في جولة ميدانية بمحافظتي كفر الشيخ والبحيرة، بدت مشروعات الاتحاد الأوروبي في قطاع المياه باعتبارها جزءًا من منظومة أوسع تتداخل فيها خدمات مياه الشرب والصرف الصحي مع حماية الموارد المائية، وتحسين الإنتاج الزراعي، ودعم الأمن الغذائي، والحد من التلوث، والتكيف مع آثار تغير المناخ، وحماية النظم البيئية الساحلية.
وتكشف المشروعات التي جرى استعراضها خلال زيارة السفيرة أنجلينا أيخهورست، رئيس وفد الاتحاد الأوروبي لدى مصر، للمحافظتين، عن تعدد مستويات التعاون الأوروبي في هذا القطاع، بدءًا من تطوير محطات مياه الشرب وشبكات الصرف ومحطات الرفع والمعالجة، مرورًا بتأهيل شبكات الصرف الزراعي ودعم إنتاج وتخزين الحبوب، ووصولًا إلى معالجة مصادر التلوث في مصرف كيتشنر وتحسين الوضع البيئي لبحيرة البرلس.
وخلال الزيارة، أكدت السفيرة أن المياه تمثل أولوية قصوى للاتحاد الأوروبي في مصر، مشيرة إلى استمرار المشروعات والاستثمارات الأوروبية في هذا القطاع خلال السنوات المقبلة، بما يشمل البنية الأساسية، والصرف الصحي، وتحلية المياه، والري، والمشروعات المرتبطة بالأراضي الزراعية.
كما أكدت أهمية التعاون مع وزارة الموارد المائية والري ووزارة الإسكان والجهات المصرية المعنية، مشيرة إلى اتساع نطاق التعاون بين مصر ودول الاتحاد الأوروبي في ملفات المياه والطاقة المتجددة وحماية البيئة ومواجهة تغير المناخ.
وتكتسب هذه المشروعات أهمية خاصة في كفر الشيخ والبحيرة، حيث تتقاطع قضايا المياه مع الزراعة والأمن الغذائي وحماية الموارد الطبيعية، بما يجعل تطوير البنية الأساسية للمياه والصرف، وتحسين إدارة الموارد، والحد من التلوث، عناصر مترابطة في دعم التنمية المحلية والقدرة على مواجهة الضغوط المناخية.
مشروعات المياه والصرف تدعم التنمية وتحمي بحيرة البرلس
وفي كفر الشيخ، بحث المهندس إبراهيم مكي، محافظ كفر الشيخ، مع السفيرة أنجلينا أيخهورست، رئيس وفد الاتحاد الأوروبي لدى مصر، سبل تعزيز التعاون والمشروعات ذات الأولوية في مجالات الصرف الصحي والمرافق، إلى جانب استعراض عدد من المشروعات الجاري تنفيذها بالمحافظة، وفي مقدمتها محطات زغلول البحري ودمرو والربع، ومصرف كيتشنر، وتطوير المنطقة الصناعية بمطوبس.
وأكد محافظ كفر الشيخ ما تتمتع به المحافظة من مقومات صناعية وزراعية وسياحية، مشيرًا إلى أهمية دعم الصناعات الصغيرة وتوفير فرص العمل للعمالة الفنية، إلى جانب الاستفادة من مشروعات تطوير البنية الأساسية في دفع عملية التنمية. واستعرض جهود تطوير بحيرة البرلس، ومنها إنشاء خمسة قنوات شعاعية لتحسين حركة وتدفق المياه، إلى جانب تنفيذ المرحلة الرابعة من أعمال التكريك وتعميق البوغاز بما يسهم في تحسين البيئة المائية ودعم الإنتاج السمكي.
كما تناول المحافظ عددًا من المشروعات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر، من بينها تدوير المخلفات ودراسة إنتاج البيوإيثانول من مخلفات بنجر السكر، بما يعزز الاستفادة الاقتصادية من المخلفات ويحد من آثارها البيئية.
