انطلقت بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية اليوم الثلاثاء ، الدورة الخامسة للمنتدى العربي للبيئة لعام 2026، والتي تنظمها الجامعة العربية، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو"، ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا"، والاتحاد الدولي لحماية الطبيعة "IUCN"، ومركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا "سيداري"، والمنظمة العربية للتنمية الزراعية.
وتنعقد هذه الدورة من المنتدى تحت شعار "استدامة المراعي لتعزيز القدرة على الصمود"، بمشاركة عدد من المسؤولين والخبراء وممثلي المنظمات العربية والدولية والدول العربية، لبحث سبل الإدارة المستدامة للنظم الرعوية وتعزيز قدرتها على مواجهة التغيرات المناخية.
ويركز المنتدى، الذي تتواصل أعماله على مدار يومين، على عدد من المحاور الرئيسية، من بينها الحوكمة الشاملة والتشاركية والأطر التشريعية لحماية حقوق الرعاة، والأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للنظم الرعوية وسلاسل القيمة، إلى جانب الابتكار والتكنولوجيا والبيانات لإدارة المراعي بصورة مستدامة، والحلول القائمة على الطبيعة لتسريع استعادة المراعي وبناء القدرة على الصمود، فضلا عن التمويل المستدام وفرص الاستثمار في قطاع المراعي.
وشهد افتتاح المنتدى عرض فيلم تسجيلي حول السنة الدولية للمراعي والرعاة، وعرضا تقديميا لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو" حول المراعي والمنتدى.
وتتناول جلسات المنتدى مناقشة "الحوكمة الشاملة والتشاركية، والأطر التشريعية لحماية حقوق الرعاة"، واستعراض الأطر القانونية والمؤسسية المنظمة لاستخدامات الأراضي الرعوية في الوطن العربي، وسبل تعزيز الحوكمة التشاركية، مع تسليط الضوء على الأنظمة المجتمعية التقليدية ودورها في إدارة المراعي وحماية التنوع البيولوجي.
كما تتناول الجلسات عرضا حول الإطار العام للحوكمة الرعوية في العالم العربي، وبحث الحلول القائمة على الطبيعة لاستعادة المراعي وتعزيز صمود المجتمعات المحلية وإدارة النظم الرعوية المستدامة، مع بحث دور هذه الحلول في مواجهة التغيرات المناخية، وإشراك المجتمعات المحلية والرعاة، وتطبيق ممارسات الإدارة المستدامة للرعي وحصاد المياه واستعادة التنوع البيولوجي.
ويبحث المنتدى الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للنظم الرعوية وسلاسل القيمة، ودور المراعي المستدامة في دعم سبل العيش الريفية، وتطوير سلاسل القيمة الرعوية، مع ضمان الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للنساء والشباب، وتعزيز مساهمة النظم الرعوية في الأمن الغذائي والتغذية واستدامة النظم الغذائية العربية.
وتتطرق الجلسات إلى الابتكار والتكنولوجيا والبيانات لإدارة مستدامة للمراعي، واستعراض توظيف تقنيات الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية والذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات في رصد تدهور الأراضي والتنبؤ المبكر بموجات الجفاف ووضع استراتيجيات استباقية لتعزيز مرونة الموارد الرعوية.
كما تناقش جلسات المنتدى "الحمى" باعتبارها نهجا مستداما لبناء الصمود المناخي وتعزيز سبل العيش المستدامة للمجتمعات الرعوية، مع بحث سبل إحياء هذا النموذج العربي التقليدي ودمجه مع أدوات الإدارة الحديثة والحلول القائمة على الطبيعة.
ويتضمن المنتدى جلسة حوارية رفيعة المستوى بعنوان "من الهشاشة إلى المرونة: الاستثمار في استعادة النظم الرعوية وتمويل التحول"، تركز على الانتقال من إدارة أزمات المراعي العربية إلى الاستثمار في استدامتها وتعزيز قدرتها على مواجهة التدهور المناخي والجفاف، وتبحث سبل بناء "رؤية عربية موحدة" تدمج المراعي في السياسات والخطط الوطنية المتعلقة بالتنوع البيولوجي والمناخ، إلى جانب تعبئة تمويل المناخ والاستثمار لدعم المراعي والانتقال من المشروعات قصيرة الأجل إلى برامج استثمارية واسعة النطاق بمشاركة المؤسسات الدولية والقطاع الخاص.
وأكد الدكتور محمود فتح الله، مدير إدارة شؤون البيئة والأرصاد الجوية بجامعة الدول العربية، أن المراعي تغطي ما بين 70 و80% من إجمالي مساحة الأرض في المنطقة العربية، وتمثل مصدر رزق لملايين الرعاة ومربي الماشية، وركيزة أساسية للأمن الغذائي، وموئلاً للأصول الوراثية للمحاصيل والتنوع البيولوجي الفريد للأراضي الجافة، فضلاً عن تقديمها خدمات بيئية حيوية تشمل تنقية المياه وتخزين الكربون.
