وتدريب المجتمعات المحلية على رصد التغيرات بنفسهم.
وخلص البرنامج الإنمائي إلى أنه ثمة قاسم مشترك يجمع الدول الثلاث، وأن ما يجمع بين هذه المناطق الطبيعية، التي تفصل بينها آلاف الأميال، هو درس بسيط وهو: تترسخ جهود استعادة الأراضي عندما يرى الناس أن الحل يعكس معارفهم وخبراتهم الخاصة. فالبيانات وحدها لا تفيد المراعي؛ بل الثقة والملكية والخبرة المكتسبة من واقع الحياة هي التي تفعل ذلك.