تأتي مشروعات الصرف الصحي في مقدمة مجالات التعاون، حيث تستهدف محطات زغلول البحري ودمرو والربع توفير خدمة الصرف لنحو 300 ألف مواطن، بطاقة إجمالية تصل إلى نحو 35 ألف متر مكعب يوميًا. ويرتبط هذا المسار بمشروع «تحسين الصرف الصحي في كفر الشيخ والبيئة المائية لبحيرة البرلس» (KSWWE)، الذي يستهدف توفير خدمات الصرف الصحي لنحو 500 ألف مواطن لأول مرة، وتحسين المعايير الصحية والبيئية وجودة المياه في البحيرة، بما ينعكس على الأنشطة الزراعية والسمكية.
وتبلغ التكلفة الإجمالية لمشروع KSWWE نحو 164 مليون يورو، بينها 32 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي، فيما يمثل برنامج إعادة تأهيل مصرف كيتشنر نموذجًا آخر للتعامل المتكامل مع مصادر تلوث المياه، من خلال تحسين إدارة المخلفات الصلبة والصرف الصحي والحمأة، إلى جانب تطوير منظومة الصرف. ويستفيد من البرنامج نحو 6 ملايين نسمة في نطاق 11 مركزًا بمحافظات الغربية وكفر الشيخ والدقهلية، بإجمالي تمويل يقارب 408 ملايين يورو، بينها 45.8 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي، وبمشاركة بنك الاستثمار الأوروبي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
وفي مجال الأمن الغذائي، يدعم مشروع «KAFI» إنتاج الحبوب والتكيف مع تغير المناخ وتحسين تخزين ومتابعة الحبوب، من خلال تطوير إنتاج التقاوي وتربية الأصناف، وتدريب المزارعين، وتعزيز الميكنة الزراعية. وشملت الأعمال في كفر الشيخ تطوير إمكانات مركز البحوث الزراعية بسخا، وتجهيز معمل لتربية النباتات وإجراء تجارب على سلالات قمح جديدة، إلى جانب دعم وحدات تجهيز التقاوي والمعدات الزراعية.
وأكدت السفيرة أنجلينا أيخهورست استمرار الاستثمارات والمشروعات خلال أعوام 2027 و2028 و2029 في البنية الأساسية والصرف وتحلية المياه والري والأراضي الزراعية، مع استمرار التعاون مع وزارتي الموارد المائية والري والإسكان والجهات المصرية المعنية.
وأشارت إلى أن التعاون الأوروبي مع مصر يمتد كذلك إلى الطاقة المتجددة وحماية البيئة ومواجهة تغير المناخ، مؤكدة أن حماية السواحل من آثار ارتفاع مستوى سطح البحر والتآكل والنحر تمثل أولوية، في ضوء ما تفرضه التغيرات المناخية من ضغوط على المناطق الساحلية.
محطات الصرف.. منظومة معالجة متكاملة
وفي محطة زغلول البحري، برز البعد الاجتماعي لمشروعات الصرف الصحي بوضوح، حيث عرضت المهندسة هناء جانبًا من أوضاع القرى المستهدفة قبل تنفيذ شبكات الصرف، موضحة أن الأهالي كانوا يعتمدون على خزانات أرضية وحفر لتجميع مياه الصرف، وكان تفريغها بواسطة الجرارات والكساحات يمثل عبئًا ماليًا على الأسر، إذ تراوحت تكلفة النقلة الواحدة بين 230 و300 جنيه، بينما احتاجت بعض الأسر إلى ثلاث أو أربع نقلات شهريًا.
وأوضحت أن ارتفاع التكلفة دفع بعض الأهالي إلى التخلص من مياه الصرف في الشوارع، ما أدى إلى تجمعات للمياه، بينما أدى تسربها إلى الجدران إلى تهديد سلامة بعض المنازل. ومع دخول شبكات الصرف الخدمة، تغيرت أوضاع القرى بصورة ملموسة، وارتفعت القيمة السوقية للأراضي والمنازل، كما ساعد وصول الصرف على إدخال خدمات أخرى، بينها الغاز الطبيعي والاتصالات والإنترنت، فتحولت القرى تدريجيًا إلى تجمعات أكثر تكاملًا.
وأشارت إلى أن القرى المجاورة بدأت تطالب بدورها بإدخال الخدمة، فيما بادر بعض الأهالي إلى التبرع بقطع أراضٍ لإقامة محطات الرفع والمعالجة، إدراكًا لأهمية المشروع بالنسبة إلى حياتهم اليومية.
وفي إحدى القرى المستفيدة من المشروع، يروي أحد الأهالي كيف كانت الأسر قبل دخول خدمة الصرف الصحي تضطر إلى تحمل تكلفة تفريغ خزانات الصرف بصورة متكررة، وهو ما كان يمثل عبئًا إضافيًا على ميزانية الأسرة، خاصة مع زيادة عدد مرات التفريغ خلال الشهر. ومع وصول شبكات الصرف إلى المنازل، اختفت هذه المعاناة تدريجيًا، وتحسنت أوضاع الشوارع والمنازل، وأصبح الأهالي أكثر قدرة على الاستفادة من خدمات أخرى وصلت إلى القرية مع تطوير البنية الأساسية، لتتحول الخدمة من مجرد شبكة صرف إلى تغيير ملموس في تفاصيل الحياة اليومية.
ومن الناحية التنفيذية، أوضح المهندس شريف أن مجموعة المشروعات تضم نحو 38 محطة رفع، وأن معظم شبكات ومحطات الرفع المستهدفة في هذه المجموعة من المنتظر تسليمها قبل نهاية عام 2026.
أما محطة زغلول البحري، فتقام على مساحة 25 فدانًا، وبلغت نسبة التنفيذ بها نحو 70%، مع استمرار أعمال التشطيبات. وتتطلب طبيعة التربة وأعمال الإنشاءات الثقيلة تنفيذ أعمال تثبيت باستخدام خوازيق خرسانية عالية الكثافة لحماية المنشآت والمباني، فيما تقترب التكلفة الإجمالية للمحطة من مليار جنيه، بتمويل من قرض تنموي ومنحة أوروبية.
وشرح المهندس منير مدحت، ممثل الجهة المالكة بشركة مياه الشرب والصرف الصحي بكفر الشيخ، مراحل استقبال مياه الصرف بالمحطة، موضحًا أنها تجمع التصرفات الواردة من مناطق أبو خشبة والسكري وبرج مغيزل والجزيرة الخضراء، إلى جانب التوصيلات المنزلية وخطوط الانحدار الجاري تنفيذها. وتنتقل المياه إلى محطة الرفع ثم إلى مبنى المصافي، حيث يتم التخلص من المخلفات والمواد الصلبة والزيوت والشحوم والرمال.
بعد ذلك تمر المياه إلى مراحل التوزيع والأكسدة وأحواض المعالجة، مع إجراء تحاليل معملية مستمرة لمؤشرات جودة المياه، من بينها الطلب الحيوي والكيميائي على الأكسجين والمواد الصلبة العالقة. ثم تنتقل المياه إلى أحواض الخلط والتطهير بالكلور، ومنها إلى وحدات الترشيح، قبل تصريف الجزء المعالج إلى مصرف الصب، بينما توجه الحمأة المترسبة إلى أحواض التجفيف.
وأكد الدكتور أبو العباس عيسى، نائب رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، أهمية ما يقدمه شركاء التنمية من دعم لخطط قطاع المياه والصرف، ليس فقط من خلال تنفيذ البنية الأساسية، وإنما أيضًا عبر دعم التشغيل والصيانة وإدارة الأصول ورفع كفاءة العاملين، مشددًا على أن استدامة المشروعات تتطلب دمج احتياجات التشغيل والصيانة وتنمية الموارد البشرية منذ مراحل التخطيط والتنفيذ، إلى جانب تبادل الخبرات الفنية والمؤسسية.
