الأحد 27 سبتمبر 2026

عرب وعالم

بولندا تضاعف إنفاقها العسكري وتراهن على الصناعة الدفاعية المحلية في ظل استمرار حرب أوكرانيا

  • 27-9-2026 | 19:04

بولندا

طباعة

نما الإنفاق الدفاعي في بولندا بوتيرة متسارعة، حيث ارتفعت نسبة الإنفاق من الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من الضعف منذ أن أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القوات الروسية بدخول أوكرانيا قبل نحو 5 سنوات، لتصل إلى 4.8% هذا العام مقارنة بـ2.2% آنذاك، وبالقيمة النقدية، يعادل ذلك 53 مليار دولار، وهو رابع أعلى مستوى في الاتحاد الأوروبي بعد ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

وينصب اهتمام وارسو بوضوح على خطر اختبار روسي وشيك لعزيمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، إلا أن هناك دافعًا آخر يتمثل في تعزيز نمو الاقتصاد، وقال مارتسين بوساتسكي، نائب وزير الخارجية البولندي، داخل مكتبه في وارسو المحاط بأبواب عازلة للصوت تشبه أبواب غرف الضغط: "من الواضح أن ذلك يفيد الأمن البولندي والدفاع البولندي والاقتصاد البولندي أيضًا".

وأضاف بوساتسكي أن تعزيز الروابط الاقتصادية بهدف تحقيق الجاهزية العسكرية من شأنه أن يردع بوتين عن مهاجمة حلف شمال الأطلسي، متابعًا: "الشيء الوحيد الذي يفهمه بوتين هو التضامن والقوة.. ولذلك كلما كنا أكثر اتحادًا وقوة، قل احتمال أن تكون نتيجة الاستفزازات الروسية الأكثر عدوانية ضد الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي"، بحسب ما أوردته صحيفة "الجارديان" البريطانية.

وما يزال الأمل قائمًا في التوصل إلى حل دبلوماسي، ففي هذا الشهر، أجرى مبعوثا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، محادثات في موسكو مع بوتين، وفي كييف مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ومن المقرر إجراء مزيد من المفاوضات الشهر المقبل، لكن مصادر دبلوماسية ترى أن روسيا من غير المرجح أن تتنازل عن مواقفها، ما يجعل استعراض حلف شمال الأطلسي لجاهزيته العسكرية أمرًا بالغ الأهمية.

ويظهر التاريخ أن الدفاع والاقتصاد مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، حيث طور الإحصائيون الناتج المحلي الإجمالي لأول مرة كمقياس استجابة للكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي واحتياجات التخطيط في زمن الحرب، بهدف قياس قدرة الاقتصاد.

وشهدت بولندا معجزة اقتصادية منذ أن مهدت حركة "تضامن"، التي نشأت من إضرابات أحواض بناء السفن في جدانسك، الطريق أمام انتقال البلاد من الشيوعية قبل نحو 4 عقود، وقفزت مستويات المعيشة من 40% من متوسط الاتحاد الأوروبي في منتصف تسعينيات القرن الماضي إلى 81% العام الماضي.

وساهم انضمام بولندا إلى الاتحاد الأوروبي في 2004 وحصولها على أموال مخصصة للحاق بالركب من بروكسل، جرى إنفاقها على طرق وخطوط سكك حديدية وبنية تحتية أخرى تعزز الإنتاجية، في دعم هذا التحول أيضًا، وتجاوز الناتج السنوي تريليون دولار العام الماضي، فيما كانت بولندا من بين أسرع اقتصادات الاتحاد الأوروبي نموًا، بمعدل سنوي بلغ 3.9% في الربع الثاني، رغم الرياح المعاكسة العالمية الناجمة عن الحرب في إيران.

لكن طفرة الإنفاق الدفاعي في بولندا ليست بلا تكلفة، كما أن التنمية الاقتصادية لم تساعدها على تجنب الاستقطاب السياسي، حيث يعد ارتفاع الموازنة العسكرية أحد أسباب توقع تسجيل بولندا أكبر عجز مالي في الاتحاد الأوروبي العام المقبل، عند 7.1% من الناتج المحلي الإجمالي.

وخفضت وكالة "موديز" للتصنيفات الائتمانية الأسبوع الماضي التصنيف الائتماني السيادي طويل الأجل للبلاد إلى أدنى مستوى منذ 2002، وسط ما وصفته بغياب واضح للرغبة في إعادة بناء الاحتياطيات المالية.

وحاول الرئيس البولندي كارول ناوروكي، الذي يحظى بدعم حزب القانون والعدالة اليميني، هذا العام منع حكومة رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك الليبرالية المؤيدة للاتحاد الأوروبي من الوصول إلى قروض استثمارية دفاعية بقيمة 44 مليار يورو، تمت الموافقة عليها ضمن برنامج الاتحاد الأوروبي للعمل الأمني من أجل أوروبا.

ومن خلال برنامج العمل الأمني من أجل أوروبا، حصلت وارسو على أكبر دفعة منفردة ضمن برنامج القروض، وتعهدت الحكومة بتوجيه نحو 90% منها إلى الصناعة الدفاعية المحلية، بقيادة مجموعة "بولسكا جروبا زبروجينيوفا" المملوكة للدولة، وهي مجموعة دفاعية ضخمة، لكن في ظل السباق لبناء القدرات، تتدفق الأموال على مصنعي الأسلحة الأمريكيين الذين يوردون صواريخ "باتريوت" ودبابات "أبرامز" ومقاتلات "إف-35".

وحذر صندوق النقد الدولي في مارس من أن الآثار الاقتصادية الإيجابية غير المباشرة الناتجة عن استثمارات الاتحاد الأوروبي في الدفاع لن تتدفق بالضرورة إلى الحكومات التي تفتح دفاترها للإنفاق، ومع ذلك تبرم وارسو صفقات دفاعية مع شركاء دوليين، من بينهم المملكة المتحدة، للمساعدة في تطوير قاعدة التصنيع المحلية بالتزامن مع بناء الجاهزية العسكرية.

وتعمل مجموعة "بابكوك" الدفاعية البريطانية مع مجموعة "بولسكا جروبا زبروجينيوفا" للمساعدة في بناء أسطول من الفرقاطات الجديدة، ويُعرف البرنامج باسم "ميتشنك"، وتمتلك الشركة حوضًا لبناء السفن في جدينيا على ساحل بحر البلطيق، وأطلق توسك أول سفينة هذا الصيف.

وتتعاون شركة "بي إيه إي سيستمز" مع شركة "ميسكو" التابعة لمجموعة "بولسكا جروبا زبروجينيوفا"، التي تصنع الذخائر والصواريخ، لبناء مصنع للمدفعية في المناطق الصناعية الجنوبية القديمة في بولندا بالقرب من كاتوفيتسه، وبحلول 2028، تخطط بولندا لإنشاء 3 مصانع جديدة للذخائر.

وخلال زيارة إلى منشأة ميسكو في أغسطس الماضي، قال توسك إن أرقام 2023 أظهرت أن بولندا كانت قادرة على إنتاج 5,000 قذيفة فقط من ذخائر عيار 155 مليمترًا، وهي قذائف مدفعية وفق معيار حلف شمال الأطلسي، وقال: "يُستخدم عدد أكبر من ذلك في يوم واحد على الجبهة الروسية الأوكرانية"، وسترفع بولندا هذا العام إنتاجها إلى 30,000 قذيفة، مع هدف الوصول إلى 200,000 قذيفة سنويًا خلال العامين المقبلين.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة