في العامية المصرية، وجد سيد حجاب بحرًا لا تنفد حكاياته؛ لغة تتسع للشارع والبيت والوطن، للحب والخوف والأمل والانكسار، وللأسئلة التي لا تنتهي عند حدود الحكاية، لم يكتفِ بأن يكتب بلسان الناس، بل أعاد صياغة هذا اللسان شعريًا، فحول المفردة اليومية إلى صورة، والجملة البسيطة إلى حكمة، والقصيدة إلى صوت يشبه المصريين ويشبه تفاصيل حياتهم، ومن هذا البحر، اصطاد حجاب قصائده، ثم تركها تعبر من الورق إلى الأغنية، ومن الأغنية إلى الدراما، حتى أصبحت كلماته جزءًا من ذاكرة أجيال كاملة، وبات التتر على يديه أكثر من مجرد مقدمة لمسلسل؛ صار حكاية أخرى موازية للحكاية التي ترويها الشاشة.
وُلد سيد حجاب في 23 سبتمبر 1940 بمدينة المطرية في الدقهلية، ونشأ في بيئة ارتبط فيها الشعر بالحياة اليومية، قبل أن ينتقل إلى الإسكندرية لدراسة الهندسة عام 1956. وبدأ مشواره الشعري في سن مبكرة، ثم صدر ديوانه «صياد وجنية» في ستينيات القرن الماضي، لتتسع تجربته بعد ذلك بين الشعر والأغنية والدراما، ويصبح واحدًا من أبرز الأصوات التي منحت العامية المصرية حضورًا شعريًا ممتدًا.
لم يكن حجاب شاعرًا يكتب كلمات للأغنيات أو شارات المسلسلات فحسب، وإنما امتلك مشروعًا شعريًا جعل الكلمة جزءًا من البناء الدرامي نفسه. فكان قادرًا على التقاط المعنى الكبير من التفاصيل الصغيرة، وصياغة أسئلة الإنسان عن المال والزمن والقدر والحب والمصير، بلغة لا تتعالى على المتلقي ولا تفقد في الوقت نفسه عمقها.
في «المال والبنون»، لم يتوقف عند حكاية العمل، وإنما التقط جوهرها في كلمات تحمل رؤية كاملة للعلاقة بين المال وما يبقى للإنسان، قائلًا: «المال تجيبه الريح وتاخده الهوايل، أما البنون يوم الحساب بيفتونا»، لتصبح الكلمات جزءًا من هوية المسلسل، وتعيش في الذاكرة بعيدًا عن أحداثه وشخصياته.
ومع «ليالي الحلمية»، اتسعت قصيدته لتلامس رحلة أجيال كاملة، في أسئلة تبدو بسيطة لكنها تحمل خلفها تأملًا طويلًا في طبيعة الحياة: «ومنين بييجي الشجن.. من اختلاف الزمن، ومنين بييجي الهوى.. من ائتلاف الهوى»، وصولًا إلى «ومنين بييجي الرضا.. من الإيمان بالقضا»، لتتحول شارة المسلسل إلى مفتاح شعري لعالمه الممتد عبر الزمن.
وفي «أرابيسك»، أصبح الزمن نفسه بطلًا للقصيدة، فكتب: «وينفلت من بين إيدينا الزمان كأنه سحبة قوس في أوتار كمان»، في صورة شعرية تختصر إحساس الإنسان بمرور العمر وتبدل الأيام، بينما حمل تتر «الحقيقة والسراب» تأملًا في المال والسلطة وتقلبات الدنيا، مؤكدًا أن ما يبدو ثابتًا قد تهزه حركة الزمن.
وامتد عالم حجاب إلى «بوابة الحلواني»، حيث التقت الكلمة بالتاريخ، وإلى عشرات الأغنيات والقصائد التي صنعت حضوره خارج شاشة الدراما أيضًا. وفي كل تجربة، ظل قادرًا على الإمساك بالخيط الرفيع بين البساطة والعمق، فلا تبدو قصيدته بعيدة عن الناس، ولا تفقد في الوقت نفسه قدرتها على التأمل.
ومع كبار الملحنين، وفي مقدمتهم عمار الشريعي، تشكلت واحدة من أبرز التجارب التي جمعت الشعر بالموسيقى والدراما بالوجدان الشعبي. فكانت كلماته تعرف طريقها إلى الأذن قبل أن تستقر في الذاكرة، وتبقى حاضرة كلما عادت تلك الأعمال إلى الشاشة.
هكذا ترك سيد حجاب وراءه أكثر من دواوين وأغنيات وتترات؛ ترك لغة كاملة لها نبرتها الخاصة، وصوتًا شعريًا استطاع أن يصطاد من بحر العامية المصرية ما يكفي ليحكي الإنسان، والشارع، والوطن، والزمن.