بعد أكثر من 80 عامًا على هجوم بيرل هاربر، عادت واحدة من أكثر اللحظات شهرة في تاريخ الحرب العالمية الثانية إلى الواجهة من خلال دفتر رسمي تابع للبحرية الأمريكية، ظل لعقود متنقلًا بين المنازل قبل أن يُكتشف بالصدفة، ليكشف تدوينة سُجلت عند الساعة 7:55 صباحًا، بالتزامن مع بدء الهجوم الياباني.
وعُثر على الدفتر داخل منزل في مدينة هيميت بولاية كاليفورنيا، بعدما انتبهت تريسي لين شاريت إلى مجلد قديم ومتسخ بين المقتنيات، وفقًا لما أورده موقع "ديلي جالكسي".
ويوثق الدفتر أنشطة حوض بناء السفن التابع للبحرية الأمريكية في بيرل هاربر خلال الفترة من مارس 1941 وحتى يونيو 1942، فيما تحمل الصفحتان 282 و283 تسجيلات يومي 6 و7 ديسمبر 1941، تحت عنوان "دفتر سجل، حوض بناء السفن التابع للبحرية الأمريكية، بيرل هاربر".
وقبل الهجوم، كانت صفحات الدفتر ترصد تفاصيل الحياة اليومية المعتادة في القاعدة البحرية، من حالة الطقس ومستويات المد والجزر إلى حركة السفن وأعمال الإصلاح. لكن صباح 7 ديسمبر شهد تحولًا مفاجئًا في طبيعة التسجيلات، إذ تضمنت خانة الملاحظات تدوينة بعد دقائق من الساعة 7:55 صباحًا، أفادت بأن بيرل هاربر وأهداف عسكرية وبحرية أخرى في جزيرة أواهو تتعرض للقصف بواسطة طائرات وغواصات يابانية.
وتمنح هذه التدوينة الدفتر أهمية تاريخية استثنائية، باعتبارها سجلًا رسميًا كُتب في موقع الحدث خلال الساعات الأولى للهجوم الذي دفع الولايات المتحدة إلى دخول الحرب العالمية الثانية بصورة مباشرة.
ولا يقتصر الدفتر على يوم الهجوم، إذ يوثق أيضًا حركة عدد من السفن الحربية في الأيام السابقة له. ففي 5 ديسمبر، سجل وصول البارجتين USS Arizona وUSS Oklahoma، قبل أن تغرقا بعد يومين خلال الهجوم.
كما وثق سجل 6 ديسمبر وجود USS Pennsylvania والمدمرات USS Cassin وUSS Downes وUSS Shaw في حوض بناء السفن لإجراء أعمال إصلاح.
واستمر تسجيل الأحداث بعد الهجوم، ففي 8 ديسمبر أشار الدفتر إلى السفينة USS Utah وهي تنجرف باتجاه الممر الملاحي، مع توصية باستخدام قاطرة لتأمينها إلى جانب الرصيف، كما تضمنت التدوينات اللاحقة إشارات إلى حرائق اندلعت في مستودع للذخيرة وفي ميدان هيكام.
ويضم الدفتر أكثر من 500 صفحة، ولا تتوقف أهميته عند هجوم 7 ديسمبر، إذ يوثق أيضًا "عملية K"، وهي الهجوم الياباني الثاني على بيرل هاربر في 4 مارس 1942، إلى جانب أعمال إصلاح السفينة USS Yorktown بعد معركة بحر المرجان.
وتستمر التدوينات حتى يونيو 1942، في الفترة المحيطة بمعركة ميدواي، فيما أكد مسؤولو المحفوظات الوطنية أن الوثيقة تدعم الرواية التاريخية المعروفة عن هجوم بيرل هاربر، ولا يُتوقع أن تغير بشكل جذري فهم المؤرخين للحدث.
لكن رحلة الدفتر نفسه لا تقل غرابة عن محتواه. ففي سبعينيات القرن الماضي، عثرت أوريتا كانادي، وهي موظفة مدنية في قاعدة نورتون الجوية بولاية كاليفورنيا، عليه داخل حاوية قمامة، وحصلت على موافقة رؤسائها للاحتفاظ به.
وأخذت كانادي الدفتر إلى منزلها، ثم أعطته لابنها مايكل ويليام بوندز، الذي كان مراهقًا آنذاك، ليظل محفوظًا داخل صندوق لعقود.
وبعد سنوات طويلة، عثرت شاريت على الدفتر أثناء انتقال بوندز إلى منزلها، فتواصلا مع متجر متخصص في الكتب النادرة بمدينة باسادينا لمعرفة قيمته وإمكانية بيعه. إلا أن صاحب المتجر أدرك أن الدفتر قد يكون وثيقة حكومية رسمية، فأُبلغت المحفوظات الوطنية الأمريكية بالأمر.
وبعد التحقيق، خلص المسؤولون إلى أن الدفتر لا يزال ملكًا للحكومة الفيدرالية، واستعادت الوكالة الوثيقة في أغسطس 2025.
وأصبح الدفتر المستعاد الآن مرقمًا ومتاحًا للجمهور عبر المحفوظات الوطنية الأمريكية، كما أتيحت نسخ مكتوبة من التدوينات التي تغطي الفترة من 6 إلى 14 ديسمبر 1941.
وتتجاوز أهمية مثل هذه السجلات الجانب العسكري، إذ يمكن أن توفر دفاتر البحرية القديمة بيانات مهمة للباحثين في مجالات أخرى، ومن بينها دراسات الطقس. ويشير المصدر إلى مشروع بحثي استخدم سجلات الطقس من 19 سفينة تابعة للبحرية الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية، جرى خلاله تفريغ أكثر من 28 ألف صورة من دفاتر السفن وتحويلها إلى أكثر من 630 ألف سجل تضم ملايين الملاحظات المتعلقة بدرجات الحرارة والضغط الجوي والرياح.
ويظل هجوم بيرل هاربر، الذي وقع في 7 ديسمبر 1941، أحد أبرز الأحداث العسكرية في القرن العشرين، بعدما شنت اليابان هجومًا مفاجئًا على القاعدة البحرية الأمريكية في هاواي باستخدام مئات الطائرات، ما أسفر عن مقتل أكثر من 2400 أمريكي وإصابة نحو 1200 آخرين، فضلًا عن تدمير وإلحاق أضرار بعدد كبير من السفن والطائرات.
وفي 8 ديسمبر 1941، أعلنت الولايات المتحدة الحرب على اليابان، لتدخل الحرب العالمية الثانية بصورة مباشرة، قبل أن تعلن ألمانيا وإيطاليا الحرب على الولايات المتحدة، وتصبح واشنطن طرفًا رئيسيًا في الحرب ضد دول المحور.