من بحيرة البرلس إلى البحيرة.. التعاون يمتد من حماية الموارد إلى تحسين الخدمة
وامتد التعاون الأوروبي في قطاع المياه إلى محافظة البحيرة، حيث شملت الجولة عددًا من مشروعات مياه الشرب وتحسين كفاءة البنية الأساسية، و أكدت الدكتورة جاكلين عازر، محافظ البحيرة، أن التعاون مع الاتحاد الأوروبي وشركاء التنمية يمثل عنصرًا مهمًا في دعم مشروعات البنية الأساسية وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، خاصة في قطاعي مياه الشرب والصرف الصحي، لارتباطهما المباشر بجودة الحياة.
وشددت المحافظ على أهمية المتابعة المستمرة لمستوى تنفيذ المشروعات وضمان استدامة تشغيلها وتحقيق أقصى استفادة من الاستثمارات التي تضخ فيها، مع استمرار التنسيق مع وزارة الإسكان والشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي وشركة مياه البحيرة لدعم المشروعات والوصول بالخدمات إلى المناطق الأكثر احتياجًا.
من جانبها، أكدت السفيرة أنجلينا أيخهورست استمرار التعاون مع الجهات المصرية، مشيرة إلى أهمية جودة التنفيذ وكفاءة التشغيل والصيانة وبناء قدرات العاملين، إلى جانب تطبيق معايير السلامة والصحة المهنية وضمان استدامة المشروعات. وأشادت بتطوير محطة كوم القناطر والجهود المبذولة لتحسين كفاءة منظومة مياه الشرب.
من جانبه، استعرض المهندس أحمد عبد المنعم التراس، رئيس شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالبحيرة، الموقف العام للمشروعات الممولة بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي بالمحافظة، موضحًا أن البرنامج يضم 12 مشروعًا بتكلفة تقارب 1.2 مليار جنيه، ويستفيد منه أكثر من مليون مواطن بمراكز دمنهور وشبراخيت والمحمودية وأبو حمص.
وأوضح أن مشروع تطوير محطة مياه كوم القناطر تبلغ تكلفته نحو 126 مليون جنيه، ويخدم نحو 122.5 ألف نسمة بقرى كوم القناطر وأطراف نديبة وبطورس وبلقطر وقافلة والكوم الأخضر، فيما تبلغ الطاقة التصميمية للمحطة نحو 43.2 ألف متر مكعب يوميًا، وتسهم في دعم وتحسين ضغوط المياه بالمناطق المستفيدة ونهايات الشبكات بعدد من المناطق المجاورة.
وأشار المهندس أحمد التراس إلى أن أعمال التطوير بالمحطة شملت رفع كفاءة عدد من مكونات التشغيل ودعم نظم المتابعة والتحكم، إلى جانب استيفاء متطلبات الإدارة الفنية المستدامة TSM، بما يدعم كفاءة التشغيل والصيانة واستمرارية تقديم الخدمة وفق المعايير المعتمدة.
وتضم مشروعات التعاون الأوروبي مع شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالبحيرة 12 مشروعًا، بإجمالي استثمارات تقارب 1.2 مليار جنيه، يستفيد منها أكثر من مليون مواطن في مراكز دمنهور وشبراخيت والمحمودية وأبو حمص.
وتكشف الجولة أن التعاون الأوروبي في قطاع المياه لم يعد يقتصر على إنشاء البنية الأساسية، وإنما يتجه إلى منظومة متكاملة تربط تحسين الخدمات بحماية الموارد الطبيعية، ودعم الزراعة والأمن الغذائي، ورفع كفاءة التشغيل، وتعزيز قدرة المحافظات على مواجهة الضغوط البيئية والمناخية.»