وقال فتح الله في كلمته الافتتاحية إن المنتدى العربي للبيئة أصبح منصة عربية راسخة للحوار بين صانعي السياسات والخبراء والمجتمعات المعنية، معرباً عن سعادته بافتتاح الدورة الخامسة للمنتدى، الذي استضافت دوراته السابقة القاهرة ومسقط والرياض ونواكشوط، وحقق نجاحات كبيرة في دعم مسيرة العمل العربي المشترك في مجال البيئة.
وأضاف أن اختيار شعار الدورة الخامسة "استدامة المراعي لتعزيز القدرة على الصمود" لم يأت من فراغ، وأن المراعي في المنطقة العربية تواجه ضغوطاً متصاعدة، في مقدمتها التغيرات المناخية، وموجات الجفاف المتكررة، والعواصف الرملية والترابية، وضغوط التوسع العمراني، وضعف أطر الحوكمة، وتراجع النظم التشاركية التقليدية التي أدارت هذه الموارد بكفاءة لقرون.مشيرا إلى أن هذه العوامل تسرع تدهور المراعي وتهدد سبل عيش المجتمعات المرتبطة بها.
وأكد أن النظر إلى المراعي باعتبارها أراضي هامشية أو قاحلة لم يعد مقبولاً من المنظور الاقتصادي، موضحاً أنها نظم بيئية واجتماعية واقتصادية منتجة، وأن الاستثمار فيها يولد عائداً مضاعفاً على الأمن الغذائي، والصمود المناخي، والاستقرار الاجتماعي في المناطق الريفية والنائية.
وفي المقابل، لفت إلى أن اقتصادات الدول والمجتمعات تتحمل كلفة تدهور المراعي، في صورة فقدان للإنتاجية، وتسارع للهجرة من الريف، واتساع للفجوة الغذائية، مؤكداً أن الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق الاستثمار في الاستدامة يمثل خياراً تنموياً رشيداً قبل أن يكون خياراً بيئياً.
وأوضح أن هذا الانتقال يتطلب التحرك على مستويات متكاملة، في مقدمتها إقامة حوكمة شاملة وتشاركية تحمي حقوق الرعاة، وتؤمن حيازات الأراضي، وتعترف بالتنقل الرعوي باعتباره استراتيجية للتكيف وليس مشكلة ينبغي معالجتها.
كما دعا إلى إحياء النظم التقليدية وتطويرها، وفي مقدمتها نظام "الحمى"، باعتباره نموذجاً عربياً أصيلاً للإدارة المجتمعية للموارد، يمكن دمجه مع أدوات الإدارة الحديثة والحلول القائمة على الطبيعة.
وشدد على أهمية توظيف الابتكار والبيانات، بدءاً من الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي، في رصد تدهور المراعي والإنذار المبكر بالجفاف.مشيرا إلى ضرورة تبني نهج الترابط بين المياه والطاقة والغذاء والنظم الإيكولوجية، وتطوير سلاسل القيمة الرعوية بما يضمن إدماج المرأة والشباب.
كما أكد أهمية سد الفجوة التمويلية من خلال الانتقال من المشروعات المتفرقة قصيرة الأجل إلى برامج استثمارية واسعة النطاق، بمشاركة مؤسسات التمويل الدولية والقطاع الخاص، ودمج المراعي في المساهمات المحددة وطنياً، واستراتيجيات التنوع البيولوجي، وأهداف الحياد في تدهور الأراضي.
وقال فتح الله إن المنتدى يأتي امتداداً لمسار عربي ودولي متصل، ويستند إلى توجهات وقرارات مجلس الوزراء العرب المسؤولين عن شؤون البيئة، ولا سيما في دورته السادسة والثلاثين التي عقدت في نواكشوط في أكتوبر 2025.
وأضاف أن المنتدى يبني كذلك على مخرجات المؤتمر الإقليمي لإطلاق السنة الدولية للمراعي والرعاة، الذي عقد في تونس بداية العام الجاري، وعلى البيان الإقليمي للشرق الأدنى وشمال أفريقيا الذي أسهمت جامعة الدول العربية في صياغته وتبنيه ضمن التحالف الإقليمي للمراعي والرعاة.
وأشار إلى أن المنتدى ينعقد أيضاً في أعقاب الدورة السابعة عشرة لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر في أولان باتور، التي وضعت استعادة الأراضي والمراعي والصمود في مواجهة الجفاف في صدارة أولويات العمل الدولي.
وأكد أن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية تحرص على الاستفادة من مخرجات المنتدى في دعم سياسات الدول العربية في هذا الموضوع بالأدلة العلمية والتجارب الناجحة.
وشدد فتح الله على أن الحلول المستدامة لا تصنع إلا بمشاركة فاعلة من حاملي المعرفة التقليدية وأصحاب الحقوق، موضحاً أن الدورة الحالية تولي أهمية خاصة لإسماع صوت الرعاة والمجتمعات المحلية والمرأة والشباب، إلى جانب صوت الحكومات والخبراء والمنظمات الدولية.
وأعرب في ختام كلمته عن تطلعه إلى نقاشات ثرية ومخرجات عملية تسهم في صون المراعي وتعزيز صمود المجتمعات، من أجل نظم رعوية صحية، ومجتمعات قادرة على الصمود، ومستقبل أكثر استدامة للمنطقة العربية، متمنياً لأعمال المنتدى التوفيق والنجاح.
.